عجز جنسي أم مجرّد رغبة في لفت الأنظار...لماذا يتلذذ البعض بالثرثرة؟

الجمعة 26 يوليو 201904:21 م

في الجلسات الاجتماعية و"حديث الصالونات"، غالباً ما يحلو للمرء أن يثرثر عن "لا شيء وكل شيءٍ" في الوقت نفسه: العلاقات العاطفية الخاصة بأصدقائه ومغامراتهم الجنسية التي لا تنتهي، الملابس الجريئة للزملاء في العمل ونزهاتهم خارج الدوام، شجار الجارة مع جارتها...وتزيد جرعة التشويق حين يتباهى الفرد بمعرفته بصفقات السياسيين وفضائح المشاهير، فيجد لذةً عارمة في نقل ما سمعت أذناه أو قرأت عيناه من أخبارٍ "دسمة" وردت على صفحات الجرائد والمجلات، ويشعر بنوعٍ من "التفوّق المعرفي" في حال كان بجعبته "سكوب" مثير وقصة مشوّقة يجهلها الطرف الآخر.

ما السرّ وراء الشهية المفتوحة لدى البشر للقيل والقال؟ وهل يمكن التعميم والقول إن الثرثرة بالمجمل هي عادة سيئة اكتسبها البشر على مرّ العصور؟

أصول الثرثرة

بخلاف ما يعتقد البعض، لا ترتدي الثرثرةُ بالضرورة الطابعَ السلبي، تشير إحدى النظريات الشائعة التي تم اقتراحها لأول مرةٍ في التسعينيات، إلى أننا كبشرٍ بحاجةٍ إلى الثرثرة للحفاظ على روابطنا الاجتماعية.

وعليه اعتبر بعض العلماء أن الثرثرة نوع من الغراء الذي يربط المجتمع، بحيث تلعب بعض الأحاديث دوراً اجتماعياً هاماً في توطيد العلاقات الشخصية وتشجيع التعاون بين الناس، هذا بالإضافة إلى انخراط الفرد في صميم المجتمع.

في حديثها لرصيف22، تُشير المعالجة النفسية ستيفاني غانم إلى أن "الثرثرة ببساطة آليةٌ اجتماعيةٌ نستخدمها لمناقشة مجريات الحياة اليومية وحال الأشخاص الموجودين في حياتنا".

وعن انعكاس الثرثرة على حياة الفرد وشخصيته، تقول غانم: "الثرثرة تأكيد على انتمائنا للمجتمع، فتمنحنا درجةً معيّنةً من الثقة بالنفس، نظراً لكوننا نؤكد من خلالها أننا على دراية بكل ما يدور من حولنا، ونشعر كذلك أننا متفوقون على غيرنا لناحية التفرّد بمعرفة أخبار الناس".

توضّح ستيفاني أننا كأفرادٍ نتربى في مجتمعاتنا على أهمية معرفة "الشاردة والواردة" ظنّاً منّا أننا بذلك ندافع عن معتقدات وأفكار وسلوكيات معيّنة، أما عندما يحاول أحدٌ ما أن يخرج عن هذه السلوكيات التي يراها المجتمع صحيحة "مننزل فيه رجم"، على حدّ تعبرها.

وتكشف أنه في علم النفس التحليلي يتم تصنيف الثرثرة على أنها آلية دفاع تساعدنا على الهروب من عالمنا الخاص، وإيجاد حلٍّ لعدم الاستقرار وغياب الأمان الذي نشعر به في داخلنا، بالإضافة إلى التلهّي عن المشاكل التي نعجز في الأساس عن إيجاد حلٍّ لها، شارحةً ذلك بالقول: "لقد أظهرت بعض الدراسات أن الثرثرة عند الرجال قد تكون مرتبطةً بالعجز الجنسي والقذف السريع وغيرها من المشاكل الجنسية".

ولكن متى تتحوّل الثرثرة إلى إدمان؟ تجيب غانم: "كلما أصبح الشخص بعيداً عن نفسه وكلما استمع المجتمع إلى ثرثرته وشجّعه عليها".

هذا وتؤكد ستيفاني أنه من الصعب أن يتمتع الإنسان بدرجةٍ عالية من الوعي والإدراك لمعرفة السبب الدفين الذي يجعله يقع في فخِّ الثرثرة المفرطة، إذ تكشف الدراسات أنه كلما وصل الشخص إلى مستوى معيّن من النضج العاطفي، كلما أصبح يستلذّ أكثر فأكثر بالصمت والسكوت، وهو ما كان قد أكده الكاتب والفيلسوف جان جاك روسو بقوله: "الناس الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيراً، أما الذين يعرفون الكثير فلا يتحدثون إلا قليلاً".

تطور الثرثرة

الثرثرة سلوكٌ حميم ودقيق، ما يجعل البحث في أصولها أمراً صعباً للغاية، وقد انتشرت العديد من النظريات التي تتحدث عن بدايات الثرثرة في التاريخ البشري وكيفية تطورها مع الوقت، وجميعها قصص مثيرة للاهتمام لكونها تتشابك مع تاريخنا وتثير بعض الأسئلة التي تدور في ذهننا: كيف تعلمنا كبشرٍ الثرثرة؟ وكيف ساهمت هذه العادة في انخراطنا أكثر فأكثر في العلاقات الاجتماعية وتحوّلنا بالتالي إلى كائناتٍ اجتماعيةٍ بامتياز؟

من أجل أن نتعقّب تطوّر الثرثرة، نحتاج للتمعن في الأشكال الأساسية لللغة.

