مواطنون يحتفلون وسلفيون غاضبون... ماذا يحدث في مصر يوم عاشوراء؟

الأربعاء 4 سبتمبر 201903:46 م

أمهات وجدات يصنعن أطباق العاشوراء لأفراد عائلاتهن، زحام أمام مسجد الحسين بوسط القاهرة، سلفيون يطالبون بإغلاق ضريح الحسين لأنهم يُحرِّمون الاحتفال بذكرى عاشوراء ويتهمون الشيعة المصريين بمحاولة نشر التشيع بين المصريين في ذلك اليوم، فيما يؤكد بعض شيوخ الأزهر والباحثين التاريخيين أن هذا اليوم هو يوم عيد للمصريين والاحتفال به لا علاقة له بالشيعة. هذا باختصار شديد المشهد المختلط ليوم عاشوراء في مصر يكاد يتكرر كل عام، والذي يوافق حلوله هذه السنة يوم 10 أيلول/سبتمبر الجاري.

منذ سنوات طويلة، تحتفل الحاجة "أم سعيد" التي تعيش في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة المصرية بيوم عاشوراء بالصيام في هذا اليوم واليوم الذي يسبقه وإعداد أطباق العاشوراء لكل افراد أسرتها وجيرانها الذين يعيشون في المبنى نفسه الذي تعيش فيه، وتقول لرصيف22 إنها تعلمت صناعة طبق العاشوراء من جدتها الراحلة، التي علمتها وعلمت والدتها من قبلها.

وتشرح "أم سعيد" أن العاشوراء هو طبق مصري عمره مئات السنين، يتكون من القمح واللبن والسكر ويقدم في أطباق، ويتم وضع بعض الزبيب أو المكسرات عليه ويقدم ساخناً أو بارداً حسب الرغبة، مؤكدة أنه في الماضي كانت جميع الأسر المصرية تتبادل هذا الطبق وتتعامل مع عاشوراء باعتباره يوم عيد.

وبحسب سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر المصرية، فإن المسلمين يحتفلون بهذا اليوم في العاشر من شهر المحرم من العام الهجري، شارحاً لرصيف22 أن صيام هذا اليوم واليوم الذي يسبقه سُنّة أخذها المسلمون عن النبي محمد، وسبب الاحتفال هو إظهار السعادة بنجاة نبي الله موسى من ظلم فرعون مصر قبل آلاف السنين، مضيفاً أن الإسلام لا يحرم الاحتفالات، وأن احتفال المصريين في هذا اليوم بإقامة حفلات إنشاد ديني أمام المساجد المهمة مثل مسجد الإمام الحسين لا يتعارض والشرع.

وتقول دار الإفتاء المصرية لرصيف22 إن "صيام يوم عاشوراء يكفر عن ذنوب السنة التي قبلها، كما قال النبي محمد"، مضيفة أنه "يستحب صيام يومى التاسع والعاشر من شهر المحرم"، وترفض الدار أي دعوات سلفية لمنع الاحتفال بهذا اليوم، وتؤكد أنه لا تتم أي أمور في هذا اليوم تتعارض مع الشرع الإسلامي مثلما يردد السلفيون.

عن طبق العاشوراء

تشرح "أم سعيد" لرصيف22 أسهل وأفضل طريقة لإعداد طبق العاشوراء، قائلة إن كل ما ستحتاجونه هو نصف كيلوغرام من القمح، ونصف كوب سكر، ونصف كوب قشطة، وملعقتان كبيرتان من النشاء المذاب في الماء، وملعقة صغيرة من مسحوق الفانيليا، وكوبان من اللبن الكامل الدسم، بالإضافة إلى ثلاث ملاعق كبيرة من المكسرات لتزيين الطبق في النهاية.

أما طريقة إعداد الطبق بحسب "أم سعيد"، فتبدأ بنقع القمح ليلة أو ليلتين، ثم يتم تصفيته، وغسله جيداً قبل وضعه على النار لسلقه، ثم يجري غلي اللبن مع القشطة، ثم وضعه على النار مع القمح المسلوق. بعد ذلك يُقلب المزيج على نار هادئة ووضع السكر للمكونات، ثم وضع الفانيليا فالنشاء المذاب في الماء، ويجري تقليب الخليط على نار متوسطة حتى يصبح القوام غليظاً، ثم يُقدم الطبق دافئاً أو بارداً حسب الرغبة وتُوضع المكسرات عليه ليصبح وجبة غذائية متكاملة بحسب "أم سعيد".

وبشأن طبق العاشوراء، يرى سعد الدين الهلالي أنه طبق لذيذ، يعبر عن سعادة المصريين بهذا اليوم، قائلاً إنه يحب تناوله ولا يرى في الأمر أي تعارض مع الشرع مثلما يردد العديد من السلفيين الذين يضايقهم أن يعبر المصريون عن سعادتهم بهذه المناسبة. "استمتعوا بالعاشوراء ولا تهتموا بما يقولوه المتطرفون"، يقول الهلالي.

بعد سقوط الحكم الفاطمي تحول يوم عاشوراء إلى يوم فرح "نكاية" في الفاطميين وبعدما كان الفاطميون يأكلون في هذا اليوم أجباناً وألباناً وعسلاً وخبزاً يميل لونه إلى الأسود حزناً على مقتل الحسين، أصبحوا يأكلون العاشوراء وهي طبق حلو يعبر عن السعادة” يقول الورداني في كتابه

وفي العام 2017، طالب الداعية السلفي سامح عبدالحميد حمودة، وهو قيادي سابق في حزب النور السلفي، بهدم ضريح الحسين الموجود داخل مسجده بالقاهرة، ومنع الاحتفالات بيوم عاشوراء التي تتم أمام المسجد، معتبراً أن تلك الاحتفالات هدفها نشر التشيع، وحينذاك قال حمودة، إن الحسين ليس موجوداً داخل هذا الضريح، مُضيفاً أنه قُتل في كربلاء بالعراق، ومسجد الحسين في القاهرة لا يوجد به رأس الحسين، متهماً الشيعة بالكذب في هذا الأمر. وتسببت دعوة حمودة في جدل كبير حينذاك، خصوصاً من جانب الصوفية الذين يرون مسجد الحسين رمزاً مهماً لهم.

من الحزن إلى الفرح

وفي كتابه "الشيعة في مصر: من الإمام علي إلى الإمام الخميني" يقول الباحث صالح الورداني، إن العصر الفاطمي اشتهر بكثرة الاحتفالات الدينية والاجتماعية، مؤكداً أن المصريين تفاعلوا بإيجابية مع هذه الاحتفالات لأسباب ترفيهية، تعود إلى عشقهم للاحتفال والبهجة، وأسباب أخرى اقتصادية، إذ كانت توزع في هذه الاحتفالات الأعطيات والمنح.

ويكشف الورداني في كتابه أن الفاطميين كانوا يتخذون من يوم عاشوراء يوم حزن بسبب المذبحة التي استهدفت أحفاد النبي محمد في كربلاء في يوم العاشر من المحرم، شارحاً أنه في هذا اليوم كانت تتعطل الأسواق وتنتشر مظاهر الحزن في البلاد.

لكن في ما بعد، بالتحديد بعدما زال حكم الفاطميين في العام 1171 ميلادياً، تغيرت الأمور تماماً في ما يخص يوم عاشوراء، إذ أصبح "يوم سعادة نكاية في الفاطميين" ومن أجل ذلك صنعوا الحلوى، وبعدما كان الفاطميون يأكلون في هذا اليوم أجباناً وألباناً وعسلاً وخبزاً يميل لونه إلى الأسود حزناً على مقتل الحسين في كربلاء، وفقاً لما ذكره الورداني في كتابه، أصبحوا يأكلون العاشوراء وهي طبق حلو يعبر عن السعادة.

يقول سعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر إن الإسلام لا يحرم الاحتفالات، وإن احتفال المصريين بيوم عاشوراء عن طريق تناول أطباق العاشوراء وإقامة حفلات إنشاد ديني أمام المساجد المهمة مثل مسجد الإمام الحسين لا يتعارض والشرع

وإلى جانب طبق العاشوراء، عرف المصريون في الماضي، وبالتحديد في أول 10 أيام من شهر المحرم، عادة شراء "الميعة المباركة"، ويقصد بها البخور الذي كان يستخدمه المصريون في هذه الفترة للوقاية من "شر العين الحاسدة"، وحينذاك كان الباعة ينتشرون في الشوارع، حاملين "الميعة المباركة" وينادون بصوت عال: "ميعة مباركة، سنة جديدة، عاشوراء مباركة، إن شاء الله تكون أكثر السنوات بركة على المؤمنين".

وكان المصريون حينذاك يشترون "الميعة" لرشها فوق الفحم المشتعل، مرددين "رقيتك من عين البنت الغارزة أكثر من المسمار، ورقيتك من عين الست الحادة أكثر من السكين، ورقيتك من عين الولد المؤلمة أكثر من السوط ومن عين الرجل القاطعة أكثر من سكين الفرح"، بحسب اعتقاد الناس في تلك الآونة.

وفي يوم عاشوراء من كل عام، يتوجه آلاف المصريين إلى مسجد الحسين المعروف بمنطقة الأزهر في وسط القاهرة، حيث تقام احتفالات خاصة بهذه المناسبة، ويحتشد الناس على طول الطرق المؤدية إلى المسجد، الذي يكتظ بالزائرين، ويبدأ "الدراويش" حلقة الذكر، مرددين: "الله، الله".

وفي مساء هذا اليوم يتوسط أحد الدراويش حلقة الذكر، ويدور حول نفسه، محركاً قدميه، وممدداً ذراعيه، ثم يزيد من اهتزازه وحركته، ويستمر في الدوران نحو 10 دقائق، ثم يجلسون جميعهم للراحة، وينهضون ثانية، ويعيدون الكرة مجدداً، على خلاف ما تشهده طقوس إحياء عاشوراء في دول أخرى من لطم للصدور وإسالة الدماء من الأجساد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard