كارثة العراق: ستة ملايين موظف عام يعملون 10 دقائق يومياً

الاثنين 18 يوليو 201602:36 م

هنالك نحو ستة ملايين موظف عمومي بحسب إحصاء وزارة التخطيط العراقية في مناصب مختلفة لدى دوائر الدولة، وهذا ما يضع الحكومة أمام حرج كبير في كيفية سداد رواتب هؤلاء، خصوصاً مع تراجع سعر بيع النفط الذي تعتمد الموازنة عليه بنسبة تصل الى 95%، ووسط انتقاد من قبل مختصين لكبر الكتلة الوظيفية الحكومية التي لا يمكن أن تساعد في الإنتاج أو حتى في دعم الاقتصاد.

الخبير في الشؤون الاقتصادية باسم جميل انطوان يرى في حديث لرصيف22 أن أعداد الموظفين العراقيين بحجمها الحالي لا تشكل أهمية تنموية أو اقتصادية للدولة العراقية، لأن نحو 70% منهم فائضون عن الحاجة. في وقت تصرف الدولة رواتب تصل الى 60% من الموازنة الكلية للبلاد في كل عام. لذا فالبطالة المقنعة واضحة بشكل كبير في دوائر الدولة.

وبينما يؤكد نائب مدير معهد الأصلاح الاقتصادي رحيم ابو رغيف لرصيف22، أن "الفائضين من الموظفين العموميين تسببوا بخسائر كبيرة للعراق وصلت الى مليارات الدولارات منذ العام 2004، فلو وضعت تلك المبالغ بمشاريع استثمارية لكانت هنالك طبقة عاملة في العراق تغني البلاد الاعتماد عن التوظيف الحكومي".

يضاف إلى ما تقدم، حسب أبو رغيف، وجود "نحو 24 ألف موظف خارج العمل بشكل كلي أو جزئي، وهؤلاء من المناطق التي تشهد عمليات مسلحة، وأغلبهم لا يزال يستلم راتبه كاملاً بسبب قرار الحكومة الأخير الذي وجّه وزارات الدولة إلى احتضان هؤلاء في دوائر بديلة، وهذا ما سيدفعهم بالتأكيد إلى عدم إنجاز أي عمل كونهم في غير مواقعهم الوظيفية الطبيعية". كما أن بقاء العديد منهم في مخيمات النازحين يخولهم قبض رواتبهم عبر البطاقة الذكية التي وفرتها لهم لجنة النازحين من دون أداء أي مهمة، ناهيك بزيادة الموظفين العموميين في كل دورة برلمانية بسبب المحسوبية والطائفية، وهذا في ذاته إهدار صريح للمال العام دون فائدة تذكر، إذ ربما تستمر لشهور وسنوات.

ويلفت ابو رغيف إلى أن المعهد أجرى خلال العام 2013 مسحاً على 11 وزارة عراقية عاملة اختار منها أكثر من 5 آلاف موظف، وكانت طبيعة المسح ترمي إلى معرفة الوقت الذي يعمل فيه الموظف العمومي في دائرته. وبيّن المسح أن عمل هؤلاء يكون من 10 الى 20 دقيقة خلال 7 ساعات عمل رسمية، وهذه النسبة لا تمثل حالة منتجة للموظف بكل المقاييس، بل تنعكس سلباً على السلك الوظيفي لان بقاء الموظف دون عمل، لساعات طويلة، تجعله عرضة للتورط في عمليات ابتزاز للمواطنين عبر تقاضي الرشى منهم لإنجاز عمل معين في دائرته، أو في دوائر أخرى، فضلاً عن عدم تطوره في العمل مما ينعكس سلباَ على واقع المجتمع والاقتصاد العام للبلاد.

أضخم الأجسام الوظيفية في العالم

وإذ تبدو وزارة التخطيط عاجزة ومذهولة أمام العدد الكبير للموظفين، يقول المتحدث باسمها عبد الزهرة الهنداوي لرصيف22 إن "الجسم الوظيفي العراقي هو من أضخم الأجسام الوظيفية في العالم. فإذا ما قارنا بين عدد سكان كل دولة نسبة إلى موظفيها، نجد أن العراق من أكثر الدول التي تحتوي على موظفين حكوميين، حيث يوجد حتى نهاية العام 2014 نحو 6 ملايين موظف في مختلف المناصب، وهذا ناتج من أن الكثيرين يعتقدون أن الوظيفة الحكومية هي الحل للتخلص من مشكلة البطالة. وهذا ما يشكّل ثقلاً كبيراً على الموازنة الاتحادية للعراق".

ويلفت الهنداوي إلى أن الوزارة وضعت خطة خمسية تبدأ من العام 2014 وتنتهي في العام 2018 تتضمن في أحد أبوابها التوجه نحو القضاء على البطالة المقنعة من خلال تشريع قانون القطاع الخاص الذي يضمن حقوق العاملين فيه، فضلاً عن توسيع حجم المشاريع الاستثمارية. وفي ظل هاتين الخطوتين ممكن ان نضمن التقليل من حجم التوظيف الحكومي الذي يزيد في كل عام بنسب متدنية جداً، لكن الأحداث التي أعقبت العاشر من يوليو وسيطرة تنظيم داعش على مناطق مختلفة وتهجير الآلاف من المواطنين من بينهم الشباب والموظفون، وفضلاً عن الأزمة المالية للبلاد، كل هذه العوامل دفعتنا لإعادة التفكير في الخطة الخمسية، لكننا لم نغفل دعم المشاريع الاستثمارية مع الإبقاء على الدرجات الوظيفية التي تطلق في كل عام، لكن بنسب أقل عمّا كانت عليه سابقاً.

أما مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية فيوضح لرصيف22 أن متوسط رواتب الموظفين في الدولة العراقية يبلغ حوالي 500 دولار، إذ يتقاضى حوالي 3.5 ملايين موظف ما قيمته 400 دولار، فيما يتقاضى 1.5 مليون موظف حوالي 800 دولار، وحوالي 500 ألف موظف يتقاضون ما بين 4 إلى 8 آلاف دولار.

علماً أن مجلس النواب العراقي يحاول بشتى الطرق أن يساعد في تقليل هذه التركة من خلال دعم الموازنة الاستثمارية في موازنات الدولة التي ستوفر مشاريع مختلفة، فضلاً عن السعي لإقرار قوانين تحمي وتدعم قطاعات من شأنها أن تنمي أيادي عاملة خارج نطاق الوظيفة الحكومية. لكن هذا لا يمنع من انتقاد طريقة التوظيف لدى الحكومة، حسبما يقول رئيس لجنة العمل في المجلس صادق المحنا لرصيف22. إذ "لا توجد دولة توظف بهذه الطريقة غير المنتجة، فهؤلاء يعادلون 50% من قوة العمل العراقية، وهم محميون بصناديق مالية، مما يثبت أن هنالك تدهوراً بالانتاجية والكفاءة". ويضيف "لا شك أن التجديد بالوظائف العامة يحصل في كل عام مع اقرار موازنة الدولة، وهو ما يشكل الاستنزاف الحقيقي لاقتصاد العراق، حيث الوظيفة الحكومية هي ملجأ للحماية".

الى ذلك، يقول معاون عميد كلية إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة بغداد صالح جودة لرصيف22، إن من دواعي الإنصاف القول إن معالجة ظاهرة البطالة المقنعة ينبغي أن تبدأ من قمة الهرم الحكومي، نزولاً إلى أسفله، لأن وجود بعض الحلقات الوظيفية لا مبرر لها، علماً أنها تتقاضى رواتب ومخصصات ضخمة تشكل عبئاً كبيراً على الإيرادات المالية المحدودة للدولة مما يتطلب التخلص منها. فـ"ذلك لا يتناسب مع الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد حالياً، لكن ما يؤسف له حقاً هو سوء توزيع هذه الموارد وانعدام العدالة في توزيعها".

ويتابع جودة "إذا اردنا تفعيل حالة الاستثمار في المشاريع الإنتاجية والإسكانية والخدمية، سواء كان الاستثمار حكومياً أو خاصاً أو مختلطاً، فلا بد أن يصاحب ذلك استثمار للطاقات والموارد البشرية التي تعد عاطلة أو شبه عاطلة عن العمل في القطاع الحكومي، وخصوصاً طاقات العاملين في الوزارات والدوائر التي يفترض أنها وزارات إنتاجية". إذ "ينبغي إعادة توزيعهم على المشاريع الاستثمارية والإنتاجية ذات المردود المادي والاقتصادي المباشر، كالمشاريع الصناعية والزراعية والإسكانية والخدمية من خلال الزج بهم في ميادين العمل المباشرة، كلّ حسب اختصاصه وخبرته ومؤهلاته العلمية، وبالتالي المساهمة في عملية التطور الاقتصادي وزيادة الدخل القومي تبعاً لزيادة الناتج المحلي الإجمالي". ولأجل تشجيع العاملين في دوائر الدولة للتوجه والعمل في هذه المشاريع الإنتاجية، يجب منحهم الحوافز المادية المختلفة مما سيؤدي إلى زيادة إنتاجيتهم، ومن ثم إلى انتقالهم من القطاع الحكومي إلى الخاص.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard