الخيمة... عنوان بريدي في زمن الإبادة

الخيمة... عنوان بريدي في زمن الإبادة

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 23 فبراير 20266 دقائق للقراءة

صبيحة يوم الرابع من كانون الأول/ ديسمبر 2023، أُطلقت التحذيرات الإسرائيلية لإخلاء مدينة خان يونس من سكانها، لم يكن بوسع الأهالي إلا الفرار مُسرعين للبحث عن النجاة المفقودة.

على امتداد منطقة المواصي غرب المدينة، كنّا على موعدٍ مع النزوح القسري، بالقرب من شاطئ البحر، وعلى قطعة أرض قاحلة توقفت أربعة أعمدة هزيلة تكسوها قطع من القماش والنايلون المُقوّى، وفي داخلها قليلٌ من الأمتعة الشخصية، وبعض المعلبات ومفتاح مُعلّق لا يشبه في تفاصيله مفتاح العودة.

حلقة المعاناة الغزيّة

لاحقاً في الأرض عينها، تكاثرت الخيام بجانب الخيمة التي أقمتها، وتنظمت وتساوت في هياكلها وشكلها حتى غدت تلك القباب البيضاء تسمى مجازاً بـ"المخيم".

أيامٌ قليلة ثم يأتي مندوب الإغاثة، ليكتب على جدار الخيمة رقماً تعريفياً، ثم يسرع ويواصل طريقه ليكمل الرقم التسلسلي.

لم أكن أبحث عن معنى لبيتٍ جديد، لأنني اكتشفت أن بيتي صار رقماً، وأنه بات للخيمة عنوان: عنوان بريدي في زمن الإبادة

في البداية، لم أُعر للأمر أهمية؛ لأن عودتي لمنزلي لن تطول، هكذا توقعت، بَيدَ أن مقولة صديقي أبو أمجد كانت تصدح في أذني طوال الوقت حين قال: "نحن الفلسطينيين مؤقتنا دائم"، وحينها حفظت هذا الرقم جيداً، لحاجتي له في رحلة النزوح الطويل.

من خلف باب القماش، ناداني مندوب المخيم، رقم خيمتك (A14) في الممر الثاني بجانب الخزان الرئيسي، وقال لي: "احفظه جيداً سيلزمك في توزيع المساعدات".

توقفت برهة من الزمن، أستدرك معنى ما قاله، لم أكن أبحث عن معنى لبيتٍ جديد، لأنني اكتشفت أن بيتي صار رقماً، وأنه بات للخيمة عنوان: عنوان بريدي في زمن الإبادة.

لم يكن لديّ ترف الاختيار في أن أطلب عنواناً آخر، فقد يتغيّر هذا العنوان، إذا ما أُعيد ترتيب الخيام أو دهمنا نزوحٌ جديد، أو هبت عاصفة قوية في ليلة شتاء أربعينية تزيل الأوتاد المغروسة.

ما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه هذه اللحظات بمسلسل التغريبة الفلسطينية، لكن بألوان قاتمة، ووقائع متشابهة، ونكبة في عصر الحداثة، وخيمة في زمن الذكاء الاصطناعي!

لم يكن هذا العنوان البريدي للخيمة ترفاً معيشياً، بل حاجة للبقاء ولإيصال الطرود، لكنه حتماً لن يعيد لنا البيوت، ولن يصلح في داخلنا ما انكسر من معنى الاستقرار.

بالنسبة إلينا كفلسطينيين/ات، تُشعرنا الخيمة بما حلّ بنا من نكبة عام 1948، وكثيراً ما ذُكرت في روايات أجدادنا عن تفاصيل المأساة، وحكايا اللجوء والتشتت كرمزٍ للضياع.

واليوم، وبعد ثمانية وسبعين عاماً، يستمر الألم، وتتواصل المعاناة، وتبقى الخيمة علامة الوجع الممتد، الملوّن بشعارات الدول المانحة، والمُبطّن بعذابات النازحين، فتنبض في أحشاء تلك الخيام آلام لا تعبر عنها الكلمات عبر مرّ العصور.

في المعاني المُستدركة للبيت

لم يكن البيت بفكرته التقليدية مجرد حائط وسقف وباب ونوافذ، بل كان وطناً يحمينا وملاذاً يؤوينا. وعلى كل هذه التعقيدات كانت بساطته: جدارٌ يحفظ الصوت، وبابٌ يُغلق متى شئنا، ونافذةٌ تفتح على العالم لا عليه.

في بيتنا القديم، أذكر أننا كنا نعرف بعضنا بأسمائنا، نتميز بسلاسل مفاتيحنا وصورة القلادة المنسدلة منها، كنا نعرف بعضنا بخبط أقدامنا على الدرج.

أما الآن، فلا نعرف بعضنا إلا بأرقام الخيام وأنواعها، فهذا محمد يسكن في خيمة قطرية، وذاك علي يقيم في خيمة إماراتية، وبينهما خالد ينزح في خيمة مصرية، أما على الطرف هناك خيمة جاءت من باكستان يقيم فيها أبو راتب، وعلى الجانب الآخر خيمة تعدت الحدود لتصلنا من الصين، ينزح فيها مالك وعائلته.

بعد ثمانية وسبعين عاماً، يستمر الألم، وتتواصل المعاناة، وتبقى الخيمة علامة الوجع الممتد، الملوّن بشعارات الدول المانحة، والمُبطّن بعذابات النازحين، فتنبض في أحشاء تلك الخيام آلام لا تعبر عنها الكلمات عبر مرّ العصور

أما المحظوظ من الغزيين فهو من امتلك خيمة "القبة"، نعتبرها في غزة بمثابة "الڤيلا" لكونها الأوسع مساحةً والأكثر عزلاً لمياه الأمطار.

مع طول أمد النزوح، غدت الخيام بعناوين نعرفها من بعيد وعلاماتٍ تميزها عن البقية؛ حبل الغسيل المُعلّق أمامها، الملابس المنشورة على جنباتها، خزان المياه المُعاد استصلاحه بعدما اخترقته رصاصات طائشة، لوح الطاقة الشمسية المُهشم بفعل شظايا صاروخ عابر، وبعض من النعناع والزعتر الأخضر المزروع على مدخل الخيمة.

في بيتنا القديم، كان العنوان جزءاً من الحكاية، اسم الشارع واسم الحيّ، رقم المنزل، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا تُذكر في السجلات الرسمية؛ شجرة التين أمام الباب، رائحة زهر الليمون في "الحاكورة"، وأصوات تغريد العصافير على "البرندة"، وصوت بائع "العوقة" يصدح كل صباح.

تفاصيل كثيرة استجدت، وذكريات كثيرة اندثرت بلا عودة، لم يعد يسألني الناس أين تسكن؟ بل أين تنزح؟ وفي أي مخيم تقضي أيام الإبادة ولياليها؟

أما في داخل الخيمة، فلم يتغير شكل البيت وأركانه فقط، بل تغير معناه في أرواحنا، كيف لقطعٍ من القماش أن تُسمى جداراً، وهي أشبه بتلك الروح المنهكة قتلاً وتجويعاً وتشريداً.

أين صوت الجرس؟ منذ متى لم أسمعه، بعض الخيام من حولي استحدثت جرساً جديداً، لم يرق لي صوته النشاز، علبة معدنية بداخلها حبات من الحصى وخيط للاهتزاز.

ليتك يا أبو أمجد لم تخبرني أننا سنعتاد الخيمة، وسنحفظ رقمها، ونتعامل معها كعنوان رسمي.

حياة بلا مفاتيح

منذ عامين وأكثر لم أعد أحمل مفتاحاً في جيبي، فهو لم يعد ضرورياً لخيمة لا يُقفل لها باب، ولا تشعرنا بالأمان ولا حتى الانتماء.

في الخيمة بابٌ صنعته من قطع القماش المهترئة، لا تفصل بين الداخل والخارج، ولا بين العام والخاص، ولا بين ما يُقال وما يجب أن يُكتم، وحين غاب باب المنزل غابت معه الخصوصية.

داخل الخيمة، تسمع كل شيء من حولك من دون أن تسترق السمع: سعال الجيران، وبكاء الأطفال، وخلافات الأزواج، وتمتمات الأحبة، ودعاء الأمهات، وشجاراتٌ تكاد لا تنتهي، حتى رائحة الدخان العربي تتسلل إليك من دون استئذان، تشعرك يقيناً أن الخصوصية ذابت مع حرارة لهيب الصيف في الخيمة، فلم تعد "البيوت أسرار".

منذ عامين وأكثر لم أعد أحمل مفتاحاً في جيبي، فهو لم يعد ضرورياً لخيمة لا يُقفل لها باب، ولا تشعرنا بالأمان ولا حتى الانتماء

مساء كل ليلة، يزداد إدراكي أن أخطر ما فقدته لم يكن السقف وجدرانه، بل تلك الحدود الفاصلة؛ حدود الصوت وحدود الدموع وحدود الذات المثقلة بالهموم.

يسدل الليل ستائر عتمته، فيحمل الغزّي في روحه جبالاً من الحكايات التي تُثقله، يُقلب في ذاكرة هاتفه المحمول عن صور قديمة تزهو بألوان الحياة لا بلون رماد الحرب وركامها.

ومع إشراقة كل صباح، يتساءل ذلك الغزيّ: هل سيُرفع هذا المخيم يوماً ما؟ ومتى ستُزال الأرقام وتُطوى الخيام؟ وهل حقاً سيعود البيت كما كان؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image