تقع الحرب، كغيرها من الأحداث الحياتية، لتعميق العلاقة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. استمرارٌ لأبسط مقاربةٍ معرفيّةٍ عند الإنسان. هذا هو النموذج الذي يضبط، إلى حدٍّ كبير، الصدى الذي يُسمع على ألسنة اللبنانيّين، في ملعب السياسة والحياة اليوميّة. اجترارٌ لا ينتهي للطروحات نفسها: الاتهامات نفسها، التبريرات نفسها، واللغة نفسها، بين أطراف الرأي العامّ والسياسيّين.
قد يترتّب عن تكثيف هذا الصدى تكثيفٌ للتفكير، برغم عبثية هذه الجملة. فخاصيّة التفكير أنّه يأتي من الطرح الذي سيستخدِم ما عندنا، ليكسر ما عندنا. أن نفكر ضدّ ما نفكر فيه، وأن نعيد النظر في المسلّمات التي تحكم الفضاء السياسيّ.
غير أنّ هذا الطرح ليس متوافراً في هذه اللحظة. الشجاعة هنا أن يُطرح هذا الطرح، وهذا ما يجب أن يكون. أمّا ما هو كائن، فصوت الغارات، وصليات الصواريخ، وأعداد القتلى والشهداء.
الحرب ونهايتها
بالعودة إلى الصدى الذي يُسمَع على ألسنة اللبنانيّين، هناك فكرة بديهية قوامها أنّ هذه الحرب، كغيرها من الحروب، ستنتهي يوماً ما. قد تطول، وقد تتّخذ أشكالاً مختلفةً، لكنّها ستنتهي، على الأقل بوتيرتها الآنية.
لا تقتصر ساحة المعركة على المقيمين في لبنان، بل تمتدّ لتنهش أرواح المغتربين. تصبح الحرب في الغربة تصيُّداً مهووساً للأخبار، ورعباً مزمناً من رنين الهاتف الذي قد يحمل فاجعةً
من هنا، يُطرَح سؤالٌ آخر: ما الغاية من هذه الحرب بالتحديد؟ والأجوبة على قدر أعداد المتسائلين، ومواقفهم السياسيّة.
واحدٌ من أبواب الإجابة، باب الكرامة. أعرض الأبواب! بابٌ ممهورٌ بالصدأ والأنين والالتباس. إذ تعني الكرامة الشروط التي تمكِّن إنساناً ما من الحصول على وسائل تضمن له عيشه، على الأقل، من غير تهديدٍ مستمر لحياته جرّاء أيّ عاملٍ من العوامل المادية وغيرها، وأن يملك الوسائل التي تضمن له استمرارية هذه الحالة. بذلك تصبح الكرامة مفهوماً آنيَّ المدى. إلّا أنّ هذا التعريف تتغيّر وجهته، بدخول العامل الديني وعلم الأخرويَّات عليه، ممّا يُخرِج الكرامة من آنيَّتها. وهذا الفرق بين الآنيّ والغيبي أكل عليه الدهر، وشبعَت منه المقالات والسجالات، استناداً إلى أنّ النهاية لا يمكنها أن تبرّر اللحظة الآنيَّة.
وما يعقّد الإجابة أكثر، ويلات الحرب. فهذه الأخيرة، ولو كانت جزءاً من مسار التاريخ بما هو المنصّة التي تظهر عبرها الغايات، لا يمكن أن تتحوّل إلى ضرورةٍ أخلاقيّة. فحين نقول إنّ الحرب ضرورة، أو إنّها وسيلةٌ لتحقيق غايةٍ ما، نمنح الويلات وظيفةً تاريخيّةً وسياسيّة. عندها، يصبح من الصعب الكلام عن مفهوم الكرامة من غير أن يكون مفهوماً متناقضاً في ذاته.
نعم، هذا طرح ذو منطق أخلاقوي مفرط. لكن لا بأس به، لمواجهة قذائف الطائرات ومآسي مصّاصي الدماء في منطقتنا.
هناك سبيل آخر للخروج من هذا المأزق، وهو اعتماد نسبيّة مفهوم الكرامة. فلا تعود مبدأ ثابتاً، أو مبدأ مشتركاً، ولا تعود قادرةً على أن تكون صلة انتماء بين أبناء مجتمعٍ بعينه.
فسواء باختيار سيادة منطق الغايات، أو بتبلبل مفهوم الكرامة، تتفجّر نهايات الحروب من داخلها.
الحرب والآنيّ
أمّا الآني، فيفرض طرائق متنوّعةً لاستيعاب الحرب، منها أوجه الشبه. وهذه واحدة من قدرات الإنسان على التآلف مع ما يبدو غير قابل للاستيعاب. ولا عجب أن تكون للحرب آلهة قديمة، من شدّة هولها.
فماذا تشبه الحرب إذاً؟
أبئرٌ لا تنتهي، حتّى إذا انتهت تركت أثرها في أعماق النفس؟ أو هي اللحظة التي يفقد فيها الإنسان السيطرة على حياته، فيتغيّر مسارها فجأةً دون إنذار؟ أو هي حالة من الأدرينالين الجماعي، حيث تتكثّف المشاعر وتشتدّ المخاطر وتصبح الحياة أكثر حدّةً؟ أو هي عدسة مكبّرة للأزمة؛ لا تخلق الأزمات فحسب، بل تضخّم ما كان موجوداً أصلاً، فتُسرِّع النار وتزيد اشتعالها؟
ما يحدث اليوم قد لا يكون مجرد حربٍ إقليميّة، بل بروفة لمستقبل البشريّة جمعاء. تخبرنا حروب القرن الحادي والعشرين، المدجّجة بالذكاء الاصطناعيّ وجيوش الإبادة الجماعيّة، أنّ التهجير والخراب قد يصبحان الشرط العالمي القادم
طريقة أخرى من طرائق التشبيه والتآلف هي التوقُّع. فكما يحتوي التشبيه الحرب في اللغة، يحتويها التوقّع على المستوى النفسي العملي. أن تتوقّع ما الذي سيجري بناءً على الخبرات السابقة، أو أن تشجّع فريقاً وتنتظر منه النصر مهما جرى.
ولا تقتصر ساحة المعركة على المقيمين في لبنان، بل تمتدّ لتنهش أرواح المغتربين. تصبح الحرب في الغربة تصيُّداً مهووساً للأخبار، ورعباً مزمناً من رنين الهاتف الذي قد يحمل فاجعةً.
يصبح القلق وجوديّاً. يلتهم الذكريات ويهدّد بمحوها في غمضة عين، ويقطع أواصر الانتماء بتسارعٍ أكبر.
الحرب هي الغاصب الذي يأخذ اليومي، واللبنانيّ لديه طريقته في التعايش والتعاطي معها: استكمال الحياة برغم الحرب، بتضامنٍ أو من دونه.
وما يزيد من ثقل هذه المعضلة هو الشعور المرعب بأنّ ما يحدث اليوم قد لا يكون مجرد حربٍ إقليميّة، بل بروفة لمستقبل البشريّة جمعاء. تخبرنا حروب القرن الحادي والعشرين، المدجّجة بالذكاء الاصطناعيّ وجيوش الإبادة الجماعيّة، أنّ التهجير والخراب قد يصبحان الشرط العالمي القادم.
أضف إلى ذلك اعتبار الحرب هذه حرباً وجوديّةً للنظام الإيراني، أو للكيان الإسرائيليّ الاستيطاني التوسعي. وجودية! كلمة كبيرة.
ففي معارك "الوجود" المزعومة هذه، تتمّ التضحيّة بحاضرنا من أجل تاريخٍ لن يُكتب إلّا على جثثنا.
الحرب والهباء
يمضي الشهر الأوّل على الحرب بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكيان الاحتلال الإسرائيلي، وإيران. يمضي هنا فعلٌ مضارع، للدلالة على أنّ شهر الحرب لم يقف ولم ينتهِ. في البحث الذي يمكن أن يُقدَّم في مثل هذه الحروب، يُطرَح سؤال صوابية أيّ حربٍ من الحروب. وفي مقياس الإنسانية الطوباوية، لا صوابية للحروب بأي شكلٍ من الأشكال.
مع ذلك، حقيقة واحدة لا يمكن القفز فوقها، صاغها محمود درويش يوماً في قصيدة بيروت:
"الحربُ: تهدمُ مسرحيتنا لنلعب دون نصٍّ أو كتاب
والحربُ: ذاكرةُ البدائيّين والمتحضرين
والحربُ: أوّلها دماء
والحربُ: آخرها هواء
والحربُ: تثقب ظلّنا لتمرّ من بابٍ لباب".
بين "بيت" درويش هذا وبيتنا المدمَّر اليوم، الحرب أوّلها هباء وآخرها. علّ من هذا الهباء، يخرج شيء يستحقّ الحياة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
