اتهامات بـ"تغيير ديموغرافيا وتاريخ المدينة"... ما هي حقيقة شراء عقارات في الموصل؟

الخميس 18 يوليو 201904:27 م

"يدور حديث بين جيراننا وأقاربنا عن وجود مَن يدعو للبيع والشراء، لكن لا أحد تحدث إلينا بشكل مباشر"، يقول أحمد الحمداني (47 عاماً)، من منطقة الشهواني في مدينة الموصل القديمة المدمرة.

في هذه المدينة التي تشكّل مركز محافظة نينوى، انتشر حديث بين الناس عن أن مَن يريد بيع منزله المدمر أو غير المدمر عليه ببساطة إعلان ذلك وسيأتي مَن يشتريه بمبالغ "زينة"، أي جيّدة بحسب التعبير العراقي.

خوف من تغيير ديموغرافي

في يونيو الماضي، وجه سكان من المحافظة رسالة إلى المرجع الشيعي السيد علي السيستاني شكوا فيها من "استيلاء" مكتب الوقف الشيعي في المدينة على جوامع ومحال تجارية تابعة للوقف السنّي، وقالوا في رسالتهم: "أوقف الوقف الشيعي عن الاستحواذ على أملاك السنّة".

وتحدث مدير الوقف السنّي في محافظة نينوى أبو بكر كنعان عن وجود مخطط لتغيير ديموغرافيا وتاريخ مدينة الموصل وإجبار أهالي أحيائها القديمة على ترك منازلهم، واتهم جهات (لم يسمها) بشراء أعداد كبيرة من المنازل في المدينة القديمة مقابل مبالغ ضخمة.

يقول مصدر في كتلة سياسية سنّية من مدينة الموصل لرصيف22 إن "أطرافاً سياسية مقربة من إيران تقوم بعمليات استيلاء مباشر وغير مباشر على العقارات في الموصل، بدءاً من سيطرة الوقف الشيعي على عقارات الوقف السنّي، وصولاً إلى فتح مكاتب اقتصادية لبعض الفصائل المسلحة هناك، ومحاولات شراء منازل في المدينة القديمة بحجة الاستثمار".

ويضيف: "أوصلنا هذه المعلومات إلى رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لكنه لم يردّ علينا ولم يتخذ أي إجراء. النفوذ المسلح لأطراف سياسية من خارج الموصل صار يُقابله نفوذ اقتصادي وهذا يُشكل خطراً كبيراً على المدينة وسكانها".

ويعزو سبب بيع السكان لعقاراتهم إلى تأخر صرف التعويضات للمواطنين الذين تضررت منازلهم بفعل العمليات العسكرية، أثناء معركة تحريرها من داعش، و"هذا ما يسبب في تشجيع أهالي المدينة على بيع منازلهم".

ويلفت عضو مجلس محافظة نينوى حسام العبار إلى أن "التعويضات من الملفات الشائكة في نينوى، فالتعويض يحتاج إلى إجراءات متعددة وإثبات لسندات الأراضي وبقية المستمسكات التي تثبت الملكية"، ويضيف لرصيف22: "بحثنا الملف مع البرلمان والحكومة لتسهيل الإجراءات، لكن إلى حد هذا اليوم لا يوجد أي شيء".

ويتابع: "هناك مشكلة أخرى تتعلق بعدد الورثة الكبير في بعض الأسر، "فبعض الورثة تصل أعدادهم إلى المئات"، كما أنه لا تُقبل أيّة مُعاملة تعويض دون التدقيق الأمني، "لكن بكل تأكيد يعود سبب التأخير إلى الحكومة الاتحادية".

ويتحدث العبار عن حقيقة وجود عمليات بيع للعقارات ويقول: "المعلومات المؤكدة أن هناك عمليات بيع، لكن صورة ما سيحدث لاحقاً ليست واضحة لمجلس المحافظة، فالذين يشترون أناس مجهولون لكنهم عاديون".

"هذه مدينتي ومدينة آبائي وأجدادي"

ويعمل محافظ نينوى الجديد المتهم بالقرب من إيران منصور المرعيد مع لجنة حكومية عراقية على "إعادة تصميم" بعض مناطق الساحل الأيمن في مدينة الموصل والذي شهد دماراً كبيراً، وهي المناطق المعروفة باسم "الموصل القديمة"، وقال: "سيتم الاحتفاظ بجزء من المدينة القديمة كتراث، وبقية الأجزاء سيتم تصميمها بشكل حديث".

كان اقتراح المرعيد يتضمن مغادرة سكان المدينة القديمة منازلهم والحصول على تعويض لقاء ترك ما تبقى منها لشركات استثمارية تعيد بناءها. لكن بعد تصاعد حدة غضب السكان ضده، تراجع عن تصريحاته وقال إنه "كان يريد تحديث شكل الواجهة النهرية للمدينة القديمة المدمرة".

نقاشات موسعة عقدتها الحكومة المحلية في محافظة نينوى مع هيئة المستشارين في مكتب رئيس الحكومة العراقية لتحديد آليات الإعمار وكلفتها وهل ستتحول المدينة إلى منطقة استثمارية أو سكانية، وكان الاتفاق على أن يكون القرار لسكان المنطقة بعد عقد لقاءات معهم، لكن السكان لم يُسألوا رأيهم حتى الآن.

يقول أحمد الحمداني لرصيف22: "شخصياً لن أبيع لو عرض عليّ ذلك، رغم أن بعض أقاربي يتفاوضون الآن مع أشخاص أعتقد أنهم من خارج الموصل لشراء منزلين في منطقة جامع النوري الكبير. هذه مدينتي ومدينة آبائي وأجدادي، وإذا كانوا فعلاً صادقين في مساعدتنا، عليهم أن يصرفوا لنا التعويضات التي وعدونا بها".

مدير الوقف السنّي يتحدّث عن مخطط لتغيير ديموغرافيا وتاريخ مدينة الموصل القديمة وإجبار أهاليها على ترك منازلهم... ما قصة شراء أعداد كبيرة من المنازل في الموصل مقابل مبالغ ضخمة؟
"أطراف سياسية مقربة من إيران تستولي على العقارات في الموصل، بدءاً من سيطرة الوقف الشيعي على عقارات الوقف السنّي، وصولاً إلى فتح مكاتب اقتصادية لبعض الفصائل المسلحة هناك"... ما قصة محاولات شراء منازل في الموصل القديمة؟

لكن ابن عمه لؤي الحمداني، ويسكن في منطقة الجامع الكبير، يتحدث لرصيف22 عن "استعداده لبيع منزله ومساحة 150 متراً إذا أعطوه مبلغاً مجزياً"، ويوضح: "حالياً أتفاوض مع أحد أصحاب العقارات في الموصل على بيعه، عرض عليّ 750 ألف دينار (600$) تقريباً عن المتر الواحد، لكني أريد مليوناً وربع المليون (ألف دولار)".

مدينة الموصل القديمة وهي الساحل الأيمن من الموصل الذي يقع غرب محافظة نينوى، تعرضت لنسبة دمار كبيرة قدّرتها الأمم المتحدة بـ80%، وهي المساحة الجغرافية الأخيرة التي خيضت فيها معارك تحرير الموصل من تنظيم داعش.

يُعرف سكان المدينة القديمة بأنهم السكان الأصليون للمحافظة، وتختزل هذه المدينة تاريخ الموصل الطويل على مستوى العمارة واللهجة والمطبخ وحتى على مستوى الأسر الكبيرة التي كانت تسيطر في يوم ما على التجارة هناك.

وحتى الآن، ما زالت جثث قتلى مدنيين تحت أنقاض عدد من المنازل، وما زالت المدينة إذا تم تصويرها من الأعلى تظهر وكأنها مهجورة نتيجة الدمار الذي لحق بها، على عكس الساحل الأيسر من الموصل الذي يعيش حياة طبيعية ولم يتعرض لدمار ضخم.

يقول عامل في مكتب عقارات لرصيف22: "ما يحدث من عمليات بيع وشراء في الموصل القديمة لم يتم عبر مكاتب العقار المعروفة، بل عبر أشخاص ووسطاء نادراً ما يعرفهم الناس، والمنازل أو قطع الأراضي التي تعرض عندنا لم تُبع رغم عرضها منذ نحو عشرة أشهر".

ويضيف: "أسعار العقارات ارتفعت بعدما دار الحديث عن وجود عمليات شراء بالجملة، وبعض الناس الذين عرضوا منازلهم وأراضيهم عندنا تراجعوا عن عرضها وبعضهم رفع الأسعار. بصراحة، نحن لا نعرف ماذا يحدث".

طوقت الحكومة المحلية في محافظة نينوى بعض المناطق في الموصل القديمة بجدار كونكريتي لتنفيذ مشاريع "استثمارية"، لكن عضو مجلس المحافظة حسام العبار يعتبره "مخالفة قانونية".

تحدث العبار لرصيف22 عن عمليات بيع وشراء العقارات في الموصل القديمة وتحويلها من سكنية إلى تجارية، ويرى ضرورة أن "يتم تخيير سكان المنطقة في أيّة خطوة تريد المحافظة القيام بها، أكانت تحويلها أو إعادة تصميمها".

ويقول: "نخشى أن تكون هناك عمليات ممنهجة لتغيير طابع وشكل المدينة القديمة، فهي مدينة تاريخية وتشكل أساساً لمدينة الموصل ومحافظة نينوى، ولا يمكن القبول بأي تغيير لملامحها".

وتقول الناشطة في المجتمع المدني في مدينة الموصل نغم طلال لرصيف22 إن "محافظ نينوى السابق نوفل العاكوب تعمد تجريف المنطقة القديمة المحاذية لنهر دجلة رغم رفض الأهالي، متحججاً بأن المدينة مدمرة ويجب تجريف المنازل والمعالم فيها، ولكن الغاية بكل تأكيد الاستثمار فيها".

وتضيف: "لم تتح الفرصة للعاكوب للقيام بذلك لكن المحافظ الجديد منصور المرعيد تحدث عن إمكانية الاستمثار في المدينة وطلب من الأهالي بيع منازلهم لكنهم غضبوا منه فقام بقطع الطرق المؤدية إلى منازلهم لمنعهم من إعادة إعمارها".

وتعتقد طلال بوقوف "جهات سياسية نافذة وراء عمليات الضغط على السكان لبيع منازلهم"، إلا أن محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي يقول لرصيف22: "أستبعد أن يكون الهدف من وراء ذلك التغيير الديموغرافي"، لكنه يشير إلى أن "ملامح المدينة ستتغير بفعل عمليات التجريف والدمار الذي لحق بها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard