معبر رفح… هل تضحّي السلطة الفلسطينية بـ

معبر رفح… هل تضحّي السلطة الفلسطينية بـ"سيادتها" لـ"إنقاذ ما يمكن إنقاذه"؟

رأي نحن والحقوق الأساسية

الخميس 12 فبراير 20266 دقائق للقراءة

النتائج التدميرية لحرب الطوفان التي جرّها تهوّر مغامري حركة حماس على الشعب الفلسطيني، والنتائج التدميرية التي جرّتها إسرائيل على الحياة في قطاع غزة، دفعتا الشعب الفلسطيني للبحث عن أيّ فتاتٍ على موائد العالم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا هو جوهر موقف السلطة الفلسطينية من كل ما يُطرح بخصوص غزة، بدءاً من مجلس السلام، مروراً بلجنة التكنوقراط، وصولاً إلى تشغيل معبر رفح.

السلطة لا تريد أن تظهر معرقلةً لأيّ إمكانيةٍ أو أملٍ في تحسين حياة النازحين في غزة، وهي تقبل بأي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في هذه اللجان والفعاليات على أملٍ أن تتغير الظروف.

السلطة تعرف

تعرف السلطة الفلسطينية أنّ هناك أكثر من 20 ألف جريح، من بينهم آلاف ممن بُترت أطرافهم، بالإضافة إلى آلاف المرضى، خاصةً مرضى السرطان الذين يحتاجون بصورةٍ ماسةٍ إلى تدخّلاتٍ جراحية وعلاجية غير متوافرة في مشافي قطاع غزة، التي دُمّرت بالكامل، والتي رفوف صيدلياتها خالية من 70% من قائمة الأدوية الأساسية والمهمات الطبية ومواد المختبر.

برغم تواجد السلطة الفلسطينية والأوروبيين، إلا أنّ حركة المعبر تعمل تحت رقابة أمنية إسرائيلية مشدّدة ومباشرة، تتحكم فيها إسرائيل في قوائم المغادرين والقادمين، وتقوم بإجراء فحص أمني للداخلين والخارجين عبر ممرّ خاص

كما تعرف السلطة أنّ آلاف الطلاب يتكدّسون في قطاع غزة، بعد أن أنهوا الدراسة الثانوية، ويطمحون للسفر إلى الجامعات العربية والأجنبية لاستكمال تحصيلهم العلمي، بالإضافة إلى آلاف العائلات التي انقطعت عن أقاربها بسبب ظروف الحرب وإغلاق معبر رفح منذ أيار/ مايو 2024، بعد أن احتلت القوات الإسرائيلية المعبر وأغلقته.

في شباط/ فبراير 2026، بدأ تشغيلٌ تجريبيٌّ ومحدودٌ لمعبر رفح بتنسيقٍ أمنيٍّ إسرائيلي-مصري ووجود أطراف أوروبية، حيث عادت طواقم السلطة الفلسطينية للعمل جزئياً تحت رقابة إسرائيلية مشدّدة، وذلك بعد سيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني منذ أيار/ مايو 2024، مع اقتصار الحركة على أعداد قليلة من المرضى والعالقين. وبحسب بياناتٍ مجمّعة، بلغ إجمالي عدد المصابين الذين دخلوا مصر حتى يوم الإثنين 9 شباط/ فبراير 2026 فقط 53 مصاباً، يرافقهم 89 مرافقاً، جرى توزيعهم على عدد من المستشفيات والمنشآت الطبية في عدد من المحافظات المصرية.

في سياق تشغيل المعبر، وبالتزامن مع وجود بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية (EUBAM)، أعادت السلطة الفلسطينية 70 موظفاً من عناصرها، من بينهم 11 من الهيئة العامة للشؤون المدنية، والباقي من مختلف الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

برغم تواجد السلطة الفلسطينية والأوروبيين، إلا أنّ حركة المعبر تعمل تحت رقابة أمنية إسرائيلية مشدّدة ومباشرة، تتحكم فيها إسرائيل في قوائم المغادرين والقادمين، وتقوم بإجراء فحص أمني للداخلين والخارجين عبر ممرّ خاص.

هكذا، وبسبب ظروف قطاع غزة، قبلت السلطة الفلسطينية العمل تحت هذه الشروط المعقدة، حيث يتمّ فحص العائدين عبر مصر من خلال السلطة الفلسطينية أوّلاً، ثم تخضع القوائم للموافقة الإسرائيلية، مع العلم أنّ إسرائيل رفضت أي دور لحركة حماس على المعبر، وأعلنت أنها ستسمح بمرورٍ محدودٍ للأفراد (نحو 100-150 شخصاً يومياً).

في المجمل، لا تشكّل عودة السلطة حالياً استلاماً كاملاً للمعبر، بل هي عودة إدارية محدودة ترتكز في الأساس على اتفاقية المعابر في 2005، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية فرضتها إسرائيل بعد سيطرتها على المعبر.

باختصار، هناك صراع واضح بين الرغبة الفلسطينية في التواجد على المعبر وتشغيله، وبين السيطرة الفعلية لإسرائيل على المعبر، التي لا تترك وسيلة إلا وتستخدمها من أجل تفريغ محتوى تواجد السلطة على معبر رفح. أخيراً، وليس آخر المطاف، أوعز نتنياهو، حسب "يديعوت أحرونوت"، باستبدال ختم دولة فلسطين على جوازات سفر الغزّيين!

بين الرغبة والواقع

إذاً، يمكن تلخيص موقف السلطة الفلسطينية بالتالي:
التمسك بالمرجعية القانونية (2005)، إذ تصرّ السلطة على أنّ إدارة المعبر يجب أن تكون فلسطينيةً خالصةً (للسلطة)، وبإشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، وذلك لضمان عمله كمنفذ سيادي بعيداً عن السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

قضية معبر رفح ليست معزولةً عمّا يُعرف باليوم التالي لغزة، بل هي مرتبطةٌ به ارتباطاً شديداً... فهل تبقى غزة جزءاً من الأرض والدولة الفلسطينية، أو أنّ هناك مشروعاً سياسياً آخر لها ولأهلها؟

وترفض السلطة وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر، وتعدّ الإدارة الإسرائيلية للمعبر منذ أيار/ مايو 2024 إغلاقاً غير قانوني يفاقم الكارثة الإنسانية.

تحاول السلطة أن تضغط وتستفيد من دعم الوسطاء الدوليين للعودة لإدارة المعبر ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بعد أن عرقلت إسرائيل مشاركتها الفعلية وحاولت حصر دورها في ختم الجوازات دون صلاحيات أمنية أو تشغيلية.

يتوافق موقف السلطة مع الموقف المصري الذي يرفض المعابر البديلة (مثل معبر كرم أبو سالم)، ويتمسك بفتح معبر رفح وفق الآليات الدولية لضمان حركة الأفراد والبضائع.

وتواجه السلطة تحديات في تنفيذ عودتها بسبب شروط نتنياهو، الذي حاول فرض إدارة أمنية إسرائيلية وموافقة مسبقة على المسافرين، وهو ما عدّته السلطة محاولةً لإفراغ المعبر من مضمونه السيادي.

في المجمل، تعدّ السلطة الفلسطينية عودتها إلى معبر رفح خطوةً حيويةً لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على حياة سكان غزّة، ولتثبيت حضورها كجهة رسمية مسؤولة.

باختصار، هناك صراع بين رغبة السلطة ومحاولاتها السيطرة على معبر رفح، وواقع معبر رفح الذي تسيطر عليه وتديره إسرائيل.

قضية معبر رفح ليست معزولةً عمّا يُعرف باليوم التالي لغزة، بل هي مرتبطةٌ به ارتباطاً شديداً: هل تبقى غزة جزءاً من الأرض والدولة الفلسطينية، أو أنّ هناك مشروعاً سياسياً آخر لها ولأهلها؟

والسؤال الأهم: هل يبقى أهل غزة على أرضهم أو أنّ مشاريع التهجير ما زالت قائمةً؟

إن لم تستجب حماس للشروط الأمريكية الإسرائيلية بسحب سلاحها، والتنحي كاملاً عن الحكم، فإنّ ما ينتظر غزة ليس فقط مواصلة إسرائيل التحكم في فتح معبر رفح وإغلاقه، بل قد تتعرّض غزة لحروب جديدة هي في غنى عنها.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image