لحظة صمت إلهية لمست قلبي حين جلست وحيدة أمام شروق شمس نويبع في مشهد أشبه بولادة الحياة على مهل، وكأن قلبي اهتدى معها لمعنى جديد من معاني السلام.

عشت سنوات أظن أن التدين يُكتسب من المساجد والخطب والكتب فقط، لكن هنا وجدته وشعرت به، في نسمة هواء، ولحظة صفاء أمام المياه اللامعة، واحتضانها للجبال بقوتها المهيبة، لأُدرك فجأة أن الله لا يُبحث عنه في الكلمات المكتوبة، بل يُستشعر في كل لحظة صمت، وينبع من داخلنا نحن أما مهابة الطبيعة وتأملها.
لحظات تقديس الإله في صمت الكون
هُنا، شعرتُ بأن روحي التي أرهقها تسارع المدينة بدأت تنبت من جديد، فلم يخطر ببالي لحظة قبل السفر أن نويبع ستحمل كل هذا السلام لقلبي، أو أن لحظة واحدة سيكون لها تأثير السحر على روحي.
ففي الصباح يتحول الشروق إلى طقس مقدس يمارسه الجميع، بصمت كامل، في لحظة صافية كأنها صلاة بلا كلمات.
أناس من كل الجنسيات توحدهم لغة خاصة، وهي الوقوع في غرام الطبيعة، وتأمل لحظات سلامها الخاص، في الشروق والغروب يومياً.
قبل أن يظهر النور، يخرج كل شخص من غرفته ويجلس أمام المياه منتظراً الولادة الجديد للشمس، ثم الغرق في سحر تفاصيل بعثها للحياة، وانعكاس أشعتها الحانية على موجات مياه متراقصة مُدللة كما لو كانت فتاة عشرينية تزهو بجمالها.

وأنا مثلهم افترش يومياً وسادة صغيرة على البحر أمام هذه اللحظة المقدسة، واتسائل كيف خُلق كل هذا الجمال البديع؛ كم مبهراً هذا الكون، حيث لا يمكن وصفه بالكلمات، وكأن عيني تكتشف الألوان لأول مرة؛ تدرجات برتقالية تذوب في حمرة خجولة، قبل أن يداعب وجهي شعاع ذهبي حانٍ، يتسلل إلى عيني بلطف، وكأنه يهمس لي: "أنت أيضاً تستطيعين الولادة من جديد كما أتجدد أنا يومياً".
تجدون الله يظهر في كل التفاصيل، كلما نظرتم حولكم ترونه جلياً، جلال الجبال تخبركم بأن لهذا الكون خالقاً جباراً، وانسيابية الماء تهمس لكم بأن رحمته تسع كل شيء. في هذه اللحظة، تصبح قدسية التأمل هي صلاتكم الوحيدة.
تمرّ سيدة خمسينية من جنسية أجنبية بالقرب مني، تُلقي علي بسمة هادئة مثل الصباح الذي نعيشه معاً، فتزيد من شعوري بمعاني السلام، وتعود معها الأسئلة إلى ذهني حول الفرق بين الإسلام ومعاني السلام التي نشعر بها جميعاً الآن.
وجدتُ التدين هنا في نسمة هواء، ولحظة صفاء أمام المياه اللامعة، لأدرك أن الله لا يُبحث عنه في الكلمات المكتوبة
تمرّ السيدة مبتسمة بمشاعر انتابتها من جمال الطبيعة التي هي من صنع الله، فأتذكر قول الإسلام بأن "تبسمك في وجه أخيك صدقة".
يوماً بعد يوم، شعرت بأن روحي تزهر، وأن قلبي يذكر الله بلا جهد أو نية أو حتى محاولة، لكن الأسئلة لم تهدأ من مراودة عقلي، في مقارنات يومية بين ما نعيشه هنا وسط جنسيات وثقافات وأديان مختلفة، من شعور بالسلام والسكينة، وبين ما يحدثوننا عنه بأوامر ونواهٍ أقرب إلى لغلاظة من التودد.
حتى الأمان هنا مختلف؛ تتركون هواتفكم وحقائبكم في أي مكان، على الشاطئ (غير المراقب بالكاميرات) ثم تعودون بعد ساعات طويلة لتجدونها كما هي، فتشعرون من جديد بجمال معنى الأمانة.
هُنا لا فارق بين بكيني أو بوركيني، لم أشهد أي تكلف أو مقارنات، بل كان القبول لجميع الاختلافات هو المُسيطر على المشهد، في معنى مبهر عن التعايش، وأن يُترك كل شخص وشأنه.

وحين تمر عليّ سيدة بدوية تبيع المشغولات اليدوية في الثانية عشر ظهراً، تحت شمس حارقة، أتعلم منها معنى السعي من جديد، وتستشعر جميع حواسي الإيمانَ بقواعده الحقيقية التي وضعها الله لنا في الأصل للتعايش مع الحياة لا للحرب معها.
لذا حين عدت من نويبع، كنت أكثر تديناً؛ تدين ولد من الإعجاب بخلق الله، ومن هول الشعور بأني هُنا وسط كل هذا الجمال.
حينها فقط اكتشفت أن للدين وجهاً آخر، بعيداً عن قائمة الأوامر والنواهي، قائماً على تدفق إحساس داخلي صاف، فشعرت معه بالمحبة والسلام.
أحدهم وقع في غرام الصلاة تحت النجوم
عن كسر القوالب الدينية المعتادة التي استغلها كثيرون فاصبحت تُنفر أكثر مما تجذب، انتقلنا إلى تجارب عديدة وسرنا نسأل بين المسافرين، هل شعر أحدهم بمثل ما شعرت به في نويبع، حول المشاعر الإلهية تنتاب الشخص وسط الطبيعة، حين يقع في قصة غرام معها.
حدثني أحمد هلال أحد منظمي رحلات مشاهدة النجوم في صحراء الفيوم، عن رجل اعتاد السفر معهم فقط، لكن ليس لغرض المغامرة والاكتشاف، بل للصلاة فقط، فكان هائماً في الصلاة تحت النجوم بين ظلمة الصحراء، في لحظات من همسات لا يُسمع لها صوت، فكان يرى في الصحراء محراباً كونياً يختلي فيه بنفسه بعيداً عن صخب الحياة، يتجرد من كل مشاعر الدنيا ويقضي الليل مُصلياً حتى الصباح، شاعراً بأنها لحظة لها قدسية خاصة في قلبه وتقربه أكثر من شعوره بوجود الله وسط خلقه البديع.
هنا لا فارق بين بكيني أو بوركيني؛ القبول للجميع هو اللغة الوحيدة، في معنى مبهر عن التعايش
وعن تلاشي المسافة بين الإنسان والله، تقول نوال بكر، إحدى الزائرات، لرصيف22، إن الشعور لا يتوقف فقط على المكان، بل يولد أحياناً من الحالة التي يكون فيها الشخص مختلياً إلى صفاء نفسه. أما سحر تأثير الأماكن الطبيعية على شعور الشخص بالله، فقالت عنه بأنه حلة تجذبنا بطريقة تلقائية لتأمل خلق الله، فنشعر بانبهار فساحة الكون، ونجد ألسنتنا تردد تلقائياً "سبحان الله"، متمعنين في شكل السماء ومشاعرها.
"حسيت بسلام نفسي عمري ما حسيته في أي مكان تاني"؛ هكذا تعبر نوال عن تجربتها الخاصة للوصول إلى تلك الحالة، خلال زيارتها لـ"الشخلوبة"، وهي جزيرة صغيرة تتوسط المياه في محافظة كفر الشيخ المصرية: "بالنسبة لي في هذا المكان كم هائل من السلام النفسي، فكرة أنك تتأمل المدى البعيد الذي لا تصل عينك لنهايته او لمداه وأشكال الطيور وأصواتها مع السماء، شيء ساحر بنفسه، خاصة وقت الغروب".

أما عن التأمل فتراه نوال من أسمى العبادات التي تُرينا بأعيننا عظمة الخالق. هذه الحالة الوجدانية التي تربط الإنسان بما هو أسمى منه، لم تكن مجرد مشاعر عابرة، لكنها كانت جوهر مناقشات فلسفية عديدة تناولتها كتب مثل "مفهوم القداسة " (The Idea Of The Holy)، لرودولف أوتو، مُتحدثاً عن فكرة كيف للطبيعة أن تُثير في الإنسان شعوراً بالرهبة والجلال، وهو جوهر التجربة الدينية قبل أن تصبح نصوصاً وقوانين.
الروحانية الطبيعية والطقوس الشكلية
واحدة من أجرأ المناقشات حول الشعور الروحاني بالإله والطقوس الشكلية، ناقشها وليام جيمس، في كتابه "أنواع التجارب الدينية"، متناولًا فكرة اختلاف "الدين المؤسسي أو الطقوسي" و"الدين الشخصي" الذي ينبع من تجربة فردية مباشرة مع الكون. وخلالها جادل جيمس بأن الطقوس الشكلية، هي "الدرجة الثانية" من الدين، بينما "الدرجة الأولى" هي التجربة المباشرة للفرد في خلوته مع الطبيعة أو التأمل.
وبتناول فكرة التدين كقائمة أوامر مقابل التدين كتجربة وجدانية، تحدث جيمس حول الفارق الجوهري في "الدافع"، لأداء العبادات؛ فهل هي مجرد امتثال خارجي للأوامر الدينية خوفاً أو طمعاً، أم استجابة داخلية بدافع الحب والوعي؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
