نادراً ما تبدأ الحروب الكبرى بصرخة مفاجئة أو بقرار عسكري بارد. قبل أن تتقدم الجيوش وتُقرع الطبول، يحدث شيء أعمق وأهدأ: تتبدّل الصور في الأذهان، ويُعاد رسم العالم داخل خيال الشعوب. فالحرب لا تولد في ساحات القتال، بل في المخيّلة الجماعية، حين يُعاد تعريف العدو، وتُستدعى الأساطير، وتُلبس السياسة ثوب القدر. من هذا المنظور، لا تبدو الحروب الصليبية مجرد ردّ عسكري على تمدد إسلامي، ولا صراعاً مباشراً على أرض أو مقدسات، بل ثمرة تراكم طويل لتكوّنِ وعيٍ أوروبي قروسطي نظر إلى العالم عبر عدسة لاهوتية–أسطورية، حيث تتداخل الوقائع بالرموز، ويغدو التاريخ امتداداً للنبوءة، وتتحول السياسة إلى بحث محموم عن الخلاص.
في هذا السياق، لعب المتخيَّل الديني دوراً مركزياً في تحويل القلق إلى عقيدة، والهزيمة إلى انتظار، والعنف إلى واجب مقدس. وكانت أسطورة الكاهن الملك يوحنا التي شاعت في أوروبا زمن الحملات الصليبية من أكثر هذه التمثلات الأسطورية تأثيراً، لأنها كانت فعّالة، أي قادرة على إنتاج وعي، وتوجيه سياسات، وتحريك خرائط، بل والمساهمة في إعادة اكتشاف العالم.
من ملاذكرد إلى كليرمونت… صناعة الخوف وتراكم المعنى
شهد القرن الحادي عشر الميلادي تحولات حاسمة في العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، كان أبرزها معركة ملاذكرد سنة 1071م. لم تكن هذه المعركة، كما يبيّن ستيفن رنسيمان في كتابه "تاريخ الحروب الصليبية" مجرد هزيمة عسكرية للبيزنطيين، بل لحظة انهيار رمزي لمنظومة كاملة من التوازنات. فقد فقدت الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تمثل "السدّ الشرقي" للمسيحية، قلبَها الجغرافي النابض في الأناضول، لتفتح بذلك الطريق أمام فيالق السلاجقة ليصبحوا قوة إقليمية مهيمنة وذات سيادة.

لكن أثر ملاذكرد تجاوز الحسابات العسكرية؛ إذ أعادت تشكيل صورة "الشرق" في المخيّلة اللاتينية. فالشرق لم يعد فضاءً بعيداً أو غامضاً، بل صار مصدر تهديد دائم، يتقدّم بثبات نحو العالم المسيحي. وقد تزامن هذا مع أزمة داخلية في أوروبا الغربية نفسها، حيث كانت المجتمعات الإقطاعية تعيش فائض عنف، وصراعات محلية لا تنتهي، الأمر الذي دفع الكنيسة إلى البحث عن آلية لإعادة توجيه هذا العنف خارج المجال الأوروبي، كما يوضح جوناثان رايلي سميث في كتابه "الحملة الصليبية الأولى".
في هذا السياق، أعيد إحياء حدث سابق زمنياً لكنه بالغ التأثير رمزياً، هو هدم كنيسة القيامة سنة 1009م في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. فمع أن المصادر الإسلامية والغربية المتخصصة تؤكد استثنائية هذا القرار، بل وتشير إلى إعادة بناء الكنيسة لاحقاً، إلا أن الذاكرة اللاتينية تعاملت مع الحدث باعتباره جرحاً مفتوحاً في جسد المسيحية.
الحروب الصليبية لم تنشأ من معركةٍ واحدة، بل من وعيٍ أوروبي تشكّل عبر الخوف والأسطورة ورؤيةٍ دينيةٍ للعالم
هنا يتجلى بوضوح الفرق بين الحدث التاريخي والحدث المُتخيل؛ فالحدث التاريخي محدود بزمنه وسياقه، أما الثاني فيتحول إلى رمز دائم، يُعاد إنتاجه في الوعظ، والكتابات الرهبانية، والذاكرة الجماعية. وقد حلّلت كارول هيلينبراند في كتابها "الحروب الصليبية: منظور إسلامي" كيف شكّلت هذه الرموز مادة أساسية في خطاب التعبئة الصليبية.
من هنا، يمكن القول إن: البابا أوربان الثاني عندما دعا إلى عقد مجمع كليرمونت سنة 1095م -وهو المجمع الذي أعلن الجهاد المقدس المسيحي ضد المسلمين- لم يكن يخاطب جمهوراً محايداً، بل وعياً مُشبَعاً بالخوف والحنين والخلاص. لم يكن الخطاب دعوة سياسية صريحة، بل سردية كبرى تُحوّل التاريخ إلى مسرح للعناية الإلهية، وتجعل الحرب استجابة أخلاقية لا خياراً سياسياً. وهنا يبدأ المتخيل في لعب دوره بوصفه مبرّراً للتاريخ.
الكاهن الملك يوحنا… الأسطورة بوصفها وعداً بالخلاص وتبريراً للتاريخ
تُعدّ أسطورة الكاهن الملك يوحنا (Prester John) واحدة من أكثر الأساطير السياسية–الدينية تأثيراً في المخيّلة الأوروبية في العصور الوسطى، ليس بسبب غرابتها، بل بسبب قدرتها على أداء وظيفة تاريخية واضحة: منح الصراع معنى، والهزيمة أفقاً، والحرب وعداً بالخلاص. فهذه الأسطورة لم تنشأ في فراغ، ولم تُستقبل بوصفها خرافة هامشية، بل جاءت استجابة مباشرة لحالة قلق عميق عاشها الغرب اللاتيني منذ أواخر القرن الحادي عشر.
تعود الصياغة الأشهر للأسطورة إلى منتصف القرن الثاني عشر، مع ما عُرف بـرسالة الكاهن الملك يوحنا، وهي نص غامض زُعم أنه موجّه إلى الإمبراطور البيزنطي أو إلى البابا، ويصف مملكة مسيحية عظيمة في الشرق، يحكمها ملك يجمع بين السلطتين الزمنية والروحية، وتفيض بالثروات والعجائب والعدالة.
يصف النص مملكة "لا يُعرف فيها الكذب، ولا الفقر، ولا الظلم"، حيث "يحكم الملك بوصفه خادماً للمسيح قبل أن يكون سيداً على الناس"، وذلك وفقاً لما يذكره الباحث الأمريكي روبرت سيلفر بيرغ في كتابه "The Realm of Prester John". بحسب سيلفر بيرغ فإن هذه الرسالة لم تُقرأ في وقتها بوصفها نصاً أدبياً، بل بوصفها وثيقةَ أمل سياسي ولاهوتي، إذ "لم يكن الأوروبي الوسيط معنياً بالتحقق من صحة رسالة الكاهن يوحنا، بقدر ما كان معنياً بما تعنيه الرسالة نفسياً وروحياً لعالم يشعر بأنه محاصر ومهزوم".
تكمن أهمية هذه الملاحظة في أنها تكشف طبيعة العقل الوسيط: عقل لا يفصل بين الرمز والواقع، ولا بين التاريخ والنبوءة. ما تسبب في تحول الأسطورة إلى صيغة من صيغ الحقيقة، ما دامت قادرة على تفسير العالم ومنح الأحداث معنى.
بشكل عام، أدّت أسطورة الكاهن الملك يوحنا وظيفة سياسية واضحة في سياق الحروب الصليبية. فهي من جهة أكدت أن المسيحية ليست محاصَرة كما يبدو، بل تمتلك حليفاً عظيماً في الشرق، ومن جهة أخرى أعادت رسم خريطة الصراع باعتباره صراعاً كونياً متعدد الجبهات. ويذهب نورمان كوهن في كتابه "The Pursuit of the Millennium" إلى أن هذه الأساطير الخلاصية لعبت دوراً حاسماً في تعبئة الجماهير، لأنها "حوّلت التاريخ إلى دراما خلاصية، وأقنعت الناس بأنهم يعيشون في لحظة فاصلة من مخطط إلهي أكبر".
من جهة أخرى، استفادت الأسطورة من المعرفة الأوروبية المشوشة بالمسيحية الشرقية، ولا سيما النسطورية (مذهب مسيحي قديم يُنسب إلى نسطور، شدّد على التمييز بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية للمسيح). فوجود جماعات مسيحية في آسيا الوسطى والهند والصين، أُعيد تفسيره داخل المخيال اللاتيني باعتباره دليلاً على وجود مملكة يوحنا.
الأخطر من ذلك أن الأسطورة قدّمت نموذجاً مثالياً للسلطة، في مقابل واقع أوروبي مأزوم بالصراع بين الملوك والبابوية (نظام وسلطة الكنيسة الكاثوليكية في روما بقيادة البابا). فالكاهن الملك يوحنا كان ملكاً بلا فساد، وكاهناً بلا تسييس، وسلطة بلا انقسام. ولهذا، يرى جوناثان رايلي سميث في كتابه سابق الذكر أن الأسطورة لم تكن موجّهة فقط ضد "الآخر المسلم"، بل كانت أيضاً نقداً غير مباشر للواقع الأوروبي نفسه، ومحاولة تخيّلية لتجاوز أزماته البنيوية.
بهذا المعنى، لم تكن أسطورة الكاهن الملك يوحنا مجرد حكاية عن شرق غامض، بل أداة لإعادة تنظيم الوعي التاريخي. فقد منحت الحرب الصليبية أفقاً أبعد من القدس، وربطتها بسردية خلاصية طويلة المدى، وأقنعت أجيالاً متعاقبة بأن التاريخ يسير، رغم الإخفاقات، في الاتجاه الصحيح.
من الأسطورة إلى الجغرافيا… البحث عن الكاهن الملك يوحنا وصناعة العالم
إذا كانت أسطورة الكاهن الملك يوحنا قد أدّت وظيفة نفسية ولاهوتية في الوعي الأوروبي الوسيط، فإن خطورتها التاريخية الحقيقية تتجلى حين ننتقل من مستوى التمثّل إلى مستوى الفعل. فهذه الأسطورة لم تبقَ حبيسة النصوص والوعظ والخطابات الكنسية، بل تحوّلت تدريجياً إلى محرّك فعلي للسياسة الخارجية الأوروبية، وإلى إطار تفسيري وجّه البعثات الدبلوماسية، بل وأسهم في إعادة رسم الخريطة الجغرافية للعالم.

منذ القرن الثالث عشر الميلادي، دخلت أوروبا مرحلة جديدة من التفاعل مع الشرق، فرضتها التحولات الكبرى التي أحدثها صعود الإمبراطورية المغولية. فقد بدا المغول، في بدايات ظهورهم، قوة كاسحة تضرب قلب العالم الإسلامي، من خراسان إلى بغداد. هذا الحدث الهائل لم يُقرأ أوروبياً بوصفه ظاهرة تاريخية مستقلة، بل أُدرج فوراً داخل المتخيّل الصليبي، حيث جرى التساؤل: هل يكون هؤلاء هم جيش الكاهن الملك يوحنا المنتظر؟
يؤكد بيتر جاكسون في كتابه "The Mongols and the West" أن عدداً كبيراً من الأوروبيين، بما فيهم رجال دين ودبلوماسيون، كانوا مقتنعين بأن المغول يمثلون "قوة مسيحية شرقية ضائعة عن الغرب"، ويضيف أن هذا الاعتقاد "لم يكن هامشياً، بل شائعاً داخل الدوائر البابوية نفسها". وقد ساعد على ذلك وجود عناصر مسيحية نسطورية داخل النخب المغولية، وهو ما أُعيد تفسيره بوصفه دليلاً على صحة الأسطورة، لا مجرد تعقيد ديني داخل مجتمع متعدد العقائد.
تبدأ الحرب في الخيال قبل أن تبدأ في الميدان.
في هذا السياق، ووفقاً لما يذكره الباحث محمود سعيد عمران في كتابه "المغول والأوربيون والصليبيون وقضية القدس"، أرسلت البابوية سلسلة من البعثات الدبلوماسية إلى البلاط المغولي، أبرزها بعثة جيوفاني دا بيان دل كاربيني (1245–1247م)، ثم بعثة وليم الروبروك، وكلاهما لم يكن مجرد رحّالة، بل ممثلاً رسمياً لرهان لاهوتي–سياسي. فالغرب لم يكن يسأل فقط عن نيات المغول، بل كان يبحث عن تحالف سياسي عسكري، يُعيد إحياء الحلم القديم بتطويق العالم الإسلامي من الشرق والغرب معاً.
ورغم أن هذه البعثات انتهت إلى فشل سياسي واضح، إذ لم يتحقق التحالف المنشود، فإن أثرها المعرفي كان بالغ العمق. فقد وسّعت حدود العالم المعروف أوروبياً، وقدّمت وصفاً تفصيلياً لآسيا الوسطى، وأسهمت في تفكيك بعض الصور الأسطورية، دون أن تقضي على الأسطورة ذاتها. وهنا يلاحظ جاكسون أن "فشل الأسطورة في التحقق لم يؤدِّ إلى اختفائها، بل إلى إعادة توطينها جغرافياً".
وبالفعل، ابتداءً من القرن الرابع عشر، بدأت مملكة الكاهن الملك يوحنا تنتقل في المخيّلة الأوروبية من آسيا إلى إفريقيا، وتحديداً إلى الحبشة (إثيوبيا). لم يكن هذا الانتقال اعتباطياً، بل استند إلى وجود مملكة مسيحية حقيقية، ذات تقاليد قديمة، ومعزولة نسبياً عن العالم الإسلامي. وهكذا، جرى إسقاط الأسطورة على واقع جديد، يسمح باستمرارها بوصفها أداة تفسير وأمل. يرى روبرت سيلفر بيرغ أن هذا التحول يعكس مرونة الأسطورة وقدرتها على التكيّف، ويكتب: "لم يكن المهم أين تقع مملكة يوحنا، بقدر ما كان المهم أن تظل موجودة في مكان ما، لأن وجودها كان ضرورة نفسية وتاريخية للوعي الأوروبي".
لم تنشأ الحروب الصليبية من معركةٍ واحدة، بل من وعي أوروبي تشكل عبر الخوف والأسطورة ورؤية دينية للعالم
في هذا الإطار، لعبت البرتغال دوراً محورياً. فالدولة البرتغالية الناشئة في القرن الخامس عشر لم تكن تتحرك بدافع تجاري صرف، بل ضمن رؤية مركّبة تجمع بين الاقتصاد، والدين، والأسطورة. في هذا السياق، كان البحث عن حليف مسيحي في إفريقيا الشرقية أحد الدوافع الخفية وراء التوسع البرتغالي على السواحل الإفريقية.
بلغ هذا المسار ذروته مع الاكتشاف التاريخي لـطريق رأس الرجاء الصالح سنة 1498م على يد فاسكو دا غاما. وغالباً ما يُقدَّم هذا الحدث في كتب التاريخ الحديثة بوصفه انتصاراً للعقل الملاحي والاقتصادي، لكن القراءة المتأنية تكشف أن الاكتشاف كان تتويجاً لمسار طويل من الخيال الجغرافي الديني. فقد كان الهدف المعلن، في الخطابات الرسمية والكنسية، هو الوصول إلى الهند، لكن الهدف الرمزي الأعمق كان الالتفاف على العالم الإسلامي، والاتصال بعالم مسيحي شرقي متخيَّل أو حقيقي.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: أن أسطورة لم يكن لها وجود فعلي مؤكد أسهمت في إنتاج معرفة جغرافية حقيقية، وفي إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، وفي إطلاق موجة الاستعمار الأوروبي لاحقاً. لقد تحوّل الوهم إلى محرّك للتاريخ، وتحولت الرغبة اللاهوتية إلى مشروع كوني. بهذا المعنى، لا يمكن فصل الكشوف الجغرافية عن الإرث الصليبي والمتخيّل الديني. فالبحث عن الكاهن الملك يوحنا لم يكن فصلاً هامشياً في التاريخ الأوروبي، بل كان أحد الجسور التي عبر منها الغرب من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، حاملاً معه إرثاً من الأساطير التي ستُعاد صياغتها لاحقاً بأسماء جديدة، لكن بالوظيفة نفسها: تبرير السيطرة، وإضفاء المعنى على العنف، وتحويل العالم إلى مشروع خلاص أحادي.
من هذا المنطلق يمكن القول إن الحروب الصليبية لم تكن نتاج الوقائع العسكرية والسياسية وحدها، بل ثمرة متخيَّل ديني كثيف أسهم في إعادة تفسير الهزيمة والخوف بوصفهما مقدّمة لخلاص مقدّس. فقد لعبت أسطورة الكاهن الملك يوحنا دوراً محورياً في تشكيل وعي أوروبي انتظاري، منح العنف معنى، وأضفى على التوسّع شرعية أخلاقية ولاهوتية. ويكشف هذا النموذج كيف يمكن للأساطير، حين تتحوّل إلى سرديات جمعية، أن تصنع تاريخاً فعلياً، وتنتج آثاراً سياسية وجغرافية دامية، بما يذكّر بأن أخطر أشكال الصراع تبدأ في الخيال قبل أن تتحقّق على الأرض.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
