العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي في حكومته إيتمار بن غفير، ليست علاقةً عاديةً، فقد شابها الكثير من التوترات والتجاذبات والمشاحنات، خاصةً في ظل مطالبات الأخير المستمرة بأن يكون عضواً في مجلس الحرب بعد 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.
واجهت تلك المطالبات رفضاً من نتنياهو، وبلغت الخلافات بينهما أوجها بعد موافقة الأخير على وقف إطلاق النار في قطاع غزّة في بداية العام 2025، بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ قدّم بن غفير ووزراؤه استقالتهم من الائتلاف الحاكم، وبقيت وزاراتهم شاغرةً في الحكومة حتى عاد نتنياهو إلى الحرب واستكمل العمليات العسكرية في القطاع.
حينها، عاد بن غفير ووزراؤه إلى مقاعد الحكومة.
من مدان بالإرهاب إلى وزير في الحكومة
وفقاً لصحيفة الغارديان البريطانية، وُلد بن غفير في العام 1976 لعائلة يهودية من أصول عراقية، وانخرط في نشاط اليمين المتطرّف في سنّ مبكرة وأصبح ناشطاً فيه منذ دراسته المدرسية، حيث منعه الجيش من الخدمة العسكرية، واستمرّ في ذلك في أثناء دراسته القانون.
"سُئل نتنياهو أكثر من مرة: هل سيكون بن غفير وزيراً في حكومتك؟ وكانت الإجابة: بالطبع لا. لكن في نهاية المطاف، اضطر إلى أن يتعامل معه لأنّ الكرسي غالٍ، والأخير يريد أن يصل إلى رئاسة الحكومة بأي ثمن وأن يبقى في السلطة
في بداية الثلاثينات من عمره، تمّت إدانته بتهمة التحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية، ولكن هذه الإدانة لم تمنعه من أن يصبح محامياً، ويعمل على الدفاع عن المستوطنين المتهمين بجرائم تتعلق بالإرهاب أمام المحاكم الإسرائيلية.
بعد دخوله الكنيست، أصبح قطباً فاعلاً في حكومة نتنياهو، وتولّى حقيبة الأمن القومي فأصبح مسؤولاً عن جهاز الشرطة.
من جانب آخر، أفادت صحيفة تايمز أوف إسرائيل، بأنّ رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، صرّح بأنّ بن غفير "وزير فاشل"، ولن يضمّه إلى أي حكومة يشكّلها مستقبلاً، لأنه يتصرف كمتنمّر وعنصري ضد قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وقد وجّه إليه اتهامات بتسييس جهاز الشرطة وإهمال الوسط العربي وسط أسوأ موجة من جرائم القتل العنيفة التي يشهدها هذا الوسط في ظلّ تولّي بن غفير وزارة الأمن القومي.
"وزير تيكتوك"
بن غفير وزير مُدان بالإرهاب، توجد عليه وصمة كبيرة إذ كان ممن لاحقوا رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين، وقام بالاعتداء على سيارته، كما أدين بخمسين بند إرهاب في الضفة الغربية، وهو يشكّل عبئاً سياسياً وأخلاقياً على نتنياهو بالنسبة لليمين الليبرالي في إسرائيل والعالم.
"سُئل نتنياهو أكثر من مرة: هل سيكون بن غفير وزيراً في حكومتك؟ وكانت الإجابة: بالطبع لا. لكن في نهاية المطاف، اضطر إلى أن يتعامل معه لأنّ الكرسي غالٍ، والأخير يريد أن يصل إلى رئاسة الحكومة بأي ثمن وأن يبقى في السلطة، لذا منحه وزارة الأمن الداخلي يلعب فيها كما يشاء برغم أنها حسّاسة جداً"، يقول الكاتب المتخصص في الشأن الإسرائيلي، وديع عودة، في حديثه إلى رصيف22.
ويضيف: "النتائج أمامنا أصبحت واضحةً؛ توجد فوضى وليس انتشاراً للجريمة في المجتمع العربي فحسب، بل أيضاً في المجتمع اليهودي. هو 'وزير "تيكتوك' كما يُسمّى، وشعبوي في توجهاته، وصفر إنجازات حتى وفق المنظور الإسرائيلي، وهذا دليل على أنّ إسرائيل في هذه السنوات اختلفت عما كانت عليه في الماضي".
ويستطرد عودة: "تدنّى مستوى السياسيين في إسرائيل، واختلفت موازين القوى وسلّم الأولويات فيها، وفي كثير من الأحيان تختلط الحسابات والمصالح الفئوية والحزبية أو الشخصية على حساب مصالح الأمن القومي وأحياناً تكون أولى منها، وهذا موجود لدى صانع القرار الأوّل في إسرائيل، أي لدى نتنياهو، وفي كثير من الحالات اتُّهم الأخير في فضيحة الغواصات الألمانية وفي قضايا داخلية وقضايا فساد أخرى بأنّه يغلّب مصلحته الشخصية على مصالح الأمن القومي، مثل قصة تعيين بن غفير وزيراً. وفي المستقبل سيبقى نتنياهو متمسكاً به لأنّه جزء أساسي في هذا الائتلاف، ومن دونه لن يشكّل أيّ حكومة، لذلك سيبقى أسيراً له".
خوف نتنياهو ليس من شخص بن غفير فحسب، ولكن من التحوّل البنيوي في أوساط الجمهور الإسرائيلي الذي انزاح نحو خطاب أكثر تطرفاً، والأخير يخاطب الجيل الشابّ بلغة الحسم والهوية والقوة.
بحسب معهد الديمقراطية الإسرائيلي، يحدّد القانون الإسرائيلي صلاحيات وزير الأمن القومي في الإشراف الإداري على جهاز الشرطة ووضع سياسته العامة، إلا أنّه لا يجيز له توجيه عمليات الشرطة أو التدخّل في أعمالها اليومية، وقد قام بن غفير بالتدخل المفرط في عمليات الشرطة وتسييس أنشطتها وأصدر تعليمات مباشرةً لها بعدم السماح بإغلاق الطرق الرئيسية، وفتح جميع الحواجز بالقوة التي أقامها "الفوضويون" و"أصحاب النفوذ من كابلان"، بالإضافة إلى تدخّله في التحقيقات الجارية بشأن مزاعم استخدام القوة المفرطة من قبل ضبّاط الشرطة وحرس الحدود، بما في ذلك ضدّ الفلسطينيين والمواطنين العرب في إسرائيل، ويمكن وصف هذه التدخلات بأنها "غير معقولة للغاية".
شراكة قسرية بطابع تنافسي
"العلاقة بين نتنياهو وبن غفير تتجه نحو شراكة قسرية، ولكنها بطابع تنافسي، بمعنى أنها تحالف في الظاهر لضمان وإطالة أمد الحكم، وفي المقابل صراع في العمق على قيادة اليمين. كلّ طرف يحتاج إلى الآخر مرحلياً، لكن الهدف النهائي لكل منهما هو وراثة المعسكر لا تقاسمه؛ بن غفير قادر على فرض إيقاعه داخل الحكومة، لكنه غير قادر حتى الآن على السيطرة الكاملة. أما نتنياهو فما زال يمتلك أدوات الحسم السياسية والحزبية"، تقول الكاتبة والسياسية الفلسطينية، نيفين أبو رحمون، في حديثها إلى رصيف22.
وتضيف: "ما يحدث هو تزاحم على الزعامة وليس انقلاباً عليها. في المرحلة الراهنة، لم يفلح أيّ منهم ومن ضمنهم بن غفير، في أن يؤسّس لحالة سياسية بديلة".
وتشرح أبو رحمون: "خشية نتنياهو من بن غفير سببها قاعدته الشعبية، لأنّه يمثّل يمينًا أكثر صفاءً كما يقال، وأقلّ قيوداً وقادراً على سحب القاعدة الشعبية من تحت أقدام الليكود. خوف نتنياهو ليس من شخصه فحسب، ولكن من التحوّل البنيوي في أوساط الجمهور الإسرائيلي الذي انزاح نحو خطاب أكثر تطرفاً، وبن غفير يخاطب الجيل الشابّ بلغة الحسم والهوية والقوة. لكن هذا الاستقطاب ما زال في طور التراكم وقد يؤدي إلى إعادة تشكيل اليمين أكثر من إسقاط الليكود فوراً".
من جانب آخر، تقول الكاتبة والباحثة السياسية الدكتورة تمارا حداد، في حديثها إلى رصيف22: "يمكن قراءة العلاقة بين نتنياهو وبن غفير بأنّها علاقة تحالف اضطراري أكثر من أيّ شراكة سياسية مستقرة، وهي تقوم على توازن هشّ بين الحاجة المتبادلة والصراع الصامت على قيادة اليمين الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، وربما ستكون العلاقة المستقبلية بينهما مرشّحةً لأن تبقى علاقةً تنافسيةً داخل التحالف الواحد، وليس صداماً مباشراً في المدى القريب".
وتضيف: "نتنياهو يحتاج إلى بن غفير لضمان بقاء الائتلاف الحكومي، بينما يحتاج بن غفير إلى نتنياهو كجسر شرعية يمنحه موقعاً داخل مركز القرار. مستقبلاً، في نهاية المطاف، سوف ينتقل بن غفير من دور الحليف الصغير إلى منافس محتمل على قيادة اليمين، وهناك تتحول العلاقة تدريجياً من تبعية سياسية إلى صراع على الوراثة السياسية لليمين المتشدد، وتالياً لن يكون هناك إخضاع لنتنياهو بالمعنى الكامل من قبل بن غفير، ولكن سيكون هناك ابتزاز سياسي لأكثر من سبب، نتيجة هشاشة الائتلاف الحكومي؛ لأن أيّ انسحاب من هذا الائتلاف قد يؤدي إلى سقوط الحكومة وضعف خيارات نتنياهو البديلة إذ لا يملك حلفاء من الوسط واليسار لتعويض اليمين المتطرف".
وتتابع حداد: "يخشى نتنياهو من بن عفير لأسباب مهمة منها سحب قاعدة اليمين الشبابية منه ومن حزبه، لأنّ بن غفير يتحدث بلغة أكثر راديكاليةً وجاذبيةً للجيل الشاب، والمزايدة الأيديولوجية المتطرفة أصبحت تجذب عدداً كبيراً من الجيل الشاب، وأصبح بن غفير يطرح نفسه كرمز للمرحلة القادمة بعد نتنياهو. في المقابل، يدرك نتنياهو خطر خصومه، فهم ليسوا من اليسار بل من اليمين المتطرف، من يمعني أن الصراع يدور حول القاعدة الانتخابية لليمين في إسرائيل".
وتردف: "التحولات الاجتماعية في إسرائيل أصبحت تتمثل في صعود الهوية القومية الدينية وتراجع اليمين التقليدي الليبرالي العلماني لصالح اليمين الديني العقائدي المتطرف، وتالياً تأثّر الشباب بخطاب الأمن والقوة والهيمنة، وبن غفير يمثّل هذا المزاج الجديد أكثر من الليكود الذي أصبح يُنظر إليه كحزب مؤسسة قديمة، وإذا استمرت هذه التوجهات فقد يتحول بن غفير إلى زعيم اليمين القادم خلال عقد من الزمن".
إمكانية ترؤس الحكومة القادمة
وفقاً لمركز تقدّم للدراسات، يوجد تحوّل عميق في الذهنية الإسرائيلية لصالح "الكهانية" السياسية (نسبةً إلى أفكار الحاخام مئير كهانا مؤسس حركة كاخ)، القائمة على كره الفلسطينيين والعرب، وعلى شرعنة فكرة الطرد والتهجير. أهمّ تجلٍّ لهذا التحوّل يتمثّل في صعود بن غفير وتأثيره في السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وليس من المستبعد أن يسعى الأخير إلى رئاسة الحكومة مستقبلاً، اذ يشكّل تنامي قوّته وحزبه دليلاً واضحاً على تصدّع المنظومة الحاكمة في إسرائيل بكل تجلياتها، بعد أن أصبح بممارساته وبشعاراته الأقرب إلى الشارع اليميني، خاصةً في مستوطنات الضفة الغربية.
ضغط بن غفير نحو إقامة مئات "وحدات الاستنفار" في معظم المستوطنات الإسرائيلية وتوفير الأسلحة والتدريب عليها، وتمويل فتية التلال ومجموعات تدفيع الثمن وتصعيد انتقاداته تجاه نتنياهو، من الأسباب التي أكسبته تأييداً شعبياً غير مسبوق
وكان ضغط بن غفير نحو إقامة مئات "وحدات الاستنفار" في معظم المستوطنات الإسرائيلية وتوفير الأسلحة والتدريب عليها، وتمويل فتية التلال ومجموعات تدفيع الثمن وتصعيد انتقاداته تجاه نتنياهو، من الأسباب التي أكسبته تأييداً شعبياً غير مسبوق، وكذلك قوة تأثير لم يكن يتمتع بها من قبل في الحكومة الإسرائيلية، ليصبح وفقاً لتقديرات عدة الوزير الأكثر تأثيراً فيها والصوت الأكثر دمويةً وتطرفاً تجاه الفلسطينيين، ويلحق به وزراء الليكود والأحزاب الدينية سعياً إلى وقف الانزياح بين جمهورهم إلى أقصى اليمين نحو بن غفير وحزبه.
من جانب آخر، يقول الكاتب والمحلل السياسي نزار نزال، في حديثه إلى رصيف22: "المؤشرات لا تشير مطلقاً إلى أنّ بن غفير سيصبح رئيساً للحكومة مستقبلاً. حتى استطلاعات الرأي لا تؤهله ليكون رئيساً للحكومة. من الممكن أن يكون وزيراً في حكومة مقبلة برئاسة نتنياهو، فالمؤشرات واستطلاعات الرأي تشير إلى أنّ التنافس سوف يكون حامي الوطيس والاستقطاب سيكون شديداً جداً في الانتخابات القادمة، فهي انتخابات تاريخية في إسرائيل ولا توجد منطقة رمادية فيها، والجميع حسم أمره إما باتجاه أقصى اليمين ونقصد هنا نتنياهو وحلفاءه، أو باتجاه يمين الوسط أي بينت وحلفاءه، وعلى ما يبدو أنّ هناك تقارباً في الاستطلاعات. أما أن نتحدث بأنّ بن غفير سيكون رئيساً للحكومة فهذا من المستبعد مطلقاً في الانتخابات المقبلة".
ويضيف: "بن غفير يبتزّ نتنياهو في إطار رغبة نتنياهو في بقائه في تحالف معه، ونتنياهو ثعلب السياسية في إسرائيل يستطيع أن يحيّده، علماً بأنّ خطّ بن غفير السياسي لا يبتعد كثيراً عن خطّه، فهو أيضاً يبتزّ العالم ويبتزّ الولايات المتحدة الأمريكية بوجود بن غفير في حكومته. وفي المرحلة القادمة، لو شكّل نتنياهو حكومةً فسيكون بن غفير وزيراً فاعلاً فيها، فنتنياهو وجهة عالمية ووجه دولي، أما بن غفير فيعمل على المستوى المحلي في إسرائيل".
قانون إعدام الأسرى
تقول حداد: "حضور نتنياهو وتصويته لصالح قانون إعدام الأسرى يحمل رسائل سياسيةً عدة منها منع انهيار ائتلافه الحاكم، وعدم ترك بن غفير يحتكر خطاب التشدّد الأمني ورطانة القاعدة اليمنية بأنّ نتنياهو لا يقلّ صرامةً وتشدّداً عن بن غفير، وفي الوقت ذاته قد يتمّ إلغاء القانون قضائياً في المحكمة العليا، والسيناريو هنا أن يسمح نتنياهو بتمرير القانون لإرضاء اليمين ثم تقوم المحكمة العليا بإلغائه، فيظهر نتنياهو أمام المجتمع الدولي بأنّه يحترم سلطة القضاء وأنّ إسرائيل دولة ديمقراطية بينما يتحمّل بن غفير مسؤولية الدفع بالقانون، وبذلك يحقّق نتنياهو مكسبين: الحفاظ على ائتلافه الحاكم، وتجنّب الكلفة القانونية أمام المجتمع الدولي".
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
