هل ينجح لبنان الرسمي في الذهاب إلى

هل ينجح لبنان الرسمي في الذهاب إلى "سلام مشروط" مع إسرائيل؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 10 أبريل 202610 دقائق للقراءة

رغم عدم وضوح معالمها وتفاصيلها، يُحاول لبنان الرسمي المضي إلى محادثات سلام مباشرة مع إسرائيل، في مسار تفاوضي مواز للمفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران في إسلام أباد لكن على الأرجح لن يكون منفصلاً عنه كلياً. ووصف الرئيس اللبناني جوزيف عون "الحل الوحيد للوضع الذي يعيشه لبنان حالياً" في "وقف إطلاق نار تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما"، وهو ما قال إنه يحظى بـ"ترحيب دولي كبير، ويتفاعل إيجاباً في الأروقة السياسية الدولية".

لكن الخلاف ملحوظ إن كان في وجهتيّ النظر اللبنانية والإسرائيلية، أو داخل لبنان من الأفرقاء السياسيين وحتى بين المواطنين. فلبنان متمسك -كما أخبر مسؤول لبناني بارز "رويترز" صباح الجمعة- بوقف إطلاق النار قبل الانخراط في أي مباحثات مباشرة مع إسرائيل التي تصرّ على فرض قواعد اشتباك، جديدة واضطرار لبنان إلى محادثات "تحت النار"، حسبما صرّح أحد مسؤوليها للقناة 12 الإسرائيلية الخميس.

وفي لبنان، وبينما يصرّ قصر بعبدا والحكومة التي يرأسها نواف سلام على مفاوضات السلام كخطوة ضرورية لاستقرار الوضع بالبلاد، لا تزال أحزاب عدة وجهات سياسية ترفض الجلوس على طاولة واحدة مع إسرائيل، على أقل تقدير قبل وقف إطلاق النار والانسحاب من الجنوب وعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم.

بطبيعة الحال، في مقدمة الرافضين "حزب الله" إذ قال ​النائب فيه، علي فياض، الخميس، إن الجماعة ترفض ​المفاوضات المباشرة ​مع إسرائيل، وإنه ينبغي ⁠للحكومة اللبنانية أن ​تشترط وقف إطلاق ​النار قبل اتخاذ أي خطوات أخرى، مشدّداً على أن موقف ​الحكومة اللبنانية ​يجب ⁠أن يُعطي الأولوية أيضاً ​لانسحاب القوات الإسرائيلية ​من ⁠الأراضي اللبنانية وعودة النازحين إلى ديارهم.

لبنان عند مفترق طرق، فبينما يرى الرئيس جوزيف عون وحكومته السلام "حلاً وحيداً" لوضع البلاد المأزوم، تتباين مواقف الأفرقاء السياسيين بل والمواطنين إذ يظهر استطلاع رأي أجرته "آراء للبحوث والاستشارات" بالتعاون مع رصيف22 أن 42% مع وقف إطلاق النار مقابل اعتراف لبنان بإسرائيل

وفيما يخشى كثيرون أن يزداد الانقسام الداخلي ويتطوّر إلى تهديد جدّي للسلم الأهلي، أكد عون إصراره على عدم السماح بحصول فتنة داخلية، ودعا إلى "الإيمان بالدولة وقواها الشرعية لأن لا خلاص من دونها"، معبّراً عن ثقته الكاملة بالمؤسسة العسكرية والأمنية للإمساك بالأمن وطمأنة الناس الذين يجب أن يكونوا أيضاً شركاء في الحفاظ على الاستقرار الأمني والتعاون الوثيق مع القوى الأمنية والبلديات.

ما موقف المواطنين اللبنانيين من المفاوضات؟

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة "آراء للبحوث والاستشارات" بالتعاون مع رصيف22، بين 24 و31 آذار/ مارس 2026، أن 42% من اللبنانيين يعارضون وقف إطلاق النار مقابل اعتراف لبنان بإسرائيل ضمن اتفاقية سلام، مقابل تأييد 32%. علماً أن من عارضوا ذلك بشدة ناهزت نسبتهم 34% في حين أن 19% فقط أيّدوه بشدة. ورفضت 8% فقط من المستطلعة آراؤهم الإجابة.

وظهر تأييد الأغلبية لهذه المبادرة فقط في المواطنين المسيحيين إذ أيّدها بشدّة 37%، وإلى حد ما 23% من المسيحيين أي ما نسبته 60%. أما المواطنون من السُنّة، فعارضوها بشدّة 34% منهم، وعارضها إلى حد ما 10% منهم. وكان رفض المواطنين الشيعة الأعلى إذ عارضها بشدّة 60% منهم، وعارضها إلى حد ما 7% منهم.

ماذا نعرف عن المفاوضات حتى الآن؟

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشكل مفاجئ الخميس 9 نيسان/ أبريل عن توجيه الكابينت إلى بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان "في أقرب وقت ممكن"، مبرزاً "ستركز المفاوضات على نزع سلاح "​حزب الله" ​وإقامة ⁠علاقات سلمية بين إسرائيل ولبنان". جاء ذلك بعد يوم واحد من إعلان الهدنة بين أمريكا وإسرائيل لمدة أسبوعين تمهيداً لمفاوضات بينهما تستضيفها إسلام أباد.

وعبّر نتنياهو عن "تقدير" إسرائيل قرار مجلس الوزراء اللبناني، في جلسته في قصر بعبدا الخميس، في حضور الرئيس عون، تفويض الجيش والقوى الأمنية بمباشرة تعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت فوراً، وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها.

وكان رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، قد شدّد على أن القرار يأتي في سياق تصميم الحكومة على المحافظة على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، مما يتطلّب تعزيز انتشار القوى الأمنية الشرعية وبسط سلطة الدولة في محافظة بيروت الإدارية وحصر السلاح بالقوى الشرعية، ومنع الوجود المسلح غير الشرعي.

ونقلت شبكة "سي أن أن" الأمريكية، الجمعة، عن مصدر حكومي لبناني لم تسمِّه، أن رئيس الوزراء اللبناني، سلام، سيسافر إلى واشنطن العاصمة في الأيام المقبلة، بعد طلب إسرائيل إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان فيما قال مسؤول أمريكي، لوكالة "فرانس برس" الخميس، إن المفاوضات ستعقد الأسبوع المقبل في وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن.

وأبلغ مسؤول لبناني ​كبير "رويترز"، ‌الجمعة، بأن لبنان يعتزم المشاركة ​في اجتماع خلال ​الأسبوع المقبل في ⁠واشنطن مع ممثلين ​عن الولايات المتحدة ​وإسرائيل لمناقشة وإعلان وقف إطلاق النار، موضحاً ​إلى أن ​موعد المحادثات لم يحدد بعد.

فيما تصرّ إسرائيل على فرض قواعد اشتباك، جديدة واضطرار لبنان إلى محادثات "تحت النار"، يتمسّك لبنان بوقف إطلاق النار أولاً قبل الجلوس إلى طاولة مفاوضات واحدة مع إسرائيل. في الأثناء، لا تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

استمرار الاعتداءات الإسرائيلية

وحتى في أثناء كتابة هذه السطور، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من لبنان، بما فيها النبطية والبقاع الغربي وبعلبك.

وفي ساعة مبكرة من اليوم الجمعة 10 نيسان/ أبريل، قال الجيش الإسرائيلي إن "حزب الله" أطلق صاروخاً باتجاه ​إسرائيل، مما أدى إلى انطلاق صفارات الإنذار في ‌مناطق منها تل أبيب. وأفاد الإعلام الإسرائيلي بأنه جرى اعتراض الصاروخ. وأضاف الجيش الإسرائيلي أنه استهدف 10 منصات ​إطلاق تابعة لـ "حزب الله" أطلقت صواريخ باتجاه شمالي إسرائيل.

في المقابل، أعلن الحزب استهداف بنية تحتية عسكرية ​إسرائيلية في مدينة حيفا في ساعة متأخرة من مساء الخميس. ثم عاد وأكد استهداف عدد من المستوطنات الإسرائيلية واستهدف القاعدة البحرية العسكرية في ميناء أشدود بـ"صواريخ نوعية".

يأتي ذلك بعد أعنف قصف إسرائيلي على لبنان، يوم الأربعاء 8 نيسان/ أبريل، والذي شمل 100 غارة في 10 دقائق، ومن دون تحذيرات مسبقة، مما أسفر عن مقتل 303 (110 منهم أطفال ونساء وكبار سن) وإصابة أكثر من 1150 آخرين في يوم واحد، في حصيلة غير نهائية حيث "لا تزال عمليات انتشال الشهداء من تحت الأنقاض مستمرة في أكثر من مكان"، وفق وزارة الصحة العامة اللبنانية.

وتسببت هذه الهجمات التي وصفت بأنها "عاصفة متكاملة" في انتقادات دولية واسعة على إسرائيل.

دعوات إلى وقف إطلاق النار في لبنان

وفي بيان مشترك في الأمم المتحدة، ندّدت 63 دولة والاتحاد الأوروبي بـ"السلوك العدواني غير المقبول" تجاه قوات ​حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية في لبنان، كما عبّرت عن "القلق العميق إزاء الوضع الإنساني في لبنان، ولا ​سيما العدد الكبير من القتلى والجرحى المدنيين، والدمار واسع ​النطاق الذي لحق بالبنية التحتية المدنية، والنزوح الجماعي لأكثر ⁠من مليون شخص".

