من القاعدة إلى القمة… إعادة تأسيس العمل السياسي في العصر الشبكي

من القاعدة إلى القمة… إعادة تأسيس العمل السياسي في العصر الشبكي

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 24 مارس 202615 دقيقة للقراءة

في حوارات معمّقة مع ناشطين ينتمون إلى تيارات مدنية وديمقراطية في كل من السودان والأردن وفلسطين وسوريا، كان موضوع تأسيس الحزب السياسي، أو بالأحرى سؤال الأدوات التنظيمية المناسبة للفعل العام، يطرح نفسه بإلحاح، ولا سيما في البلدان التي تعيش، أو عاشت، مراحل الحروب الأهلية الكارثية، أو خبرت انهيار الدولة، أو واجهت أزمات تمثيل سياسي ممتدة.

وتكشف هذه الحوارات، في أحد مستوياتها العميقة، أن المعضلة لم تعد تتعلّق فقط بضعف الفاعلين السياسيين، أو بطبيعة الأنظمة السلطوية، أو بقسوة الشروط الإقليمية والدولية، بل تتصل أيضاً بأزمة النموذج التنظيمي نفسه، أي بالنموذج الذي لا يزال كثيرون يحاولون من خلاله فهم السياسة وممارستها، على الرغم من أن الشروط الاجتماعية والتقنية والتواصلية التي أنتجته لم تعد قائمة بالمعنى الذي عرفه القرن العشرون.

من خلال مطالعة التجارب السياسية الجديدة، وبما تنطوي عليه من انتماء واضح إلى العصر الرقمي الجارف، يمكن الخروج بخلاصات ضرورية قد تساعد في مغادرة طرائق العمل السياسي القديمة التي لم تعد صالحة لعصرنا، أو لم تعد كافية على الأقل.

تقتضي إعادة بناء العمل السياسي العربي الانتقال من نموذج يرى المجتمع مجرد خزان لـ"تعبئة الجماهير"، إلى نموذج يرى فيه مصدر الشرعية والمعرفة والفاعلية، وتقتضي التحرّر من وهم الحدث الخاطف الذي يبدّل كل شيء دفعة واحدة، لصالح منطق التراكم البطيء

فلم يعد بالإمكان مقاربة العمل السياسي في العالم العربي ضمن الأطر النظرية والتنظيمية التي حكمت القرن العشرين، والتي قامت على افتراضات مركزية تتعلّق بقدرة التنظيمات الهرمية المغلقة على احتكار التمثيل، وتوجيه المجتمع، وإدارة التغيير من الأعلى إلى الأسفل.

وأدت التحوّلات البنيوية في بنية الاتصال، وتدفّق المعلومات، وأنماط التنظيم الاجتماعي، إلى تقويض الأسس التي استندت إليها هذه النماذج، وفرضت انتقالاً تدريجياً نحو أنماط أكثر مرونة وانتشاراً، وأكثر التصاقاً بالمجال الاجتماعي اليومي.

في هذا السياق، يشكّل مفهوم "مجتمع الشبكات" كما طوّره مانويل كاستلز، وجرى تفكيكه نقدياً في أعمال دارين بارني، ولا سيما في كتابهِ "المجتمع الشبكي"، إطاراً تفسيرياً مركزياً لفهم هذا التحوّل. فالمجتمع المعاصر لم يعد قائماً، في جوهره، على التسلسل الهرمي الصلب وحده، بل على شبكات ديناميكية تتشكّل من عُقَد مترابطة، حيث تتحدّد القوة بمدى القدرة على الانتشار داخل هذه الشبكات، والتحكّم في تدفّق المعلومات، وإدارة العلاقات بينها، وإعادة تشكيل الروابط التي تنشأ فيها.

وهنا، لا تعود السلطة حكراً على المركز الرسمي أو الجهاز الحزبي المتماسك، بل تصبح موزَّعة عبر فضاءات متعدّدة، متداخلة، متغيّرة، وقابلة لإعادة التشكيل المستمر.

غير أن هذا التحوّل لا يعني اختفاء السلطة أو تلاشي الهيمنة، بل يعني، على العكس، إعادة إنتاجهما في صيغ أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. فكما يبيّن بارني، فإن الشبكات قد تعزّز أنماطاً جديدة من التفاوت، إذ يتمركز النفوذ لدى الفاعلين القادرين على التحكّم في البنية التحتية للاتصال، أو في منصات التوزيع، أو في الموارد التي تجعل بعض العقد أكثر قدرة من غيرها على التأثير والانتشار.

