سوريات يُطعمن مصر… كيف نجحن في صناعة الحلوى وتجهيز الولائم واكتسحن السوق المصرية؟

الخميس 15 أغسطس 201906:16 م
Read in English

راهنّ على عشق المصريين لكل ما هو سوري، فقررن تعلم صناعة الحلوى والأطعمة الأخرى، وبمزيد من الحماس والنشاط والعزم استطعن النجاح في بلد يشكو العديد من سكانه الأصليين من البطالة. إنهن السوريات اللواتي جئن إلى مصر هرباً من حرب أهلية طاحنة، وفي القاهرة تميزن في صناعة الحلويات، كما أبدعن في تجهيز الولائم، وهذا ما جعل الكثير من المصريين يثقون بهن، ويقبلون على شراء منتجاتهن بفضل جودتها وتدني أسعارها. لكن كيف استطاعت السوريات النجاح في هذا المجال في مصر ومنافسة المصريين في عقر دارهم؟

لم تكن "أم لؤي" تتخيل في يوم من الأيام أنها ستتعلم فن صناعة الحلوى والأطعمة الأخرى على أرض مصر، فقبل العام 2011 كانت هذه السيدة السورية لا تعمل، وتعيش مع زوجها وولدها في بيتهم بدمشق، لكن أوضاعهم تغيرت تماماً بعد "الربيع العربي"، فقررت الهرب من بلدها والتوجه إلى لبنان بعض الوقت، لكنها لم تسترح هناك على حد قولها، حتى جاءتها فرصة للسفر إلى مصر، بعد أن أخبرها بعض معارفها هناك أنهم لا يتعرضون لمضايقات من أي نوع.

في القاهرة حطت "أم لؤي" رحالها مع أفراد أسرتها، واستأجروا شقة في مدينة السادس من أكتوبر على أطراف القاهرة، وسرعان ما عمل زوجها في مصنع ملابس يمتلكه سوريون في منطقة العاشر من رمضان، لكن لم يكن هناك فرصة عمل مناسبة للسيدة السورية في هذا المصنع، فقررت البحث عن مجال آخر غيره وحين كانت تتصفح حسابها على موقع فيسبوك ظهر إعلان ممول خاص بإحدى الجمعيات الأهلية المصرية، يقول إن هناك دورة تدريب للسوريات لتعليمهن فن صناعة الحلوى، وكان الشرط الوحيد هو أن يكون لدى الراغبة في الانتساب "الكارت الأصفر"، وهي وثيقة تعطي حاملها بعض الحقوق، منها الحق في التسجيل في المدارس والجامعات المصرية بشكل من دون الحاجة لسريان جواز السفر.

تحكي "أم لؤي" لرصيف22 أن سعادتها زادت أكثر حين اتصلت بالجمعية وعرفت أن الدورة التدريبية مجانية تماماً، ولا حاجة لدفع أي مقابل مادي، بل على العكس ستحصل على مقابل انتقال، وفيما بعد سيصبح من حقها بعد انتهاء التدريب أن تطلب تمويلاً قليلاً لبدء مشروع خاص بها.

رحلة تعلم الحلوى

توجهت السيدة السورية إلى مقر الجمعية القريب جداً من منزلها، وهو ما اعتبرته "أم لؤي" إشارة من الله بأن تلتحق بهذه الدورة، ولنحو أسبوعين تعلمت على يد طهاة مصريين فن صناعة الحلوى بأبسط الطرائق وأفضلها، وتفوقت، وهذا ما جعلها تشعر أن هذه هي المهنة التي يمكن أن تنجح فيها في مصر، خصوصاً أنها تعلم جيداً أن المصريين يعشقون الأكل الذي يعده سوريون على حد قولها.

بعد انتهاء التدريب بدأت "أم لؤي" التطبيق العملي من خلال إعداد أطباق حلويات شرقية وغربية وعرضها على جيرانها، وتقول إنها بدأت تهدي إليهم عينات مجانية مما تصنعه، وتطلب منهم التواصل معها إذا أرادوا شراء كميات أكبر، بعد ذلك بدأ سكان المنطقة يطلبون منها أطباق حلوى.

الخطوة التالية كانت حين قررت "أم لؤي" النزول إلى الشارع لبيع منتجاتها، واختارت أن تقف أمام مول تجاري ضخم في مدينة السادس من أكتوبر، هو "هايبر وان"، وهناك بدأت سيارات تتوقف قبالتها وتسألها عن الأسعار وتشتري منتجاتها الطازجة.

تحكي "أم لؤي": "عرفت ما الذي يحبه المصريون، إنهم يعشقون الحلوى الشرقية، مثل الزلابية والكنافة والبسبوسة وأصابع زينب، وجميعها منتجات استطعت تنفيذها بمهارة شديدة بشهادة الناس".

جئن إلى مصر هرباً من حرب أهلية طاحنة في سوريا، وفي القاهرة تميزن في صناعة الحلويات وفي تجهيز الولائم، نلن ثقة المصريين وحققن نجاحات متلاحقة… السورية "أم لؤي" من هؤلاء تحدثنا عن تجربتها وسر نجاحها

لم يمتهنّ الطبخ حتى وطأت أقدامهن أرض مصر فبرعن في الطبخ السوري والمصري وتجهيز الحلويات بأنواعها ونلن ثقة المصريين بفضل جمعيات غير حكومية مقرها القاهرة تساعد السوريات على النجاح

فيما بعد التحقت "أم لؤي" بدورة أخرى في الجمعية نفسها، وتعلمت قواعد الطبخ، وكيفية إعداد الولائم، ثم أصبحت مؤهلة لتوسيع نشاطها في صناعة الحلويات وأطعمة أخرى مثل السمبوسك، والمحاشي، واللحوم، والدجاج، وحتى الشاورما. كما تعلمت كيف تسوق لمنتجاتها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تعد دراسة جدوى لمشروع صغير.

"في هذه الجمعية تعرفت على سوريات جئن خصيصاً لتعلم صناعة الطبخ، استفدنا كثيراً من التدريبات، وحصلنا على تدريبات أخرى متقدمة"، هكذا تحكي "أم لؤي" لرصيف22.

وتقول إنه بات لديها زبائن كثر يطلبون منها إعداد ولائم في بيوتهم خصوصاً في شهر رمضان، مؤكدة أنها باتت خبيرة في صناعة الأكل المصري والسوري على السواء، وتتابع أن زبائنها غالباً ما يطلبون منها أكلات سورية مثل الكبة والمحاشي والمنسف الحلبي والملفوف والمقلوبة والمشاوي بأنواعها.

هنا تعلمت "أم لؤي" أصول الطبخ

الجمعية التي تعلمت فيها السيدة السورية هي "حبيبة الخير"، وهي جمعية مصرية غير حكومية تهتم بتدريب اللاجئات على بعض المهن والمهارات التي تساعدهن على كسب عيشهن في مصر والاندماج في المجتمع.

يقول محمد أنور نبيه، رئيس مجلس إدارة الجمعية، لرصيف22 إن "حبيبة الخير" تسعى لدمج اللاجئات في المجتمع المصري، ومساعدتهن على النجاح، كي يستطعن العمل وكسب رزقهن من خلال مهن مختلفة، منها على سبيل المثال الطبخ وتدريس الأطفال قبل مرحلة المدرسة.

ويؤكد نبيه أن "حبيبة الخير" التي ساعدت "أم لؤي" ساعدت عشرات غيرها على بدء مشروعاتهن الخاصة، وأمنت لهن التمويل اللازم لبدء مشروع ناجح أو فرص عمل، مؤكداً أن المشاركات في تدريب الطهو على سبيل المثال يحصلن بعد التدريب على شهادات معتمدة من برنامج الأغذية العالمي.

وبحسب نبيه، فإن عدد اللواتي دربتهن الجمعية مهنياً من السوريات والمصريات بلغ نحو 250 سيدة.

و"حبيبة الخير" ليست الكيان الوحيد الذي يساعد السوريات على النجاح في الحياة العملية من خلال دورات تدريبية، فهناك جمعيات أخرى مثل "رابطة سوريات"، التي أنشئت في القاهرة في العام 2013، بهدف رعاية السوريات، ومساعدتهن على تعلم مهن مختلفة، مثل الكروشيه، والطبخ، واللغات، والماكياج وتصفيف الشعر.

وتتعاون "رابطة سوريات" في مصر مع المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وتشغل السورية مفيدة الخطيب منصب المنسقة العامة لها، ونجحت الجمعية في تدريب عشرات السوريات على مهن مختلفة وساعدتهن على النجاح والاندماج في المجتمع المصري.

ويظهر تقرير صادر عن البنك الدولي في العام 2017، تحت عنوان "أزمة اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مواجهة تحديات التنمية"، أن عدد اللاجئين السوريين الذين استقبلتهم مصر والمسجلين رسمياً لدى مفوضية الأمم المتحدة، يبلغ أكثر من 115 ألفاً، لكن مصر تؤكد أن العدد الحقيقي يزيد على ذلك.

"أحلم بأن أفتتح مطعماً خاصاً بي في القريب العاجل، أثبت من خلاله أن السوريات لسن مجرد أرقام في مصر بل شخصيات ناجحة ولديها الكثير لتقديمه للمجتمع الذي استقبلها بكل ود"، تقول "أم لؤي" ثم تعتذر وتتوجه إلى المطبخ لتجهيز حلويات وأطباق أخرى بناء على طلب أحد الزبائن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard