الحرب توقف نهضة الفن التشكيلي الليبي

الاثنين 11 يوليو 201607:25 م

أدخل النزاع المسلح على السلطة في ليبيا، والفوضى التي ترافقه منذ أكثر من عام، الفن التشكيلي في مرحلة من السبات والإحباط بعد نهضة فنية عمت البلاد، خصوصاً عاصمتها طرابلس، في أعقاب ثورة العام 2011. ويقول مرعي التلليسي، أحد أبرز الفنانين التشكيليين الليبيين في طرابلس: "فقدنا اليوم كل مصادر الإلهام"، ويضيف: "الفترة الحالية لا تتناسب مع متطلبات الإبداع".

وتشهد ليبيا منذ عام صراعاً على الحكم بين سلطتين تتقاسمان السيطرة على مناطق البلاد. سلطة معترف بها في الشرق، وأخرى تدير العاصمة بمساندة مجموعات مسلحة تحت مسمى "فجر ليبيا"، ولا تحظى باعتراف المجتمع الدولي. وعلى مدى عام من الاقتتال، أطاح النزاع بأركان الدولة، فدمرت معظم مؤسسات الدولة، وتوقفت عجلة الاقتصاد، ودخلت الحياة الثقافية والفنية في مرحلة من العجز والسبات والإحباط.

وبعد النشوة العارمة التي عاشها الفنانون التشكيليون في ليبيا، والنهضة التي رافقتها بعد الثورة التي أطاحت بنظام، مارس على مدى أكثر من أربعة عقود رقابة مشددة على الثقافة والفن، فرضت أعمال العنف وغياب سلطة الدولة العاجزة عن المحاسبة، على هؤلاء الفنانين، أمراً واقعاً جديداً عنوانه الترقب.

مقالات أخرى

حركة تنوير الليبية: مواجهة الرصاص بالعمل الثقافي

من مجاهدين في سبيل "الراب" إلى مجاهدين في سبيل "الربّ"

ويقول خليفة المهدوي، أحد مؤسسي "دار الفنون"، ملتقى الفنانين التشكيليين الوحيد في العاصمة الليبية حالياً، إن "الفترة التي يمر بها هذا الفن في ليبيا هي بمثابة أكثر من توقف مرحلي، إنها بداية مخاض طويل، ستستمر آلامه حتى نرى نهضة جديدة". وفي موازاة غياب الأمن، فإن النقص في الخدمات الرئيسية يصعب على الفنانين التشكيليين عملهم، خصوصاً في طرابلس، التي سبق وأن اختيرت عاصمة للثقافة العربية في العام 2014.

ويوضح عماد باش آغا مدير العلاقات في "دار الفنون"، أنه "من الصعب إقامة معارض أو ورش عمل فنية في ظل الوضع الحالي، من انقطاع الكهرباء، والنقص في المياه. بالإضافة إلى هجرة العديد من الفنانين مع عائلاتهم". ويضيف: "كل شيء يسير ببطء في طرابلس. نحن في مرحلة من الجمود مستمرة منذ عام".

قبل الانقلاب الذي قاده معمر القذافي في العام 1969، أسس الفنانون الليبيون ناديين للفن التشكيلي، الأول في مدينة بنغازي، (شرق طرابلس) عام 1951، والثاني في العاصمة عام 1960، قبل أن يغلق هذان الناديان أبوابهما مع تشديد نظام القذافي قبضته على الثقافة والفن.

ويعتبر محمد البارودي وعلي رمضان، من رواد الفن التشكيلي الليبي، إلى جانب علي قانة، الذي توفي سنة 2006 وكان رساماً ونحاتاً. وتقوم ابنة علي قانة، هادية، التي تتقن فن الخزف، بالتحضير حالياً لإقامة متحف خاص بحياة وأعمال والدها في طرابلس. وأوضحت أنه "في ظل نظام القذافي، حين كان كل شيء يجب أن يصب في خانة تمجيد القائد، لم أكن لأقيم أي معرض مماثل".

وعلى مدى العقود الماضية، لم يكن الفن التشكيلي يثير اهتمام الكثير من الليبيين،  بل كان يقتصر على فئات محدودة منهم، إضافة إلى الأجانب، خصوصاً العاملين في السفارات الأجنبية، الذين غادروا جميعهم ليبيا لدى اندلاع النزاع المسلح في صيف عام 2014.

وتقول الرسامة نجلة الفيتوري، التي تعرض أعمالها وأعمال زوجها الرسام يوسف فطيس في معارض خارج ليبيا، إن "الفنون التشكيلية ليست من أولويات العائلات الليبية. المغتربون والدبلوماسيون، وبعض الليبيين خصوصاً الذين كانوا يعيشون في الخارج، هم زبائن هذه الفنون".

إلا أن التقرب من الدبلوماسيين الأجانب كان يجعل الفنانين الليبيين عرضة للمساءلة من قبل النظام، الذي كان يحذر دوماً من "غزو ثقافي" خارجي، وهو تحذير مكّنه من التحكم بكل أوجه الحياة الثقافية. وتوضح الفيتوري أنه "حتى لو لم تكن أعمالنا مناهضة للقذافي، فإن تواصلنا مع الأجانب، خصوصاً الدبلوماسيين، كان يجلب المتاعب".

إبان ثورة عام 2011، بدا الفنانون الليبيون وكأنهم ولدوا من جديد، وكسروا الرقابة التي فرضت عليهم لأربعة عقود، فانتشرت المعارض وكثرت الأعمال الفنية، واستمرت هذه النشوة إلى حين اندلاع النزاع العام الماضي. أما اليوم، فإنهم يعيشون حالة من القلق والترقب. وتقول الفيتوري: "ننتظر لنرى ما تحمله لنا السنوات المقبلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard