في كلّ عام، ومع اقتراب رمضان، أجد نفسي واقفةً أمام بروموهات مسلسلات الموسم الرمضاني بنوعٍ من الترقّب والانجذاب. لا أثق بها تماماً، لكنني أسمح لنفسي أن أُصغي إلى نبرتها الأولى، تلك النبرة التي تجيء -في كثيرٍ من الأحيان- كإيحاءٍ مبكّر بمتعة محتملة.
وفي كلّ مرة أشاهد فيها هذه المقاطع القصيرة، يتقدّم إلى ذاكرتي مولَّف قرأته يوماً لعزّت القمحاوي يحمل عنوان "كتاب الغواية"، فأتذكّر كيف أغواني العنوان وحده، وكيف دفعتني مفردة "الغواية" إلى قراءة الكتاب قبل أن أعرف ما الذي ينتظرني في الداخل.
لم أكن آنذاك قد تصفّحت الفهرس، ولا توقّفت عند سيرة المؤلف، بل اكتفيت بتأمّل تلك الكلمة التي بدت لي كأنثى لغوية تتصدّر الغلاف، تبسط أحرفها بثقةٍ وهدوء، وتدعوني إلى لذّةٍ مفترضة لم أختبرها بعد.
كانت مفردة "الغواية" تمارس فعلها عليّ قبل أن تنكشف محتويات المتن، تلوّح بإمتاعٍ خفيّ، وتضعني في حالة انتظارٍ وتوقٍ إلى المحتوى القادم.
أفترض دائماً بأنّ الشيء ذاته يحدث معي كلّ عام أمام بروموهات مسلسلات رمضان؛ فهي لا تخلو من جماليات غوايةٍ مقصودة، حيثُ تُصاغ بعناية لتكثّف الحكاية في أقلّ من دقيقة، وتضعني أنا وغيري أمام وعدٍ سريعٍ ومغوٍ بما قد يأتي، إذ إنّ لقطةً خاطفةً، أو جملةً فريدةً، أو موسيقى تتصاعد في توقيتٍ محسوب، قد تكون كفيلةً بصناعة انجذاب أوّلي لكلّ من يشاهدها ويتمعّن في تفاصيلها.
مقومات الغواية في بروموهات رمضان
تتجلّى مقوّمات الغواية في بروموهات رمضان في اللحظة الأولى التي تُلقى فيها اللقطة الأكثر احتداماً في واجهة المشهد، والتي قد تتضمن إطلاق نارٍ مباغتاً، أو تهديداً مباشراً، أو اشتباكاً جسدياً يتصاعد فيه الضرب والصراخ.
بروموهات مسلسلات الموسم الرمضاني أكثر من مجرد دعوات للمشاهدة؛ فهي لمحات مليئة بأشكال الغواية التي تُلامس الاهتمامات الشخصية لكلّ مشاهِد، وتهمس له بأن يعيش حكايتها قبل أن تبدأ
فهذه جميعها مشاهد تُقتطع من ذروة السرد وتُعرض منفصلةً عن سياقها، لا لتشرح الحكاية بل لتُغري بها، فالقائمون على صناعة البرومو يختارون المفصل الأكثر توتّراً في الحبكة، واللحظة التي ينكسر فيها البطل أو يتورّط أو يتوعّد، وهذا الاستعراض المتعمّد للحظات الذروة يمنح الدقيقة الواحدة -التي هي مدة البرومو- كثافةً سرديةً مضاعفةً، ويحوّلها إلى وعدٍ مليءٍ بأشكال الاحتمالات التي لا تُفصح عن نفسها كاملةً.
ولا تقف الغواية عند حدود الحدث العنيف أو المنعطف الحاسم، بل تمتدّ إلى عناصر أخرى تُساهم في تشكيل الأثر، منها: حوارات فاتنة تُلقى بنبرةٍ واثقة، أو جمل قصيرة قابلة للاقتباس تُزرع في الذاكرة قبل أن يتضح سياقها.
كما تتكفّل الألوان ببناء الإطار الشعوري العام؛ إذ تتراوح بين عتمة ثقيلة تعكس الحزن والكآبة، أو ألوانٍ خلّابة تنبئ بفرحٍ أو بحياةٍ صاخبة، فتغدو الصورة امتداداً لمزاج الحكاية. أيضاً تشكّل الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من حلقة الإغواء، فتظهر حماسيةً حين يُراد للتوتّر أن يتصاعد، أو هادئةً حين تُرسم ملامح علاقةٍ أو خسارة، وكأنّها تنسج الخيط العاطفي بين المشهد والمتلقّي.
هكذا تتواطأ الصورة والصوت والكلمة على صناعة دقيقةٍ واحدةٍ مكتنزة ومليئة بأشكال الجذب والإغراء قبل أن يبدأ عرض الحلقات الفعلي.
بروموهات رمضانية لافتة
هناك العديد من البروموهات التي لفتتني في هذا الموسم الرمضاني، وكان برومو المسلسل السوري "مطبخ المدينة" أبرزها، حيث يعرض حياةً تنتمي إلى الأحياء الشعبية، ويستعرض علاقات أفرادها بشبكات التسوّل المنظمة. ما أغواني في البرومو قدرته على نقل واقع الهامش الذي يهمني أن أراه، وأستكشف تفاصيل الحياة فيه، وأفهم التفاصيل الصغيرة للصراعات الإنسانية التي تحدث ضمن حدوده.
من البروموهات التي جذبتني نحوها أيضاً برومو مسلسل سوري آخر بعنوان "السوريون الأعداء" وهو مستند إلى رواية تحمل الاسم نفسه لفواز حداد. لفتتني تفصيلات البرومو لأنه أخذني إلى فترة زمنية تُوقظ في داخلي -دائماً- فضولي المعرفي تجاهها وتجاه أحداثها، وهي فترة حكم نظام حافظ الأسد الشمولي لسوريا.
لقطة خاطفة أو جملة فريدة أو موسيقى تتصاعد في توقيتٍ محسوب، قد تكون كفيلةً بصناعة انجذاب أوّلي لكلّ من يشاهدها ويتمعّن في تفاصيلها
أعادتني لقطات البرومو إلى كتاب كنت قد قرأته لماهر شرف الدين، يحمل عنوان "أبي البعثي"، وهو كتاب يروي فيه شرف الدين ملامح الشمولية السياسية التي كانت مفروضةً في عهد نظام حافظ الأسد على الحياة العامة في سوريا، والتي رافقتها ملامح شمولية منزلية فرضها والده المنتمي إلى حزب البعث عليه وعلى أفراد أسرته، فكأنّ البرومو دعاني لمتابعة المسلسل لإعادة رصد تعدّد دوائر العنف الشمولي من النظام إلى العائلة، ومن الرجال إلى النساء، ومن الأكبر إلى الأصغر.
لفتني كذلك برومو المسلسل السوري "مولانا"، لأنّه يعطي ومضات حول التحوّل الجذري الذي يحدث في حياة البطل؛ من إنسان عادي مقموع ومهان إلى شخصية رمزية تحاط بالقداسة بين أتباعها، فكأنّه يجيء لينبّه إلى كيفيات انبعاث الأساطير الدينية المستندة إلى الخرافة وتقديس الأولياء، كما أنّه يحيل إلى التفكّر في العلاقة بين الإيمان والسلطة، ويثير أسئلةً حول أسباب تحوّل الرموز الفردية إلى قوة سلطوية تحتلّ المراتب الأولى في سلّم التراتب الاجتماعي.
برومو آخر لفت انتباهي وجذبني هو برومو المسلسل المصري "صحاب الأرض"، فلقطاته تأتي كأنّها تروي لحظات من واقع حرب الإبادة التي جرت لمدة عامين في غزّة. ذكّرتني قتامة لون البرومو بمسلسل "الاجتياح"، الذي وثّق اجتياح مخيم جنين عام 2002، فقد عمل المسلسل على رصد الفظائع التي ارتكبها الاحتلال إبان عملية "السور الواقي" التي قادها في الضفة الغربية في ذلك العام.
لعلّ أهمية مسلسلات مثل "الاجتياح" أو "صحاب الأرض" تكمن في قدرتها على أن تكون توثيقاً حيّاً لتفاصيل المعاناة الفلسطينية، بعيداً عن الأرقام والإحصاءات الصماء، فهي تسجّل الألم اليومي، والصمود، والخوف، وتأتي كشهادة على حياة الناس في زمن الحروب والحصار والاجتياحات.
تبقى بروموهات مسلسلات الموسم الرمضاني أكثر من مجرد دعوات للمشاهدة؛ فهي لمحات مليئة بأشكال الغواية التي تُلامس الاهتمامات الشخصية لكلّ مشاهِد، وتهمس له بأن يعيش حكايتها قبل أن تبدأ.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