أظهرت بعض الدراسات أن الثرثرة عند الرجال قد تكون مرتبطةً بالعجز الجنسي والقذف السريع وغيرها من المشاكل الجنسية

كان الإنسان القديم يتمتع بحجم دماغٍ صغير وبقدراتٍ محدودة، ويتواصل مع الآخرين عن طريق استخدام الهمهمات والنطق الصوتي المماثل لقردة الشامبانزي، والتي تبيّن من خلال بحثٍ جديدٍ أن عملية التواصل بين هذه المجموعات كانت متطورة: بعد أن تعرّفت قردة الشامبانزي على مجموعةٍ في حديقة حيوانات في المملكة المتحدة، سرعان ما تعلّموا ألفاظاً جديدةً مثل كلمة "تفاح".

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت كاتي سلوكومب، من جامعة يورك في المملكة المتحدة لموقع بي بي سي:" مثل هذه الكلمات تحتوي على معلوماتٍ ذات معنى وتقدم لمحة عن كيفية تطور اللغة البشرية".

بمعنى آخر يمكن القول: إن الثرثرة هي عادة اجتماعية من المرجّح أن تكون متوارثة عن تصرفات القردة العليا.

وفي هذا الصدد، تشير بعض النظريات إلى أن القرود كانت تثرثر أثناء لمس ومداعبة شعر وجسم بعضها البعض والتقاط الطفيليات غير المرغوب بها، خاصة وأن ذلك كان يدل على التزام القرود ببعضها البعض.

كلما وصل الشخص إلى مستوى معيّن من النضج العاطفي، كلما أصبح يستلذّ أكثر فأكثر بالصمت والسكوت

ومن المحتمل أن يكون أسلاف الإنسان قد قاموا بدورهم بمساعدة بعضهم البعض أثناء الاستحمام، ومن هنا بدأوا بتداول الأحاديث والأخبار فيما بينهم، وفق ما يرجّحه روبن دونبار من جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، والذي كان أول من اقترح فرضية أن الثرثرة تطورت لتدعيم الروابط الاجتماعية.

ويشرح دونبار وجهة نظره لموقع بي بي سي، بالقول: "في سياق تطورنا البشري، وبينما كنا نحاول تطوير مجموعات أكبر وأكبر لمواجهة التحديات التي ألقاها العالم علينا، كنّا بحاجةٍ إلى آليةٍ اضافيةٍ للسماح لنا باختراق السقف الزجاجي"، وبالتالي فإن هذه الآلية قد تكون تطوير عادة الثرثرة والتي تسمح بتبادل المعلومات الاجتماعية مع عدة أشخاص في نفس الوقت.

فبهدف النجاح في الصيد، احتاج البشر الأوائل أن يتعاونوا فيما بينهم، ولعلّ الطريقة الأكثر فعاليةً لذلك هي في تبادل المعلومات المتعلقة بدور كلّ واحدٍ منهم: من يطارد الفريسة؟ من يقبض عليها؟

وبالإضافة إلى أهميتها الضرورية في الصيد وفي تقسيم الأدوار، من المرجّح أن تكون الثرثرة قد تطورت أيضاً مع قدرة البشر على اكتشاف النار، بحيث أن الإنسان القديم كان يمضي معظم وقته في النهار وهو يحاول البقاء على قيد الحياة، من خلال البحث عن الطعام وتوفير المأوى الآمن الذي يجنّبه خطر الوقوع ضحية الحيوانات المفترسة، أما في الليل فلم يكن أمامه خيار آخر سوى النوم، ولكن مع اختراع النار، تبددت ظلمة الليل وبدأ البشر يجتمعون حول النار حيث يتواصلون مع بعضهم البعض بحريةٍ ويدردشون عن همومهم ومشاكلهم، ولعلّ هذا ما تفعله بشكلٍ خاص القبائلُ العربية والتي تنظّم سهراتٍ تحلو فيها الدردشة على وقع الأنغام الشرقية وألسنة النار المتراقصة.

الثرثرة و"خربان البيوت"

صحيح أن الثرثرة تساهم في اندماج الأفراد في مجتمعاتهم، إلا أن بعض أشكال القيل والقال تندرج ضمن النميمة والأحاديث التي قد تكون مؤذية، خاصةً عند التطرق إلى مواضيع حميمية، كالعلاقات العاطفية والخيانات وقضايا "الشرف" التي لا تزال "الشغل الشاغل" لبعض الأفراد في المجتمعات العربية التقليدية.

هذا النوع من الثرثرة حذّرت منه الأديان، واعتبرته من أخطر آفات اللسان على صاحبها، ومن أسباب دخول النار ودليل البعد عن الإيمان، فقد روى عن النبي محمد أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت..."، والمعنى المراد من هذه الفقرة من الحديث هو كل ما يخرج من اللسان سواء كان هذا بالقول أو بالفعل، من خلال تقديم الخير والنفع للآخرين أو لنفسه، وتوجيه الناس، وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وكذلك ورد في إنجيل متى 15: 11: "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ"(أي الشر والحقد والضغينة والنميمة...).

باختصار يمكن القول أنّ اللسان هو سلاح ذو حدّين، وفي حين أن بعض الثرثرات التي يتفوّه بها البعض تكون "بريئة" وهدفها لفت الأنظار وجذب اهتمام الآخرين، فإن بعض الثرثرات الأخرى قد "تخرب البيوت" وتهدم الجدران في النفوس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard