الذكاء الاصطناعي في لبنان… هل يُرمِّم دولة متهالكة؟

الذكاء الاصطناعي في لبنان… هل يُرمِّم دولة متهالكة؟

حياة نحن والحقوق الأساسية

الخميس 12 فبراير 20269 دقائق للقراءة

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في التاسع من أيلول/سبتمبر 2025 مشروع قانون إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في خطوة وُصِفَت بأنها تاريخية.

هذه أول وزارة جديدة يُنشئها لبنان منذ عام 1993، وثالث وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم بعد الإمارات وكندا.

تولّى الدكتور كمال شحادة، حقيبة وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وأُحيل المشروع على البرلمان لإكمال مسار إقراره، لكن ما الذي يعنيه هذا القرار؟ وهل يُمثِّل حقاً نقطة تحوّل في مسار بيروت أم أنه مجرّد إضافة شكلية لبنية حكومية متهالكة؟

"التدمير الخلاق"

في نظريات التنمية الاقتصادية، يُعتبر الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار من المحركات الأساسية للنمو المستدام.

يرى الاقتصادي جوزيف شومبيتر أن "التدمير الخلاق" الناتج من الابتكار التكنولوجي هو ما يدفع الاقتصادات نحو الأمام.

على الطبقة السياسية اللبنانية أن تدرك أن الاستثمار في التكنولوجيا يتطلب أفقاً زمنياً طويلاً، وهذا الأفق لا يمكن أن يتحقق في ظل عدم استقرار دائم وتهديدات أمنية مستمرة

كما تُؤكد نظرية النمو الداخلي لروبرت سولو وبول رومر على أن الاستثمار في رأس المال البشري والمعرفة التكنولوجية يُنتج عوائد متزايدة على المدى الطويل، لكن هذه النظريات تفترض وجود شروط أساسية لا غنى عنها: استقرار سياسي وأمني، بنية تحتية فاعلة، مؤسسات قوية، وبيئة اقتصادية مواتية للاستثمار.

في الحالة اللبنانية، السؤال المحوري ليس عن جدوى الذكاء الاصطناعي كأداة تنموية في المطلق، بل عن إمكان تطبيقه في سياق يفتقر إلى هذه الشروط الأساسية.

وفي غياب هذه الشروط، يتحوّل الحديث عن الذكاء الاصطناعي من مشروع تنموي إلى "أمنية طوباوية".

الذكاء الاصطناعي كترتيب سياسي

عندما أعلن لبنان عن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي، لم يكن القرار نتاج مسار إصلاحي متماسك أو وعد استجابة لحاجة اقتصادية مُلحّة من الضروري تلبيتها بسرعة الخوارزميات مثلاً لتعزيز الإنتاجية الخاصة بقطاع زراعي أو صناعي أو خدمي، بقدر ما جاء كجزء من عملية إعادة تدوير رمزية للشرعية السياسية أو بالأحرى القول طموح سياسي.

ففي ظل الانهيار المالي والمؤسساتي المستمر منذ العام 2019، تجد الدولة اللبنانية نفسها مضطرة إلى إنتاج سرديات مستقبلية بديلة، تُستخدم لطمأنة الخارج قبل الداخل بأنها لا تزال "دولة قابلة للحكم" وقادرة على التفكير في ما هو أبعد من إدارة الأزمات اليومية.

إنشاء وزارة تحمل عنواناً تكنولوجياً طموحاً يندرج ضمن هذا الإطار؛ إذ يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كعلامة تحديث، لا كمحصلة لمسار سياسات عامة واقعية.

غير أن الوظيفة الأهم لهذا الإعلان لا تكمن في محتواه التقني، بل في قيمته التفاوضية مع المانحين، فإطلاق شراكة في 27 آب/ أغسطس 2025 مع شركة استشارية ألمانية وهي Roland Berger لتنفيذ استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، ترافق مع حديث رسمي عن استثمارات محتملة تراوح بين 30 و50 مليون دولار خلال عامين، وفق تصريحات وزير الدولة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي اللبناني كمال شحادة في مقابلة مع صحيفة "ذي ناشونال".

هذا الرقم، الذي قُدِّم بوصفه تقديراً حكومياً أوليّاً لا التزاماً تمويلياً مُنجزاً، يكشف بوضوح كيف يُعاد توظيف خطاب التكنولوجيا كأداة لجذب التمويل الخارجي وإعادة تسويق الدولة اللبنانية ضمن أجندات "التحول الرقمي" و"الحوكمة الذكية".

الطاقات البشرية اللبنانية بين الهجرة والاستثمار الضائع

ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها؛ وهي أن لبنان يمتلك رأسمال بشرياً استثنائياً في مجال التكنولوجيا، فأكثر من 10,150 عاملاً ماهراً في قطاع تكنولوجيا المعلومات، وأكثر من 550 شركة في القطاع وفقاً لبيانات المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان، ويوجد صادرات تقنية بلغت 323,8 مليون دولار في 2022.

النساء وحدهن يُشكّلن 27% من القوى العاملة في قطاع التكنولوجيا؛ وهي نسبة تفوق المعدل العالمي البالغ 16%، كما أن 82% من المهندسين ينتمون لفئة الشباب، و46,1% منهم يعملون عن بُعد برغم ضعف البنية التحتية.

لكن ما قيمة هذه الطاقات إن لم تجد بيئة تحتضنها؟ الواقع أن لبنان يشهد منذ عقود نزيف هجرة مستمراً لكفاءاته، تفاقم بشكل كارثي منذ 2019 والواقع الأمني الهشّ، فالمهندسون والباحثون والمبرمجون اللبنانيون يهاجرون بالآلاف إلى دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، حيث يجدون الاستقرار والرواتب المجزية بعدما فقدت العملة الوطنية نحو 90% من قيمتها.

وهذه الهجرة ليست مجرد خسارة كمّية، بل هي تحويل لاستثمارات لبنان التعليمية والمجتمعية إلى دول أخرى تجني ثمار هذا الاستثمار مجاناً.

البنية التحتية: العائق الأكبر

حتى لو افترضنا حسن نية القائمين على مشروع الوزارة الجديد، تبقى هناك عقبة كبرى لا يمكن تجاهلها: البنية التحتية، إذ إن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية، وهو ما يفتقر إليه لبنان.

سرعة الإنترنت الثابت في لبنان تبلغ 9,21 ميغابت في الثانية، وسرعة الإنترنت عبر الهاتف المحمول 30,83 ميغابت في الثانية، وهي أرقام متدنية جداً مقارنة بالمعدلات الإقليمية والعالمية.

هل يمكن للبنان في ظلّ أزمته الاقتصادية والسياسية والأمنية العميقة، أن يبني منظومة ذكاء اصطناعي فاعلة؟

تغطية شبكات الجيل الخامس لا تتجاوز 1%. وضع لبنان في المرتبة 196 عالمياً من أصل 229 دولة في سرعة الإنترنت. الكهرباء مقطوعة معظم ساعات اليوم، ما يعني أن الشركات تعتمد على مولدات خاصة باهظة التكلفة. يوجد في لبنان 3 مراكز بيانات فقط ونقطتا تبادل إنترنت نشطتان. أما أمن الإنترنت في لبنان فيحتل المرتبة 30.44 من أصل 100 في مؤشر الأمن السيبراني العالمي، بحسب تقرير صادر عن SMEX في 29 تموز/ يوليو 2025.

كل هذه العوامل تجعل من المستحيل تقريباً تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونشرها بكفاءة، فكيف يُمكن لشركة ناشئة لبنانية أن تنافس في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إذا كانت تعاني من انقطاعات مستمرة في الكهرباء والإنترنت؟

الفرص المُتاحة… بين الواقعية والطموح

مع كل هذا "التشاؤم"، هل هناك فرص حقيقية للبنان في مجال الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة: نعم، لكن بشروط.

أولاً، على لبنان أن يتخلّى عن محاولة منافسة الدول الكبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية متطورة، مثل تطوير نماذج اللغة الكبيرة أو الحوسبة الفائقة.

بدلاً من ذلك، يمكن للبنان التركيز على تطبيقات محددة ومحلية للذكاء الاصطناعي تُحلّ مشاكل واقعية للمواطنين/ات والشركات، مثل تحسين الخدمات الحكومية، وكشف الفساد، وتحسين الإنتاجية الزراعية، ودعم قطاعات السياحة والتعليم والصحة.

ثانياً، الاستفادة من الكفاءات اللبنانية الموجودة محلياً والمنتشرة في الخارج.

هناك آلاف المبرمجين والباحثين اللبنانيين الذين يعملون في أفضل شركات التكنولوجيا العالمية. يمكن للحكومة بناء جسور تعاون معهم، ليس بالضرورة من خلال إعادتهم إلى لبنان، بل من خلال إشراكهم في مشاريع تطوير بحثية ومهنية عن بُعد.

ثالثاً، الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.

القطاع العام اللبناني ضعيف وبيروقراطي وفاسد، وليس من الواقعي الاعتماد عليه وحده لقيادة التحوّل الرقمي. الشركات الناشئة والجامعات والمنظمات غير الحكومية يمكن أن تضطلع بدور محوري في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونشرها، شريطة توفير بيئة تنظيمية داعمة وتمويل مناسب.

رابعاً، التعلّم من تجارب الدول ذات الموارد المحدودة التي نجحت في بناء منظومات ذكاء اصطناعي فاعلة. فدول مثل إستونيا، استطاعت، رغم صغر حجمها، دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية والتعليم من خلال برامج استراتيجية مثل AI Leap، ما يوضح كيف يمكن للاستراتيجية الواضحة والبنية الرقمية المتاحة أن تحقق نتائج ملموسة، كما يمكن الاستفادة من نموذج تشيلي والمكسيك في أمريكا اللاتينية، حيث تعاونتا في مشروع Latam‑GPT المفتوح المصدر لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي إقليمي يدعم اللغات والسياقات المحلية؛ مما يبيّن أن التعاون الإقليمي يمكن أن يكون حلاً عملياً للدول ذات الموارد المحدودة.

خامساً، والأهم من كل ما سبق: العمل الجاد على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي. بدون هذا الاستقرار، كل الحديث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يبقى "حبراً على ورق".

على الطبقة السياسية اللبنانية أن تدرك أن الاستثمار في التكنولوجيا يتطلب أفقاً زمنياً طويلاً، وهذا الأفق لا يمكن أن يتحقق في ظل عدم استقرار دائم وتهديدات أمنية مستمرة.

لبنان يحتاج اليوم إلى واقعية أكثر من الطموح. يحتاج إلى مشاريع صغيرة قابلة للتطبيق تُحسِّن حياة المواطنين/ات اليومية، بدلاً من خطط كبرى تبقى حبراً على ورق

في المحصلة، قرار إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في لبنان يحمل رمزية سياسية واضحة، لكن ما وراء هذه الرمزية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للبنان في ظلّ أزمته الاقتصادية والسياسية والأمنية العميقة، أن يبني منظومة ذكاء اصطناعي فاعلة؟

الإجابة معقّدة. نعم، لبنان يمتلك طاقات بشرية استثنائية، وقطاعاً خاصاً نشطاً، وتجربة تاريخية في مجال التكنولوجيا، لكن كل هذا لا يكفي في غياب استقرار أمني وسياسي، وبنية تحتية صلبة، وموارد مالية كافية، ورؤية استراتيجية واضحة. والأهم من ذلك، في غياب رؤية تضع المواطن في مركز المشروع، بدلاً من اعتباره مجرد مستهلك سلبي.

لبنان يحتاج اليوم إلى واقعية أكثر من الطموح. يحتاج إلى مشاريع صغيرة قابلة للتطبيق تُحسِّن حياة المواطنين/ات اليومية، بدلاً من خطط كبرى تبقى حبراً على ورق. يحتاج إلى استثمار في التعليم والتدريب المستمر، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات عن "اقتصاد المعرفة". يحتاج إلى محاربة الفساد وبناء مؤسسات فاعلة، بدلاً من إنشاء وزارات جديدة تُضاف إلى بنية بيروقراطية متضخمة أصلاً.

إلى أن تتوافر هذه الشروط، وعلى رأسها الاستقرار الأمني والاقتصادي، قد يبقى الذكاء الاصطناعي في لبنان مجرد وعد بعيد.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image