من مآزق الثقافة العربية التاريخية: المقارنة الدائمة بين الذهنية الغربية والذهنية العربية، وتفضيل الأولى على الثانية
مأخذ على مسلسل "سلفي" المثير للجدل، ولكن ليس لأنه يزعزع المنظومة القيمية التي تربى عليها السعوديون
"سلفي" هل يلعب دور "رفاعة الطهطاوي" على الشاشة الصغيرة
تعيد هذه المعادلة الإشكالية التاريخية التي واجهتها الثقافة العربية منذ عهد الحركات التحررية، والبعثات العربية إلى الغرب في زمن محمد علي باشا، وصولاً إلى اليوم. إذ انقسم المثقفون منذ تلك المرحلة، إلى مثقفين متشبثين بالتراث، ويجدون فيه خلاص الأمة العربية، ومثقفين رافضين للتراث، ومتبنين للمنظومة الفكرية الغربية. ما يقدمه القصيبي في "سلفي"، هو أحد أشكال الانحياز الخجول للنموذج الغربي، على اعتبار أن الموروث العربي يعاني ما يعانيه من إشكاليات، لم يعد المجتمع قابل للتعايش معها أو تجاوزها ذهنياً. وهذا يأزم الإشكالية ولا يساهم في حلها كما يعتقد البعض. فكلما كان الإعلام، والمثقف المركزي، منحازاً للنموذج الغربي، تزمت الطرف المقابل وصار منحازاً لجذوره التراثية، وأصوليته، المنزوعة عن سياقها. يظهر هذا الواقع ليس على صعيد المنظومة الذهنية للمجتمعات العربية وحسب، فآثاره ظاهرة في الجماعات الجهادية، والجماعات التكفيرية، وفي مستويات الحريات، ودور المرأة في المجتمع، ومستويات الأمية، وصولاً إلى المشروع الأكبر، والمتمثل في حركة التحرر العربي على مختلف المستويات. يتأكد ذلك بالعودة إلى الشواهد التاريخية الماثلة خلال المئة عام الماضية، إذ يكفي متابعة شراسة الهجمات التي واجهها رفاعة الطهطاوي، أول المبعوثين لمشروع التنوير العربي في زمن محمد علي باشا. إذ كان التجييش لمواجهة أطروحاته قائماً بوصفه بالزندقة، والكفر، والإلحاد، والتخلي عن الدين، والهوية العربية الإسلامية. ويكفي الوقوف أمام نماذج من الفكر العربي اغتالتها الذهنية الأصولية، أو أهدرت دمها، أمثال "حسين مروة"، و"مهدي عامل"، و"نصر حامد أبو زيد"، وغيرهم من المثقفين والمفكرين. لذلك لا يمثل مشروع القصبي سوى نافذة صغيرة للإطلالة على إشكاليات الحضارة العربية، وأزمة نهوضها التاريخية. فما يعرض على الشاشة بصورته الفكاهية، واحد من تجليات الصراع القائم بين الانفتاح على الغرب، وتقبل نموذج الدولة المدنية الحديثة بكل محمولها، مقابل الأصولية السلفية القابضة على جذورها المعرفية.هل ينجح "تجديد الخطاب الديني" في حل أزمة الأصولية الإسلامية العربية؟
واجه هذه الأزمة الكثير من الجهود الفكرية عربياً، فأوجدت منفذاً وسطياً للخروج من هذا المأزق، لكنها توقفت عند المنظومة الدينية، على اعتبار أنها تمثل جذر الإشكال التاريخي والانشقاق الحضاري. فظهر الكثير من دعاة تجديد الخطاب الديني في العالم العربي، منهم المفكر، والكاتب، والمثقف، وصولاً إلى الإعلامي. لكن الإشكالية لا تزال قائمة، وتكاد تكون جهود كبار الفكر العربي المعاصر غير قادرة على فك الأزمة وتحقيق نتائجها على أرض الواقع. فلم تحقق مشاريع كل من "محمد أركون"، و"محمد عابد الجابري"، و"عبد الله العروي"، و"حسين مروّة"، وغيرهم، في رسم مسار جديد أمام الحضارة العربية. وسيظل صوت "تجديد الخطاب الديني" منفذاً ضيقاً في مواجهة الأزمة، فالكثير من الإشكاليات لا يستطيع التجديد مواجهتها بصوت عالٍ. خصوصاً أن التعامل مع التجديد لا يعني الوقوف أمام صورة واضحة وثابتة للإسلام، إضافة إلى أن تجديد الدين يبدو سهلاً مقابل تجديد ذهنية بعض المجتمعات العربية، وتغيير قيمها الاجتماعية، التي كثيراً ما تتفوق على الدين في حدة أصوليتها وتزمتها.من يواجه السلطة السياسية بالحقيقة، وهل يمكن للإعلام أن يكون حراً؟
في ظل الانقسام حول التراث إلى قطبين، أصولي وحداثي، وصولاً إلى التيار الوسيط (تجديد الخطاب الديني)، يولد السؤال الجوهري، ما هي حقيقة الأزمة؟ ومن بيده الحل؟ تبدو الإجابة رغم وضوحها صعبة وشائكة، فهي متمثلة في السلطة، الأزمة الحقيقة هي بين المجتمعات والسلطة. إذ ظلت السلطة في البلدان العربية تسير مصالحها بالاستفادة من أشكال الصراع القائم بين الأطراف كلها. وظلت حريصة على دعم وجودها في مواجهة أحد الأطراف، بدعم من الآخر، فمرة تلجأ إلى الجماعات الأصولية لمواجهة أصولية أخرى، ومرة تلجأ إلى الليبراليية لمواجهة الأصولية، وهكذا يتواصل الصراع على حساب الفرد في المجتمع. لذلك ليس غريباً أن يكون الإعلام نموذجاً لمجمل التيارات المتنازعة، فلكل واحد من التيارات أدواته الإعلامية. ولكل جهد إعلامي جمهوره. فكما تقود الـMBC الرأي العام العربي اليوم، وترسم وجهات نظره حول الراهن بما يتفق وحاجة المرحلة السياسية الاقتصادية، تصارع جهات إعلامية أخرى لتحقيق غاياتها وتمثيل صورتها في الشارع العربي.رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
انضم/ي إلى المناقشة
مستخدم مجهول -
منذ 14 ساعةلا اتفق بتاااتا مع المقال لعدم انصافه اتجاه ا المراه العربية و تم اظهارها بصورة ظلم لها...
mahmoud fahmy -
منذ 3 أياممادة قوية، والأسلوب ممتاز
Apple User -
منذ 5 أيامهل هناك مواقف كهذه لعلي بن ابي طالب ؟
Assad Abdo -
منذ أسبوعشخصية جدلية
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعأن تسخر التكنولوجيا من أجل الإنسان وأن نحمل اللغة العربية معنا في سفرنا نحو المستقبل هدفان...
جيسيكا ملو فالنتاين -
منذ أسبوعلم تسميها "أعمالا عدائية" وهي كانت حربا؟