جاء ذلك بعدما أعلنت الأمم المتحدة، الثلاثاء 7 نيسان/ أبريل، ⁠أن النتائج الأولية لتحقيقها في مقتل ثلاثة من جنود حفظ السلام الإندونيسيين في حادثين منفصلين يومي 29 و30 آذار/ ⁠مارس المنقضي، ​أظهرت أن أحدهم قتل بقذيفة أطلقتها ​دبابة إسرائيلية، وأن اثنين آخرين قتلا بعبوة ناسفة يُرجح أن يكون "حزب ​الله" قد زرعها.

والخميس، دعت مسؤولة ​السياسة الخارجية في ‌الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، "كل الأطراف المعنيين ‌على ⁠الاحترام الكامل لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء ​المنطقة ​ووقف ⁠جميع العمليات العسكرية وضمان ​حرية الملاحة ​والمرور ⁠الآمن عبر مضيق هرمز بما يتماشى ⁠مع ​القانون ​الدولي".

وضع إنساني متدهور

منذ تصعيد إسرائيل حربها على لبنان في 2 آذار/ مارس 2026 وحتى 9 نيسان/ أبريل الجاري، قتلت إسرائيل 1888 شخصاً وأصابت 6092 آخرين. وأجبرت إسرائيل مواطني عشرات البلدات والقرى اللبنانية على النزوح، أحياناً عدة مرات، ودمرت العديد من منشآت البنية التحتية المدنية، واستهدفت القطاع الصحي والإغاثي.

وكشف استطلاع الرأي الذي أجرته "آراء للبحوث والاستشارات" بالتعاون مع رصيف22 أن الحرب الإسرائيلية أجبرت 31% على النزوح بمن فيهم 20% بشكل دائم بسبب الغارات المستمرة والإنذارات بالإخلاء. وطال التهجير المواطنين الشيعة بشكل أكبر وبنسبة 73%، مقابل 21% للمواطنين السنة و7% من المواطنين المسيحيين، و16% من المواطنين الدروز.

"لا يمكن أن يُترك أطفال لبنان لمصيرهم"... اليونيسف تحذّر من خطورة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بعدما قتل الجيش الإسرائيلي 33 طفلاً وأصاب 153 آخرين في هجمات الأربعاء وحدها. تحذيرات أخرى من تفاقم الأوضاع الإنسانية بسبب النزوح ونقص الغذاء وارتفاع أسعاره

وعطّلت الحرب أعمال الناس وقلّصت موارد رزقهم بشكل كبير إذ تأثرت سلباً أعمال ما يزيد على نصف الشعب اللبناني (53%) بسبب الأوضاع الراهنة، بمن فيهم 24% توقفت أعمالهم كلّياً، و13% توقفت أعمالهم بشكل مؤقت، واستمرت أعمال 16% منهم جزئياً.

وفي بيان الجمعة، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إن "استمرار النشاط العسكري في لبنان، يشكّل خطراً جسيماً على تثبيت وقف إطلاق النار وعلى الجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم وشامل في المنطقة. ولا يمكن أن يُترك أطفال لبنان لمصيرهم"، مبرزةً مقتل 33 طفلاً وإصابة 153 آخرين في هجمات الأربعاء الإسرائيلية على لبنان، ومقتل وإصابة نحو 600 طفل منذ تجدّد الاشتباكات في 2 آذار/ مارس 2026.

وتابعت: "أُجبر أكثر من مليون شخص على النزوح في مختلف أنحاء البلاد، من بينهم ما يُقدّر بنحو 390 ألف طفل، نزح العديد منهم للمرة الثانية أو الثالثة، بل وحتى الرابعة. وأمام هذا الواقع، يبقى القانون الدولي الإنساني واضحاً: يجب حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، في جميع الأوقات".

في الأثناء، حذّر برنامج الأغذية ​العالمي، الجمعة 10 نيسان/ أبريل، من أن لبنان يواجه أزمة أمن غذائي ​حادة، بسبب تعطيل إمدادات السلع على خلفية الحرب الدائرة في المنطقة وغلق مضيق هرمز.

ووصفت ​مديرة برنامج الأغذية ​العالمي في لبنان، ⁠أليسون أومان، خلال حديث مع "رويترز" الوضع بأنه "ليس مجرد أزمة ‌نزوح، ⁠بل يتحول بسرعة إلى أزمة أمن غذائي"، محذرةً في الوقت نفسه من ​أن ارتفاع ​أسعار ⁠الغذاء المطرد تسبب في ​تزايد عدم القدرة ​على ⁠شرائه لا سيّما في ظلّ تزايد الطلب عليه ⁠بين ​الأسر النازحة.

لكن رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي، ردّ على الفور على هذا التحذير، عبر "الجديد"، مؤكداً أن "لا صحة لأي خبر عن احتمال وقف الإمدادات الغذائية إلى لبنان".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile