في حوار بثته شبكة NPR الأمريكية مع المحلل التشريعي السابق في وزارة العدل، إيلي هونيج، يوم 2 شباط/ فبراير 2026، كشف الرجل عن تناقض فاضح في التصريحات الأمريكية الرسمية. فلا أحد يملك جواباً اليوم عما إذا كان هناك تحقيق جنائي "يجري حالياً" ضد أي شخص مرتبط بقضية الاتجار بالجنس المعروفة باسم "قضية إبستين".
بحسب قوله، فالمدعية العامة السابقة بام بوندي أعادت تغريد طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإجراء تحقيق جنائي، مؤكدة أن المنطقة الجنوبية في نيويورك كُلفت رسمياً بمتابعة النحقيق، وأن الوزارة ستتصرف "بجدية ونزاهة". لكن في المقابل، صرح نائب وزير العدل الأمريكي تود بلانش بـ "عدم وجود تحقيق إضافي جارٍ بشأن إبستين"، مفرقاً ذلك عن جهود الوزارة الأخرى لمكافحة الاتجار بالجنس.
هذا السؤال "هل هناك تحقيق يجري حالياً في جرائم إبستن" هو الأهم لأي تحرك، وهو أساس كل المطالبات الحالية والعدالة القادمة. يليه سؤال "ما مصير المتورطين في هذه الجرائم من أباطرة المال والسياسة المتواجدين خارج الولايات المتحدة الأمريكية أو ممن لا يحملون جنسيتها؟" وهذا ما سيشرحه التقرير.
كان من الممكن أن تتوقف الجريمة في 2008
بغض النظر عن وجود تحقيقات من عدمها، فإبستين ليس المجرم الوحيد، وبحسب القوانين الأمريكية والمواثيق الدولية، ففي قضايا الاتجار بالبشر يعامل "المستفيدون من الجريمة" معاملة التاجر، لذا فنحن غالباً على وشك أن نشهد على موجة جديدة وكبيرة من مواجهة الضحايا من الناجيات والناجين لأصحاب النفوذ والمال. ولعل القضايا التي سترفع على الأشخاص الذين كانوا حول إبستين باتت خلف الباب مع إعلانات مكاتب المحاماة الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية استعدادها وحماسها لتمثيل الضحايا.
يحق لمن ثبت تضرره سواء بشكل مباشر أو غير مباشر طلب التعويض، أما الاتهامات فتشمل كل من شارك في الأمر، حتى أولئك الذين علموا ولم يبلغوا عما يحدث. فالجرائم تتراوح من "التستر"، إلى "الجنس القسري"، سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية أم خارجها
تعود بدايات قضية إبستين إلى نهاية التسعينيات، حين بدأت تظهر شكاوى أفراد تتعلق باستغلال فتيات قاصرات. وفي عام 2005، تحوّلت هذه الشكاوى إلى تحقيق رسمي بعد بلاغ تقدّمت به عائلة فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً حول تعرضها للاعتداء الجنسي في منزل أبستين، مما أدى إلى فتح ملف جنائي في ولاية فلوريدا.
رغم توجيه عشرات التهم الجنائية، انتهت القضية حينها باتفاق إقرار بالذنب عام 2008 ومنح إبستين حصانة فيدرالية واسعة واتفاقية "عدم ملاحقة" مقابل عقوبة مخففة من المدعي العام آنذاك أليكس أكوستا، والذي أصبح وزيراً للعدل في فترة رئاسة ترامب. ومن سوء حظه فقد تسبب الإفراج الأخير عن ملفات إبستين بفتح نقاش واسع حول ما إذا كان قد تم "تمديد الحماية لأطراف ثالثة غير محددة"، وهو ما قد يكون عرقل العدالة وحدّ من سلطة الادعاء. وحتى تساؤلات حول قانونية اتفاقية "عدم الملاحقة" نفسها.
استمرت الدعاوى المدنية الفردية خلال العقد التالي، وانتهى بعضها بتسويات سرية وضخمة، لكن في عام 2019، أُعيد فتح الملف، جنائياً هذه المرة، وعلى المستوى الفيدرالي، واعتُقل إبستين بتهم الاتجار الجنسي بقاصرات، قبل أن يُعلن عن "انتحاره" داخل السجن، مما أنهى الملاحقة الجنائية، لكنه تسبب بموجة واسعة من الدعاوى المدنية من الناجين والناجيات المطالبين بتعويضات من التركة.
من يحق لهم طلب التعويض؟
استناداً إلى القوانين الأمريكية، يحق لمن ثبت تضرره على يد جيفري إبستين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو عبر شبكة الوسطاء والعاملين معه طلب التعويض. وفي حال وفاة الضحية، يمكن لأفراد الأسرة أو الورثة القانونيين التقدم بدعوى مدنية نيابة عنها. كذلك يحق لأي شخص يمكنه إثبات أن أذى لحق به نتيجة تقاعس أو تستر مؤسسات مالية أو رسمية كانت على علم أو كان يفترض بها أن تعلم بالانتهاكات. والقائمة السابقة تشمل بطبيعة الحال كل الفتيات اللواتي أرسلن إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهن قاصرات حتى وإن كن غير أمريكيات.
هناك مساران محتملان للحصول على التعويضات: الأول عبر رفع دعاوى مدنية، والثاني من خلال الانضمام إلى صناديق التعويض التي أُنشئت خصيصًا لهذا الغرض.
أما الاتهامات فتشمل كل من شارك في الاعتداء على القاصرات. والجرائم هنا لا تقتصر على ممارسة الجنس، فقد تشمل حتى أولئك الذين علموا ولم يبلغوا عما يحدث من جريمة منظمة، وهي جرائم تتراوح من "التستر"، إلى "الجنس القسري"، بحسب عمر الضحايا وقتها، وما إذا كانت المحاكمة أو التسوية تتم وفقاً للقوانين الفيدرالية الأمريكية أو القوانين المحلية للولايات.
المسارات القانونية والأموال
تبلغ قيمة الأموال المعلنة والمرصودة للتعويضات 591 مليون دولار أمريكي، هذا إضافة بالطبع إلى التسويات السرية التي تمت بتكتم تام ودون أن تصل إلى الإعلام، وبالفعل تم صرف أكثر من 121 مليون دولار عبر "صندوق تعويض ضحايا إبستين"، كما تم الحصول على 290 مليون دولار من بنك "JPMorgan"، و75 مليون دولار من خلال تسوية مع "Deutsche Bank"، و105 ملايين دولار دفعتها تركة إبستين في "جزر فيرجن" الأميركية حيث كان إبستين يسكن وحيث تمت معظم الجرائم.
يتم التقدم بطلب التعويض عبر مسارين فقط، سواء أكانوا من حملة الجنسية الأمريكية أم لا، نظراً لأن الاختصاص القانوني يقع ضمن نطاق المحاكم المحلية عن الجرائم وقعت على أرض أمريكية.
المسار الأول هو رفع دعوى مدنية أمام المحاكم، وتشمل دعاوى ضد تركة جيفري إبستين، شركائه ومساعديه، والمؤسسات المالية أو الرسمية التي سهّلت أو تجاهلت الجرائم. والقضايا المدنية -والتي تحتاج عبء إثبات أقل من الجنائية- تختلف بأنها تهدف إلى الحصول على تعويض مادي دون فرض عقوبة جنائية، وهذا النوع يصبح في الغالب الخيار الوحيد في حالة موت المتهم كما هو الوضع اليوم، كما أنه يتيح محاكمة الشخصيات المعنوية كالبنوك والمؤسسات.
أما المسار الثاني فهو الانضمام إلى صناديق تعويض أسست لهذا الغرض، مثل صندوق تعويض ضحايا إبستين الذي أُنشئ بعد وفاته، ووفّر آلية غير قضائية للحصول على تعويض مالي دون الدخول في محاكمات طويلة.
وفي الحالتين، سوف تستند هذه القضايا إما إلى قوانين الاتجار بالبشر والاتجار الجنسي بالقاصرات، أو قوانين الاعتداء الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي. أو القانون المدني المتعلق بالمسؤولية التقصيرية كالإهمال، والتواطؤ، والتسهيل والتستر. أو تشريعات فتح النوافذ القانونية (Lookback Windows) التي تسمح برفع دعاوى قديمة سقطت بالتقادم، كما حصل في ولاية نيويورك.
ما معنى العدالة المؤجلة؟
المثال الأوضح على الدعاوى المدنية هو المسار الذي اتخذه مكتبا "Sokolove Law" و"Edwards Henderson" للمحاماة، وهما من أبرز الممثلين للضحايا، إذ برزت إشكالية قانونية كبرى عقب وفاة إبستين في 10 آب/ أغسطس 2019 في سجنه تمثلت في كيفية تمكين ضحاياه من الحصول على تعويضات مدنية عادلة، في ظل انقضاء الدعوى الجنائية بوفاته وتعقيد وضع تركته المالية. هذا الأمر طرح تساؤلاً أخلاقياً تشريعياً حول فائدة العدالة المؤجلة وتواطؤ المؤسسات، وحين يكون للجاني الوقت الكافي للتهرب من أفعاله.
وفق "Edwards Henderson"، قُدّرت قيمة تركة إبستين حين انتحاره بنحو 635 مليون دولار، إلا أن معظم هذه الأصول لم تكن سائلة. كما قام إبستين، قبل وفاته بيومين، بنقل جزء كبير من ثروته إلى صندوق ائتماني لمصلحة شقيقه، عبر وصية مسجلة في جزر فيرجن، ما اعتُبر عائقاً قانونياً مباشراً أمام مطالبات الضحايا بالتعويض.
ورغم ضخامة المبلغ، إلا أن التوقعات تقول بأنه لم يكفي التعويضات، إذ كشفت الملفات الجديدة مجموعات كبيرة من الأدلة التي لم تستخدم بعد حول أشخاص جدد، والتي تشير بوضوح إلى وجود شبكة من الشركاء والمسهلين للجرائم، والمستغلين، مما قد يفتح باباً واسعاً للتعويضات التي سوف تُطلب من أباطرة المال والسياسة في العالم كله، وبعد اليوم لن تكون طلبات التعويض مقتصرة على تركة إبستين.
لكن فيما يخص إبستين تحديداً أُنشئ برنامج تعويض ضحايا إبستين (Epstein Victims’ Compensation Program VCP) بعد وفاته، بهدف وضع آلية مستقلة وسريعة لتمكين الناجين والناجيات من تقديم مطالبات مالية ضد تركته، بدل الانخراط في دعاوى مدنية طويلة ومعقّدة. وبحسب "Edwards Henderson" كان البرنامج طوعياً ومستقلاً عن تركته، وأدارته جهة متخصصة مستقلة في إدارة مطالبات التعويض. كما كان متاحاً لجميع الناجين من الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها إبستين أو سهلها، بغض النظر عن مكان أو زمان وقوعها. والأهم أنه سمح بتقديم مطالبات حتى في الحالات التي كانت ستُرفض قضائياً بسبب تقادم الزمن أو اختلاف الجنسيات.
اشترط البرنامج على المشاركين توقيع تنازل قانوني يمنعهم من رفع دعاوى مستقبلية ضد تركة إبستين أو الأشخاص المرتبطين بشبكته. وتم تقييم كل مطالبة بشكل فردي، اعتماداً على معايير شملت طبيعة الاعتداء ومدّته، عمر الضحية وقت وقوع الانتهاك، حجم الضرر الجسدي والنفسي، صدقية الأدلة والوقائع، وجود أي تسويات سابقة مع إبستين. كما ضُمِنت السرية الكاملة للضحايا، ولم تُسجّل أو تُفرّغ المقابلات التي أُجريت معهم!
وقد تلقّى البرنامج نحو 225 طلباً، اعتُبر 150 منها مؤهلاً، ووافق 92% منهم على التعويضات المعروضة. وبلغ إجمالي التعويضات المصروفة أكثر من 121 مليون دولار، استفاد منها 135 ناجياً وناجية، بينما تراوحت مبالغ التعويض بين مئات آلاف الدولارات وأكثر.
إلا أن هذا المسار الذي يعد بديلاً من التقاضي التقليدي، لا يُلغي الحق النظري في رفع دعاوى مدنية مستقلة لمن لم يشارك فيه. أما أهميته فتكمن في أنها تعكس محاولة البرنامج معالجة فراغ العدالة الجنائية الناتج عن تأجيل ومماطلة المؤسسات الرسمية حتى وفاة المتهم، عبر آلية تعويضية تستند إلى القانون المدني وإدارة التركات. وهي مسارات يُقترح اتباعها بعد الحروب بسنوات طويلة، نتيجة وفاة الجناة.
جرائم وتعويضات جديدة في الملفات الجديدة؟
واليوم، تشير ملفات إبستين إلى مجموعة من الوثائق القانونية، وسجلات المحاكم، وشهادات الشهود، وسجلات الرحلات، والرسائل الإلكترونية، والمواد الإثباتية المتعلقة به وبشركائه، إلى وجود آخرين من الشركاء والمسهلين للجرائم والمستغلين، مما قد يفتح باباً واسعاً للتعويضات التي سوف تُطلب من أباطرة المال والسياسة. فبعد اليوم لن تكون القضايا مقتصرة على تركة إبستين.
ظهور أي اسم في الوثائق لا يعني بالضرورة الإدانة الجنائية. فالأسماء قد تظهر كشهود، أو كمصادر معلومات، أو ضمن الأدلة، مع التأكيد على أن المبدز القانوني يفترض البراءة حتى تثبت الإدانة.
من منظور قانوني، هذه الملفات مهمة لأنها توثق سلوكاً جنائياً مزعوماً، وأشخاصاً محتملين كمساعدين أو شركاء في الجريمة، وفشلاً في النظام سمح بحدوث الانتهاكات لسنوات. وقد حجز كثير من هذه الوثائق سابقاً لحماية هوية الضحايا أو بسبب التقاضي المستمر، مما يجعل كل إفراج جديد حدثاً قانونياً مهماً، لكونها تشمل شهادات موثقة، ومراسلات، وإشارات إلى أشخاص يُزعم أنهم تفاعلوا مع إبستين أثناء فترة نشاطاته الإجرامية.
هنا، يجدر التنبيه بشدة إلى أن ظهور أي اسم في هذه الوثائق لا يعني بالضرورة الإدانة الجنائية. فالأسماء قد تظهر كشهود، أو كمصادر معلومات، أو كدلائل تحقيقية، مع التأكيد على أن المبادئ القانونية تفترض البراءة حتى تثبت الإدانة.
بموجب القانون الفيدرالي الأمريكي، يُعد الاتجار الجنسي بالقصّر جناية كبرى، لا تتطلب إثبات استخدام القوة أو الإكراه. لذا ولأن الملفات توثق أساليب التجنيد، وترتيبات النقل، والمعاملات المالية التي يُزعم أنها صُممت لتسهيل الانتهاكات، فسوف تستند العديد من الدعاوى المدنية الجديدة إليها بموجب قوانين مثل قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر (TVPA)، الذي يتيح للضحايا طلب تعويضات حتى إذا لم يكن من الممكن متابعة المسؤولين جنائياً.
وبحسب القانون نفسه، هناك "دليل على المعرفة والنية" الذي يجبر الادعاء أن يثبت أن أي متواطئ كان على علم بالنشاط غير القانوني وشارك فيه أو ساعد عليه. وهنا بالذات تظهر أهمية السؤال في بداية التقرير، ففي حال كان التحقيق غير قائم حالياً، فهناك مخالفة قانونية كبرى في الإهمال أو التواطؤ.
المقاضاة خارج الولايات المتحدة
قد يؤثر الإفراج عن الملفات على التحقيقات المحلية والدولية. وغالباً ما تعيد سلطات إنفاذ القانون النظر في القضايا المغلقة عند ظهور أدلة أو شهادات جديدة، خصوصاً إذا لم تنتهِ فترة التقادم القانونية. وفي كثير من الدول لا توجد أصلاً فترة تقادم قانونية للجرائم الجنسية ضد القصّر، مما يعني أن بعض الأفراد المذكورين في الملفات قد يواجهون مساءلة جنائية اليوم أو حتى بعد سنوات في دول أخرى. وغالباً سوف تركّز المحاكم المدنية على تهم: الإهمال، والتستر، والفشل في الحماية، والمسؤولية المباشرة أو بالوكالة.
ولأن أنشطة إبستين امتدت عبر عدة دول، فمسائل الاختصاص القضائي الدولي وتسليم المتهمين والتعاون بين الحكومات لمكافحة الاتجار الجنسي عبر الحدود، سوف تبرز قريباً، تحديداً إذا بدأ الضغط يزداد من وكالات إنفاذ القانون الأجنبية على السلطات الأمريكية، وفي حال أظهرت الأدلة الجديدة وقوع جرائم خارج الأراضي الأمريكية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