ويتقاطع هذا التحليل مع أطروحات كلاي شيركي في "ها قد أتى الجميع" (Here Comes Everybody) حول تراجع كلفة بناء التنظيم، ومع مقاربة لانس بنيت وألكسندرا سيغيربرغ في The Logic of Connective Action التي تبرز انتقال الفعل السياسي من نمط "التعبئة المنظّمة" إلى نمط "الفعل التواصلي الشبكي"، حيث تضطلع المبادرات الفردية المتصلة، لا الانضباط المركزي وحده، بدور محوري في إنتاج التأثير العام.

لكن إذا كان هذا التحوّل التقني والتنظيمي يفرض نفسه على الجميع، فالسؤال الأهم عربياً ليس فقط كيف تغيّرت السياسة، بل لماذا تأخّرت نخبنا في إدراك هذا التغيّر، أو أصرت على مقاومته، أو أعادت تأويله من داخل القوالب القديمة ذاتها. وهنا يصبح من الضروري إدخال إحالات نظرية أوسع، تتعلّق بطبيعة السياسة ذاتها، وبالعلاقة بين المجتمع، والتنظيم والسلطة والشرعية.

من جهة أولى، يذكّرنا أنطونيو غرامشي، في تحليله لمسألة الهيمنة، في مؤلَّفه "دفاتر السجن"، بأن السيطرة السياسية لا تقوم على العنف المجرد أو على الإمساك بأجهزة الدولة وحدها، بل على بناء قيادة فكرية وأخلاقية داخل المجتمع.

غير أن القراءة العربية الشائعة لغرامشي، ولا سيما لدى بعض التيارات اليسارية والقومية، انزلقت في كثير من الأحيان إلى تمجيد صورة "المثقف العضوي" بوصفه ناطقاً باسم الكتلة التاريخية، أو مرشداً لها، أو منسقاً لوعيها من موقع فوقي، بدلاً من أن يُفهم في سياق أوسع باعتباره جزءاً من عملية اجتماعية مركبة، يتشكّل فيها الوعي من داخل الصراع الاجتماعي نفسه، لا من خلال وصاية حزبية جاهزة.

وفي حالات عربية كثيرة، اختزل غرامشي إلى شرعنة جديدة لفكرة الطليعة، بينما كان الأجدى استخلاص بعد آخر من عمله، وهو أن الهيمنة لا تُنتج بقرارات فوقية، بل بعمل طويل النفس داخل المجتمع المدني، داخل الحياة اليومية، داخل المدرسة والنقابة والحي والجمعية والمنبر، أي في المساحات التي تتشكل فيها "الحساسية العامة" للناس قبل أن تتجسّد في شكل سياسي مباشر.

ومن جهة ثانية، تمنحنا حنة أرندت، في "في العنف"، مدخلاً بالغ الأهمية لإعادة التفكير في السياسة بوصفها فعلاً عمومياً لا مجرد استيلاء على السلطة. ففي تمييزها بين السلطة والعنف، وبين المجال العام والفعل الأداتي، تشير أرندت إلى أن السلطة الحقيقية لا تُختزل في أدوات القسر، بل تنشأ عندما يجتمع الناس ويفعلون معاً في فضاء مشترك.

بهذا المعنى، فإن السياسة ليست مجرد جهاز قيادة، وليست مجرد تقنية للغلبة، بل هي قدرة البشر على الظهور المشترك، والكلام، والتنظيم، وإنتاج الفضاء العام. وتكتسب هذه الإحالة أهمية خاصة في السياق العربي، لأن كثيراً من التنظيمات تعاملت مع السياسة بوصفها إدارة للصراع على الدولة، لا بوصفها تأسيساً لمجال عمومي تعدّدي. ولذلك كانت النتيجة، في كثير من الأحيان، أن التنظيمات التي رفعت شعارات التحرّر أو التغيير أعادت في داخلها إنتاج بنى سلطوية مغلقة، لا تختلف كثيراً، من حيث الثقافة السياسية العميقة، عن البنى التي ادّعت أنها تناهضها.

في السياق العربي نفسه، تتيح أعمال عزمي بشارة تعميق هذا النقاش على نحو بالغ الأهمية، خصوصاً في ما يتعلّق بالتمييز بين السياسي والسياسوي، وبين الدولة والنظام، وبين المجتمع والجماعة الأهلية والطائفة. فقد أظهر ت، في أكثر من موضع، أن من أزمات المجال العربي الحديثة عجزُه عن إنتاج حياة سياسية حديثة بالمعنى الفعلي، لأن المجال العام غالباً ما يُختزل في ولاءات ما قبل سياسية، أو تبتلعه الدولة السلطانية، أو تستبيحه أيديولوجيات تعتبر نفسها ممثلة للحقيقة أو للأمة أو للجماعة.

ومن هنا، فإن أزمة التنظيم ليست أزمة تقنية فقط، بل هي أيضاً أزمة انتقال غير مكتمل من البنى الأهلية والمغاليق العقائدية إلى فضاء المواطنة، ومن الشرعية التعبوية إلى الشرعية المدنية، ومن الانتماء الهوياتي المغلق إلى الفعل السياسي المفتوح. وهذا بالضبط ما يجعل إعادة تأسيس العمل السياسي العربي مسألة تتصل بإعادة بناء المجال العام، لا بإعادة تدوير النخب وحدها.

وإذا شئنا توسيع الإحالة العربية، أمكن القول إن هذا السؤال يتصل أيضاً بما أثاره محمد عابد الجابري حول بنية "العقل السياسي العربي"، حيث تغلب أنماط البيان والعقيدة والغنيمة على منطق المؤسسة والتداول والمصلحة العامة.

كما يتصل، من زاوية أخرى، بما نبّه إليه عبدالله العروي في نقده للتأخّر التاريخي العربي، حين أشار إلى أن استيراد المفاهيم الحديثة دون شروطها الاجتماعية والتاريخية قد يفضي إلى تبنّي الأشكال دون المضامين. فقد عرف المجال العربي أحزاباً حديثة في اسمها، أيديولوجية في خطابها، لكنها بقيت، في كثير من الأحيان، أسيرة مخيال العصبة أو الحلقة المغلقة أو الجماعة المؤمنة بذاتها، أكثر مما كانت تعبيراً عن مجتمع حديث قادر على تنظيم التعدّد والاختلاف والمشاركة.

في ضوء ذلك، يتحوّل السؤال المركزي في السياسة من: من يقود؟ إلى: كيف تُبنى الشبكات؟ ومن يمتلك القدرة على توسيعها، وربط عقدها، وضبط اتجاهها، وتحويلها من انتشار عابر إلى قدرة اجتماعية متراكمة؟

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن هذا التحوّل يصطدم في السياق العربي بإرث تنظيمي وفكري عميق، يتمثّل في هيمنة نموذج "المثقف القيادي الفوقي" الذي تكرّس داخل الأحزاب العقائدية، ولا سيما الشيوعية والقومية.

وقد تأسّس هذا النموذج على فرضية أن الحزب الطليعي، بوصفه "هيئة أركان الطبقة" أو تجسيداً لإرادة الأمة أو الجماهير، يمتلك وعياً متقدماً يتيح له تمثيل المجتمع أو "نقل الوعي" إليه. وهذه الفرضية أفضت عملياً إلى فصل السياسة عن المجتمع، وتحويلها إلى نشاط نخبوي مغلق، قائم على الوصاية بدل المشاركة، وعلى التربية الحزبية الصارمة بدل التعلّم المتبادل مع الناس.

وقد ارتبط هذا النموذج، في الخبرة العربية، بالسعي الدائم نحو السلطة بوصفها الغاية المركزية والنهائية، سواء عبر القنوات الرسمية عندما تتاح، أو، عند تعذّرها، عبر خيارات صدامية أو انقلابية أو عنفية، كما حصل في السودان منذ الاستقلال عام 1956 في تكرار العلاقة الملتبسة بين الأحزاب والجيش والانقلاب، أو كما ظهر في سوريا حين دفعت انسدادات السياسة، إلى جانب طبيعة النظام نفسه، قطاعات واسعة نحو العسكرة والثورة المسلحة.

المطلوب اليوم ليس مجرد تجديد الخطاب، بل تفكيك نقدي لفكرة "الطليعة المحتكرة للوعي" نفسها، واستبدالها بنموذج يقوم على التمكين المجتمعي، والتراكم القاعدي، والانفتاح التنظيمي، وتوزيع الأدوار، واعتبار المجتمع لا الحزب هو المجال الأول للسياسة

وفي الحالتين، كما في غيرهما، لم تكن المشكلة في شجاعة الفاعلين أو في عدالة بعض المطالب، بل في أن التصوّر الكامن وراء العمل السياسي ظل، في جانب كبير منه، أسير فكرة الحسم من الأعلى، أي الاستيلاء على المركز، أو إسقاطه، أو اقتحامه، بدل بناء بديل اجتماعي بطيء وعميق وقادر على الصمود.

ولعل أحد أوجه العمل السياسي التقليدي في العالم العربي أن "المثقف العضوي"، بالمعنى المبتور أو المؤدلج الذي ساد في الممارسة، اعتاد العمل التنظيمي الفوقي: عضو لجنة مركزية، أو مكتب سياسي، أو هيئة تنفيذية عليا، تؤمّن له مكانة اجتماعية ووجاهة رمزية وظهوراً إعلامياً، فيما تبقى علاقته بالمجتمع محكومة غالباً بمنطق التمثيل الادعائي لا الاندماج اليومي.

وهكذا أصبحت السياسة، لدى قطاعات من النخب، سلماً للتموضع الرمزي أكثر من كونها عملية اجتماعية تراكمية طويلة النفس. وهذا ما يفسّر، في جزء مهم منه، هشاشة كثير من التنظيمات التي بدت، عند اختبارها الفعلي، أقرب إلى شبكات علاقات بين نخب صغيرة منها إلى قوى مجتمعية راسخة.

أظهرت التجارب العربية الممتدة أن هذا التصوّر لم ينتج، في الأغلب، سوى تنظيمات محدودة الامتداد، ضعيفة الجذور الاجتماعية، سريعة الانكشاف أمام الأزمات، ومعرَّضة للانقسام مع كل اختبار جدي. ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد تجديد الخطاب، بل تفكيك نقدي لفكرة "الطليعة المحتكرة للوعي" نفسها، واستبدالها بنموذج يقوم على التمكين المجتمعي، والتراكم القاعدي، والانفتاح التنظيمي، وتوزيع الأدوار، واعتبار المجتمع لا الحزب هو المجال الأول للسياسة.

في هذا الإطار، تكتسب بعض التجارب الدولية دلالة تفسيرية مهمة، ومنها تجربة زهران ممداني في نيويورك التي أظهرت أن بناء قوة سياسية فاعلة يمكن أن ينطلق من قاعدة صغيرة نسبياً، لتتوسّع خلال فترة زمنية محدودة إلى شبكة ميدانية واسعة تضم آلاف المتطوعين، عبر العمل المنهجي داخل الأحياء، والاعتماد على التنظيم القاعدي المباشر، ولا سيما تنظيم طرق الأبواب، وربط القضايا المحلية اليومية بخطاب سياسي أوسع يتجاوز المناسبات الانتخابية إلى بناء علاقة مستمرة مع الناس.

والدلالة الأساسية في هذه التجربة لا تكمن فقط في النجاح العددي أو في القدرة على الحشد، بل في أن التنظيم هنا لم يبدأ من قيادة مركزية متضخّمة تبحث عن جمهور، بل من نواة اجتماعية صغيرة تعلّمت كيف تكبر لأنها التصقت بحاجات الناس وأنتجت ثقةً متراكمةً. وهذا هو جوهر الفعل الشبكي الناجح، أن التوسع لا يتحقّق بقرار فوقي، بل بتكاثر العقد الاجتماعية الحية.

وبالمثل، تعكس تجربة بيتر ماغيار في هنغاريا نمطاً مختلفاً من الفعل الشبكي، حيث استطاع خلال فترة وجيزة نسبياً توظيف الشبكات الاجتماعية والرقمية لكسر احتكار النخب السياسية التقليدية، وخلق دينامية تعبئة واسعة خارج الأطر الحزبية الكلاسيكية.

وما تكشفه هذه التجربة ليس في أن الوسائط الرقمية تكفي بذاتها، بل إن قدرتها تصبح عالية الأثر عندما تُستخدم لإعادة وصل المجال السياسي بالمجتمع، وعندما تمنح الفاعلين الجدد منفذاً إلى الفضاء العام من دون المرور الكامل عبر مؤسسات الوساطة القديمة. وهنا تكمن نقطة منهجية بالغة الأهمية: الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يُفهم بديلاً من العمل الميداني، بل امتداداً له، ومضاعفاً لفاعليته، وأداة لربط الأطراف بالمركز، والمبادرات الصغيرة بالسردية العامة.

غير أن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجارب، ومن الأدبيات النظرية المحيطة بها، يتمثّل في أن التنظيم الشبكي الطويل المدى، القائم على الصبر والتراكم، هو النمط الوحيد القادر على منافسة أنماط القوة التقليدية. فالقوة في المجال السياسي العربي لا تزال موزَّعة، في جزء كبير منها، بين شكلين رئيسيين من السيطرة يصعب مجابهتهما بالخطابة أو بالمبادرات الموسمية.

أولهما المال السياسي، بما يمتلكه من قدرة عالية على شراء الولاءات، والتأثير في الانتخابات، واستقطاب النخب، وتحويل المجال العام إلى سوق نفوذ ومصالح. وثانيهما التنظيمات المغلقة، ولا سيما ذات الطابع الأيديولوجي أو الديني، التي تمتلك بنى قاعدية متماسكة، وموارد مستقرة، وشبكات انتشار تعتمد على مؤسسات قائمة سلفاً، مثل المساجد والجمعيات الدينية والمنابر الأهلية وشبكات الرعاية والخدمة.

وفي مواجهة هذين النمطين، لا يمكن التعويل على المبادرات النخبوية العابرة، ولا على الحملات الخطابية الموسمية، ولا على الانفجارات الاحتجاجية غير المتصلة ببنية تنظيمية قاعدية. ذلك أن المال السياسي يُهزم، في المدى المتوسط والطويل، فقط حين تنشأ في مواجهته شرعية اجتماعية أعمق من الإغراء المالي، وحين توجد شبكات ثقة متبادلة لا يمكن شراؤها بسهولة. كما أن التنظيمات المغلقة لا تنافَس بخطاب أخلاقي مضاد فحسب، بل ببناء شبكات مفتوحة، بطيئة النمو لكنها شديدة الرسوخ، منفتحة على الجميع دون تمييز أو إقصاء متعسف، وقادرة على إنتاج معنى الانتماء والمساندة والخدمة والفاعلية.

ومن هنا، فإن الدرس النظري والعملي معاً هو أن السياسة لا تبدأ من البيان، ولا من القمة، ولا من اسم الحزب الكبير، بل من البنية التحتية الاجتماعية للفعل العام: من الحي، من النقابة، من المجموعة التطوعية، من حملة التضامن المحلية، من اللجنة الخدمية، من فضاء التعلم المشترك، من الأشكال الصغيرة التي تبدو متواضعة لكنها، حين يتصل بعضها ببعض، تصنع المجال السياسي الحقيقي. وهنا يمكن استعادة ما تقوله أرندت عن الفعل المشترك، وما يقوله غرامشي عن بناء الهيمنة داخل المجتمع، وما يطرحه بشارة حول ضرورة قيام المجال السياسي الحديث على المواطنين لا على العصبيات، لكي نفهم أن الانتقال إلى التنظيم الشبكي ليس مجرد تحديث في الوسائل، بل هو تحوّل في فلسفة السياسة نفسها.

هذه ليست دعوة تقنية إلى استخدام الوسائط الرقمية فحسب، ولا هي انبهار ساذج بما يسمى "عصر المنصات"، بل هي دعوة إلى مراجعة جذرية لفهمنا للسياسة، والتنظيم والقيادة والشرعية

بالتالي، تقتضي إعادة بناء العمل السياسي العربي الانتقال من نموذج يرى المجتمع مجرد خزان لـ"تعبئة الجماهير"، إلى نموذج يرى فيه مصدر الشرعية والمعرفة والفاعلية. وتقتضي الانتقال من الحزب بوصفه مركزاً يوزِّع التعليمات و"التعاميم الداخلية"، إلى التنظيم بوصفه شبكة تنسّق وتربط وتيسّر وتراكم. كما تقتضي التحرّر من وهم الحدث الخاطف الذي يبدّل كل شيء دفعة واحدة، لصالح منطق التراكم البطيء الذي قد يبدو أقل جاذبية إعلامياً، لكنه الأكثر قدرة على إنتاج أثر تاريخي وعملي حقيقي.

وعليه، تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن إعادة بناء العمل السياسي العربي تقتضي الانتقال من نموذج المركز القائد إلى نموذج الانتشار الشبكي، ومن النخبة إلى المجتمع، ومن الحدث إلى التراكم. وهذه ليست دعوة تقنية إلى استخدام الوسائط الرقمية فحسب، ولا هي انبهار ساذج بما يسمى "عصر المنصات"، بل هي دعوة إلى مراجعة جذرية لفهمنا للسياسة، والتنظيم والقيادة والشرعية.

والمطلوب ليس فقط أن ننزل من القمة إلى القاعدة، بل أن نعيد تعريف القمة نفسها، لا باعتبارها جهازاً فوق المجتمع، بل باعتبارها محصلة لما يتكون في القاعدة من ثقة وتنظيم وتعاون ومعنى عام.

بهذا المعنى، فإن سؤال المستقبل السياسي العربي لا ينبغي أن يكون: من هو الحزب الذي سيقود؟ ولا من هو الزعيم الذي سيتصدّر؟ بل أي شبكة اجتماعية مفتوحة، صبورة، متراكمة، وعابرة للانقسامات، يمكنها أن تنتج مع الزمن قوة سياسية جديدة، أكثر رسوخاً من المال، وأكثر رحابة من التنظيم العقائدي المغلق، وأكثر قدرة على تمثيل المجتمع من النخب التي اعتادت الكلام باسمه؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile