لم تكن رحلتي إلى أذربيجان مجرد انتقال جغرافي من ضفاف النيل إلى بلاد القوقاز، بل كانت انغماساً مفاجئاً في عالم يمزج بين برودة الجبال وحرارة التاريخ. استقر بي المقام في "خردلان"، تلك المدينة التي تبعد بضعة كيلومترات عن صخب باكو اللامعة، لتعمل كمرآة حقيقية للحياة اليومية الأذرية بعيداً عن أضواء السياحة.
هنا، وفي طريقي اليومي بين أزقة المدينة ومخابزها التقليدية، بدأت أكتشف أن الهوية في هذه البلاد ليست مجرد شعارات، بل هي طقوس تُمارس في الشوارع وتُخبز في الأفران. ومع اقتراب موسم الربيع، وجدتُ نفسي وسط احتفال مهيب، حيث تزامنت نفحات عيد الفطر مع النوروز (النيروز) الأذري، لتخلق مشهداً استثنائياً استوقفني كصحافية مغتربة تبحث عن جذور التشابه والاختلاف.
العيش في "خردلان" يعطيك زاوية رؤية لا توفرها فنادق باكو الفاخرة. هنا، يبدأ اليوم بضجيج حافلات "المارشوروتكا" التي تنقل العمال والموظفين إلى العاصمة، وبائعي الخبز الذين ينادون على "التندور" الساخن في الصباح الباكر.
في أيام العيد والنيروز، يتغير إيقاع المدينة؛ تختفي العجلة ويحل محلها هدوء مبهج. نرى العائلات وهي تتبادل أطباق "الخلعة" (الهدايا) في أطباق مزينة بالمناديل الملونة.

كصحافية عربية، استوقفتني هذه البساطة؛ ففي خردلان لا يحتاج الناس للكثير ليفرحوا، فنجان من الشاي الأذري الثقيل مع قطعة "باهلوا" (بقلاوة) في شرفة المنزل المطلة على الشارع، كفيلة بجعل الجار يبتسم لجاره بصدق، في مشهد يذكرني بدفء الحارات المصرية القديمة.
ما هو النيروز؟ انتصار الضوء على العتمة
بعيداً عن الحسابات الفلكية المعقدة، النيروز في الوجدان الأذري هو انتصار الضوء على الظلمة. كلمة نيروز (نوروز في الأصل) تعني بالفارسية "اليوم الجديد". عيد النيروز لا يرتبط بدين محدد، بل هو احتفال سنوي ببدء السنة الشمسية الجديدة، وتحديداً لحظة الاعتدال الربيعي. بالنسبة للأذريين، النيروز ليس مجرد عطلة، بل هو استعادة للاتصال بالطبيعة التي تستيقظ من سبات الشتاء.
في هذا اليوم، تتوقف الحياة عن رتابتها، وتتحول المنازل إلى ساحات لاستقبال الضيوف، حيث تُنظف البيوت من "غبار الماضي"، ويُلبس الجديد، وتُجهز الأطباق التقليدية التي ترمز للخصوبة والحياة. إنه احتفال بالبقاء، حيث تتوارث الأجيال طقوساً ضاربة في القدم، لتؤكد أن دورة الحياة مستمرة رغم كل شيء.
طقوس النار… التطهر من أوجاع العام
الوقوف أمام هذه النيران في شوارع "خردلان" له هيبة خاصة؛ فالحطب الذي يجمعه الشباب لأسابيع لا يشتعل لمجرد الاحتفال، بل هناك معتقدات قديمة تتحدث عن "الأربعاءات الأربعة" التي تسبق النيروز، وكل منها يرمز لعنصر من عناصر الطبيعة (الماء، النار، الريح، الأرض).
النيروز ليس عيداً فقط، بل ذاكرة قديمة تستيقظ كل ربيع لتذكّر الناس أنهم ما زالوا أحياء
القفز فوق النار ليس مجرد رياضة أو لهو، بل هو محاولة رمزية للتطهر من أوجاع العام الماضي، حيث يردد القافزون عبارات تتمنى نقل "صفرة الوجوه" (التعب) إلى النار واستعارة "حمرتها" (الصحة والقوة). وهو طقس يشارك فيه الصغير والكبير، في مشهد يجمع بين الفلكلور والروحانية الشعبية التي لم تنجح عقود الحداثة في محوها.

تاريخياً، ترتبط هذه النيران بجذور أذربيجان كـ"أرض للنار"، حيث كانت الغازات الطبيعية تنبعث من الأرض وتشتعل تلقائياً، مما جعل النار رمزاً مقدساً قبل دخول الإسلام بقرون. في خردلان، يخبرني الجيران أن اشتعال النار في الأحياء الشعبية هو "إعلان صريح" عن كسر شوكة الشتاء. لا يكتفي الناس بالقفز، بل يحرصون على أخذ رماد النيران ونثره في زوايا الحقول أو الحدائق الصغيرة أمام البيوت، تيمناً بطرد الأرواح الشريرة وجلب البركة للمحاصيل. هذا التداخل بين الأسطورة والواقع هو ما يعطي للنيروز نكهته الخاصة؛ فهو ليس مجرد احتفال عابر، بل هو استحضار لتاريخ سحيق يعيشه الإنسان الأذري المعاصر بكل جوارحه.
مائدة الرموز… فن يُؤكل ونقوش تُحكى
المائدة الأذرية في هذه الأيام هي "بيت القصيد". فبجانب "الشكربورا" (المعجنات المحشوة بالمكسرات والتي تشبه القمر) و"الباهلوا"، التي ترمز للنجوم، هناك طبق "البلو" (الأرز الأذري) الذي يتوسط المائدة كملك متوج. أما الـ"سمني" أو العشب الأخضر المزروع، فيوضع خلفه مرآة وشموع بعدد أفراد الأسرة، في إشارة لإضاءة طريق المستقبل.

لا تُصنع حلويات النيروز عبثاً، فكل قطعة هي رمز كوني. "الباهلوا" بطبقاتها المتعددة وحبة الجوز التي تتوسطها ترمز للنجوم والكون، بينما "الشكربورا" تمثل الهلال، و"الغورابيا" تمثل الشمس. هذا "الثالوث الكوني" حين يجتمع على مائدة واحدة، يعكس فلسفة قديمة ترى في الطعام وسيلة للاتصال بالخالق وبالكون.
هنا، لا يُلغى الدين ولا يهيمن، بل ينسحب بهدوء ليترك للطبيعة أن تتكلم
النسوة في أذربيجان يتنافسن في جودة هذه الحلويات، وتعتبر "الشكربورا" المثالية هي التي تمتلك نقوشاً دقيقة ومنتظمة باستخدام ملقاط حديدي يسمى "المقاش"، وكأنها قطعة من نسيج السجاد الأذري الشهير، مما يجعل عملية الخبز طقساً فنياً جماعياً تشارك فيه الجدات والحفيدات، لضمان انتقال السر من جيل إلى جيل.
تزامن الهويات… حين يلتقي الفطر بالنيروز
ما جعل تجربتي هذا العام استثنائية هو التزامن الفريد بين عيد الفطر المبارك واحتفالات النيروز. في "خردلان"، رأيت كيف تذوب الحدود بين ما هو ديني وما هو قومي. صلاة العيد في المساجد الهادئة تلتها مباشرة زيارات الجيران المتبادلة لتبادل حلويات النيروز. هذا الهدوء الديني في أذربيجان يعود لجذور تاريخية وسياسية معقدة، فالدين هنا انسحب من المجال العام ليحتمي بالبيوت والقلوب.

وبينما نرى في بلادنا العربية أن العيد يبدأ من المسجد وينتهي في الشارع، نجد هنا أن الشارع "محجوز" للطبيعة وللأرض (النيروز)، بينما المسجد يظل واحة للراغبين في صلاة هادئة وتأمل خاص. هذا الفصل لا يعني غياب الإيمان، بل يعني صياغة مختلفة له، تجعلك تتساءل عن مفهوم الهوية الإسلامية حين تمتزج بتراث وثقافات عابرة للحدود والقرون.
دروس من بلاد النار
خرجت من هذه التجربة في أذربيجان بيقينٍ جديد، هو أن الشعوب، رغم اختلاف لغاتها، تشترك في حاجتها الماسة للفرح وللبدايات الجديدة. في "خردلان"، لم أشعر بضيق الغربة ونحن نتحلق حول النار، بل شعرت بأنني جزء من حكاية إنسانية كبرى تُحكى بلغات متعددة ولكن بقلب واحد. النيروز وعيد الفطر هنا، كلاهما دعوة سنوية لنفض الغبار عن الروح، والابتسام للحياة، تماماً كما تفعل زهور الربيع التي تشق طريقها وسط صخور القوقاز لتعلن أن الشمس ستشرق دائماً مهما طال الشتاء.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
