حرتوقة: سيدة المشغل الصامتة

الخميس 9 مايو 201903:08 م

مربّعٌ كصندوقٍ للفرجة، تدور به حكايا وقصص، لـ Atelier Hartouka واجهة مفعمة بألوان الدفء والفرح، الشمس والزهر. تتمتّع صاحبته بالشراكة، ناهدة توبة، بذوقٍ رفيع، من ذاك الذي يخرج عن التقليدي والنمطي، ليُخرج من الشيء شيئاً آخر، أكثر رفعةً وأبهى للنظر، إنساني وأنثوي على حدٍّ سواء.

المحلّ الصغير مفتوحٌ على غرفةٍ للخياطة أصغر بعد، السُلطة فيها لملكةٍ واحدة اسمها: "ماكينة"، تحيط بها عدّةٌ قليلةٌ لحرفيةٍ عاليةٍ ومجموعاتٌ من خيوط، تخاريج، أزرار، سحّابات و badges مُختارة بعنايةٍ فائقةٍ، كلّ غرضٍ من المكان الأشهر بإنتاجه.

عمل خاص، تعمّمه ناهدة مع رشا شكر، مسؤولة البيع والتطوير، وتنقلانه للأخريات، في بدايةٍ لطريق بدأت تتشكّل، مع زيادة الوعي بأخطار الإفراط في الاستهلاك وأهمية عمل المرأة وتنامي اللجوء، مهنةً تتوسّع داخل البلد وسوقاً ينشط ومجالاً للفنِّ والإبداع، إنما مع الحفاظ على الهواء، الماء والشجر، وتشكيل نوعٍ من الصحوة لدى البشر قبل فوات الأوان.

مهمٌّ أيضاً الإشارة أن الأسعار هنا ليست مرتفعة أبداً، كما أن المقاسات الأكبر من المتوسطة بقليل والكبيرة متوفرة، على عكس ما نراه عموماً في إنتاج الملبوسات النسائية المُراد منها صنع "صيحة" للنحيفات جدّاً فقط!

مع ناهدة هذا اللقاء الخاص واللطيف، لحديث يلتقط أطراف مواضيع في العمل والقضايا الاجتماعيّة والابتكار.

قد لا يخطر لنا أنّ قراراً بسيطاً ويومياً حول ما نلبسه يمكن أن يؤثر عميقاً في شكل المستقبل: مشغل "حرتوقة" يخبرنا عن أهمية إعادة تدوير الثياب، حيث نحولها إلى قطعٍ فريدةٍ، وفي نفس الوقت نساهم في التخفيف من استهلاك المواد الأولية. 

إعادة التدوير هو شكل من أشكال الابتكار، هذا ما يثبته مشغل "حرتوقة"، في عمله وفي طموحه أن يكون منبراً لعارضات من كلّ الخلفيات ولسلسلة مشاغل محيطها البقع الجغرافيّة الأكثر فقراً في لبنان، تقدّم تدريباً لمن يريد وتعطي فرصاً للعمل ولحياة كريمة لكل من يسعى إليها 

1- مرحباً ناهدة، متى بدأت هذا العمل؟ لماذا؟ وكيف؟

- قريباً يبلغ عمر المشروع سنتين. انطلقنا بالفكرة، شريكتي رشا شكر وأنا، مع بداية عام 2018، عندما قرّرنا أن نؤسّس لمشغلٍ مختلف. صار بالفعل، وفيه رحنا "نحرتق" (نجرّب) كما يحلو لنا.

يمكنني القول إن المفهوم الرئيسي نابعٌ من جزءٍ من أسلوب عيشي، فأنا أعشق الموضة وأعمد دائماً إلى تغيير قطع ملابسي والتفنّن بها حتى تصبح فريدةً في العالم، لا مثيل لها في أي مكان.

من هنا تماماً، تكوّن لدى "حرتوقة" أهداف جادّة وواضحة، هي:

أوّلاً وبالطبع، إعادة تصميم الثياب وتحويلها إلى قطعٍ فريدةٍ، ثمّ المساهمة في إعادة التدوير والتخفيف من استهلاك المواد الأوّليّة، وأخيراً السعي لتوسيع نشاطنا ضمن إطار التنمية الاجتماعيّة، من خلال إقامة دورات خياطة للفتيات والسيّدات المهمّشات ليتمكنَّ، في مرحلةٍ تاليةٍ، من العمل لقاء أجرٍ مالي داخل مؤسّستنا التي نطمح أن نوسعها. نحن نعتقد أننا من خلال هذا التخطيط نضع بمتناولهن واحدةً من آليات الاستقلال المادي.

2- دعمت الموهبة والرغبة بالدراسة والتدريبات: أخبرينا عنها قليلاً، وما هي الإضافة التي تعتقدين أنك حققتها في عالم الارتيزانا، إنما تماماً كموضةٍ نسائيّة؟

- أعمل مصمّمةً ومدرّبةً حرفيّةً منذ أكثر من عشر سنوات بالتعاون مع جمعيّاتٍ مدنيّة، محليّةٍ وعالميّةٍ رائدة، ولقد استطعت بناء خبرةٍ ذاتيّةٍ في مجالاتٍ مختلفة من هذه الصنعة التي لا تخلو من الفنّ وتتطلّب الكثير من الذوق، مثل: الخياطة العادية، حياكة الكروشيه، وتقنية الـ patchwork، وضعتها كلها في خدمة الفكرة الأساسيّة: إعادة تدوير الملبوسات المُستعملة وجعلها تصاميم أنيقة.

المحل والمشغل يتيحان لكلّ ناس، من كافة مستويات الدخل، ارتداء تصاميم غاية في الفرادة، مع الحدّ قدر المستطاع من تخليف النفايات التي تؤذي الطبيعة وبالتالي صحّتنا.

3- من هن زبوناتك بالتحديد، ولماذا برأيك يقصدنك أنت دون غيرك، أي حاجة تلبّي لديهن وأي هوية تساعدينهن على إبرازها عن أنفسهن؟

- نحن مقصودون من قبل اللواتي يحببن الاحتفاظ بقطعٍ قديمةٍ موجودةٍ أصلاً لديهن، ويرغبن بوضع لمساتٍ "سحريّة" عليها، تضيف شيئاً يجعلها جذابةً مرّة أخرى بكلفةٍ مقبولة. تأتي إلينا أيضاً صديقات البيئة والمهتمّات بشأن الحفاظ عليها، وكذلك الداعمون للتنمية الاجتماعيّة.

أحب أن أجالس الزبونة وأدردش معها قبل البدء بالعمل، فأسألها عن ألوانها المفضّلة والصورة التي ترغب هي وحدها بأن تقدّمها عن نفسها للعيون، أُريها التغييرات المُمكنة خلال الشغل وآخذ برأيها قبل التسليم.

في البداية ثمة من اعتقدوا أننا محل لتصليح الثياب فحسب، لكن مع الوقت ومع تردّدهم إلينا، وصلت إليهم الفكرة، أحبّوها وتحمّسوا لها، حتى أن فيهم من خصّص ببيته كيساً إضافيّاً للفرز من أجل "حرتوقة".

4- اشرحي لنا أكثر عن الدور الذي يلعبه هكذا تعليم في تمكين النساء عموماً واللاجئات خصوصاً؟

- بالإضافة إلى ما ذكرته آنفاً، إن إعادة تدوير الثياب المُستعملة يوفّر على المرأة كلفة الشراء لها ولأفراد عائلتها، لا سيما في ظل غلاء المعيشة حالياً.

أما بخصوص اللاجئات، فمعلوم أن القانون عندنا لا يسمح لهن بالعمل إلّا بشروطٍ معيّنةٍ وقاسية. نحن نمكّنهن، بما نعطيه من أدوات العمل الحرِّ، في المناطق التي لجأن إليها.

5- ما هي أجمل قطعة أنجزتها حتى الآن، وما الذي ميّزها؟

- أرى أن كلّ قطعة أنجزتها حلوة ورائعة، ولكلِّ واحدة منها مكانة حميمة في قلبي…

لكن لا أستطيع إلا أن أتوقّف عند معطف (double face) ارتدته الممثلة مايا سبعلي لتأدية دورها في مسرحية "نرسيس" للمخرج شادي الهبر. استعملت 400 رقعة قماش من أجل صنعه، فقمت بتقطيبها مع بعضها على طريقة الـ patchwork.

هكذا، كان الزي الوحيد المُراد منه التعبير عن حالة الانفصام (schizophrenia) لدى الشخصية الرئيسيّة في هذا النوع من المسرح العبثي.

6 - هل تخططين للوصول إلى العالميّة؟

- في هذه المرحلة، نتطلّع لنفتح سلسلة مشاغل محيطها البقع الجغرافيّة الأكثر فقراً في لبنان، نقدّم تدريبات للإناث. لا يجب استثناء أي شريحة من الحقِّ بالعيش الكريم، أما العالميّة فقد نحقّقها في مرحلةٍ لاحقةٍ، من يدري؟

في الخارج، الشارع هادئ ونظيف، تعلو فيه المباني البيروتيّة الأثريّة باعتدالٍ فلا تحجب زرقة السماء، والأشجار العتيقة الباقية توزع خضرةً منعشة في الأرجاء، أما الرصيف فإنه من دون شك ينادي لكي يكون podium من أجل عرضٍ قريبٍ في الهواء الطلق، حمّال لرسالةٍ وهوية، وعارضاته من كلّ الأحجام… وربما الجنسيات والأجناس.

يقيم Atelier Hartouka حفل افتتاح في 10 من أيار الجاري، بين الساعة السابعة والعاشرة مساء في عنوانه: بيروت، الأشرفية، شارع الياس مدور

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard