في صباحٍ خريفيٍ منعش، عاد خالي سعد بصحبته الخبز وإحدى الجرائد الصباحية التي تضجُّ بأخبار الموت والقتل. جلسنا في غرفة جدتي نفطر مجتمعين، وكنت أنا وإخوتي نجلس حول السفرة، وزوجة سعد فاطمة -أو أمي الثانية كما أعتبرها- تعدُّ الشاي.
كان يوماً من أيامنا الجميلة في تلك المدينة العصية على التأويل، والتي تجمع المتناقضات؛ ففيها الطبيعة والتلوث، والهدوء والصخب، والجو المنعش والجو الجحيمي، ومن كل شيء نصيب.
هاتف نوكيا!
بعد لحظاتٍ من تحلقنا حول السفرة، ونحن الأطفال منهمكون في أكل الخبز وشرب الحليب، وجدت جدتي تعدُّ شراب اللبن الرائب وتتحدث عن طعم لبن الإبل واختلافه عن لبن الغنم. أخرج أبي -بعد أبي سعد- من جيب دراعته مغلفاً صغيراً وسلمه لأخي. وسط فضولنا ورغبتنا الملحة في معرفة ما سلمه، ما لبثنا وسط دهشتنا العارمة أن عرفنا أنه هاتفٌ محمول، تماماً كالذي عند الكبار.
طار أخي فرحاً، بل طرنا نحن الصغار جميعاً من الفرحة، لأن أحدنا تمكن من الحصول على شيءٍ خاص بالكبار يومها؛ فهذا انتصارٌ جماعيٌ لنا. ليقص سعد علينا البشرى ويخبر أخي أن هذا الهاتف هو مكافأةٌ له على نجاحه الأول في مدرسته في مسابقة دخول الإعدادية، لتتضاعف الفرحة وتعلو البيت يومها التبريكات والتهانئ والوعود من بقية العائلة بهدايا وحفلة على شرف أخي على هذا الإنجاز الكبير.
بعد لحظاتٍ من تحلقنا حول السفرة، ونحن الأطفال منهمكين في أكل الخبز وشرب الحليب، بدأت جدتي تعدُّ شراب اللبن الرائب وتتحدث عن طعم لبن الإبل واختلافه عن لبن الغنم، حينها أخرج أبي من جيب دراعته مغلفاً صغيراً وسلمه لأخي
كان ذلك اليوم برعاية البهجة والضحكات من بدايته وحتى آخر لحظة فيه، ففي الصباح شاركنا أخي فرحته وحدنا، ولكن ما إن حل الضحى حتى بدأنا نستقبل زيارات لا متناهية من أصدقائه، وأصدقاء أصدقائه. كل منهم يدخل إلى بيتنا، ثم نسمع صرخة يتضح مدى اجتهاد صاحبها في كتمها حتى لا يزعج أهلنا، ولكنه لا يسيطر عليها لهول المفاجأة والانبهار.
لم تكن زيارة هذه الأعداد كلها في ذلك اليوم للتهنئة بالنجاح، بل لأجل تصديق ما سمعوه عن كون صاحبهم الصغير صار يمتلك هاتفاً كما الكبار، وهو ما كانوا أول ما يتأكدون منه يصرخون ويقولون: "تقي الله والله سعدك!"، هذه العبارة التي تحمل في طياتها أصدق انبهار وأعذبه.
لم تتوقف الزيارات حتى آخر ساعة من الليل، وكان مسموحاً للصغار بالبقاء خارج المنزل، ولم يخل البيت من أصدقاء أخي إلا في الوقت الذي احتاج فيه الهاتف إلى الشحن بعد أن لعبوا "الحنش" واستهلكوا البطارية، مما اضطرهم للعب خارج البيت قبل أن يعودوا لاحقاً للعبة واحدة ونغمات معدودة كرروا سماعها طوال اليوم. كانت تلك هي المتعة الخالصة بالنسبة إليهم وقتذاك.
تعامل أخي مع هاتفه ذلك وكأنه قطعة أثرية نادرة؛ إذا فقده فقد خسر أكبر متعة وأعظم مغنم. لذلك كان كثير التحذير من الضغط على هاتفه، أو إسقاطه، أو شدّه بخشونة حتى لا يتعرض للتلف أو الاتساخ.
زمن آخر بطعم آخر
لم يكن هاتف أخي مجرد مكافأة على تفوقه وانتقاله من مرحلة إلى أخرى، بل كان حدثاً زمنياً، ورمزاً للسعادة الصرفة والفرح العارم بالأشياء التي سنعيش في ما بعد في زمن لا يلقي لها بالاً، ومن اللحظات التي تنحتها الذاكرة في كهفها الغائر حتى تحتمي فيها في أيام كهذه.
أيام لا تجيد شيئاً كإجادتها للجري، لدرجة لا يجد فيها الإنسان وقتاً ليعيش بشكل كامل لحظاته الفرحة لكثرة الأحزان، ولا وقتاً ليعيش حزنه لكثرة العبارات المعلبة والضجيج الزائف الذي يحاصره من كل اتجاه، ويصم أذنيه لفرط الثرثرة عن ضرورة الظهور بقوة وتماسك.
تعامل أخي مع هاتفه الأول وكأنه قطعة أثرية نادرة؛ لذلك كان كثير التحذير لأصدقائه من الضغط على هاتفه، أو إسقاطه، أو شدّه بخشونة حتى لا يتعرض للتلف أو الاتساخ.
لا وقت للحزن ولا للانكسار، وتالياً تمر أيامنا بلا طعم، ونعيش لحظاتنا بشكل مبتسر، غير مكتملة، كشرائط فشل المسجل في تشغيلها لتلف "بوليمراتها"، والنتيجة: لا فرح حقيقياً يصنع حالة يوفوريا حميمة، ولا حزن يخلف كآبة حكيمة قادرة على نسج وعي محصن. وما أشد الحصون المسورة بالحزن!
هاتف أخي يومها كان رسالة مبكرة أيضاً لنا جميعاً، بأن الناجح قبلة الجميع، فكيف بالأصدقاء، وأن الفرح الناتج من منجز هو من أكثر الأسباب التي تجعل الجميع يتذكرونك، ويتوافدون عليك. تختلف مآربهم بلا شك، ولكن تتفق رسالة لا وعيهم إليك، فتصيبها بحساسيتك وقدرتك الدائمة على العبور إلى ما سيكون مما هو كائن في اللحظة، وهو ما يتأكد لي حين أغمض عيني وأتساءل بحنين طفلة ذات ظفيرتين ترتدي حذاءً رياضياً: أين كل أولئك الأصدقاء يا أخي؟ أين أولئك الذين شاركونا الأكل واللعب والبيت وخوف الأم وترحيب الجدة عند كل قدوم؟ ولا شك في أنك تتساءل أنت أيضاً في لحظات الحنين العابرة: أين هم وأين الجدة وبقية الأحباب؟
هل تحظى الفتاة بهاتف كالولد؟
هاتف أخي أيضاً كان فرصة ليتعمق شعور التفضيل المتحيز عندي. رغم أن ما حدث لم يكن شخصياً، فقد أدركت أنه كان نظاماً، لأن الذكورة دائماً أولاً.
هذا الشعور الذي بدأ في البيت وتعمق في الشارع لاحقاً، رغم أن أخي كان يستحق هاتفه وكان يستحق الفرح، ببساطة لأنه أخي، ولأنه مجتهد في دراسته ومواظب، ولكن رمزية الهاتف بالنسبة إلي يومها لم تكن عادلة، فهاتفه أخبرني أنه يمكن للكبار السماح لك بالخروج من جيوبهم مبكراً، وإن كان ذلك بشكل رمزي ومن خلال هاتف، ولكن بشرط أن تكون رجلاً، أما أنا كفتاة فكل الوقت سيكون مبكراً للخروج من جيوبهم: "لأننا ببساطة نخاف عليكِ ونخاف منكِ".
والدليل أن هذا الخوف هو الذي جعلني أمتلك هاتفي الأول بعد ثماني سنوات من امتلاك أخي لأول هاتف؛ حين قامت أمي بإعطائي هاتفاً لأنني انتقلت من مدرسة قريبة من البيت إلى مدرسة أبعد، ولا بد لها من الاطمئنان إلى أنني بخير في اللحظات التي لا يسعفها فيها الجهد أو الوقت للتأكد بنفسها من ذلك.
كان هاتفي الأول أيضاً، وللمفارقة، هاتف "نوكيا"، بكاميرا صغيرة مثقوبة الغطاء. وضعت فيه بطاقة ذاكرة بعدما ملأتها بكل الأغاني التي أحبها، وكان قلبي يصدر أصواتاً كدقات طبول إلكترونية في كل مرة كان ينجح الـ"بلوتوث" بنقل أغنية بنجاح من هاتف صديقتي إلى هاتفي.
كنت مدينة للخوف بامتلاكي هاتفي الأول، ومدينة له على العلاقة النوعية التي خلقت بيني وبين ذلك الهاتف، لأنني كنت أشعر دائماً أنه يمكن أن يُؤخذ مني في أي لحظة لسبب أجهله. يمكن أن يتم رسمه في رأس أمي في أية ثانية، وجعلي معنية به هي مسألة وقت خاصة بأمي فقط، وهو سبب وجيه وقابل للتنفيذ في أية لحظة ما دام طرق بال أمي وأقنعها. لذلك كنت أقضي مع ذلك الهاتف كل يوم وكأنه آخر يوم له في محفظتي الصغيرة.
هاتف أخي كان فرصة ليتعمق شعور التحيز عندي. فامتلكت هاتفي الأول بعد ثماني سنوات من امتلاك أخي لأول هاتف؛ حين قامت أمي بإعطائي هاتفاً لأنني انتقلت من مدرسة قريبة من البيت إلى مدرسة أبعد، ولا بد لها من الاطمئنان إلى أنني بخير
هاتف أخي يوثق كذلك مرحلة كاملة بالنسبة إلي على المستوى السياسي والاجتماعي والعائلي. ففي ذلك العام تم تغيير الدستور بعد الإطاحة بالسلطة وقتها إثر انقلاب عسكري عليها، وفي العام ذاته تم الحديث عن رفع سقف المشاركة الشعبية بعد سنوات من القمع.
وعلى المستوى العائلي، اتُفق خلال جلسة فطور صباحية على ضرورة مشاهدة التلفزيون ليلاً في فناء بيتنا ذي الفضاء المفتوح، حتى لا تشتعل رؤوسنا تحت سقف الصالة بسبب مناخ المدينة التي انتقلنا إليها حديثاً، والذي كان بالغ الحرارة صيفاً لدرجة تجعلك وأنت جالس تأكل المرطبات تتخيل أنك تأكلها في الجحيم.
وهنا أيضاً كان الرابط بين كل هذه المجريات هو الخوف. فعلى المستوى السياسي، جاءت إعادة تحديث الدستور خوفاً من انفجار جديد بعد الانقلاب على النظام السابق وقتذاك. وعلى المستوى الاجتماعي، كان هناك الخوف من النخب الفاعلة مدنياً وحقوقياً، وإمكانية تأليبها للشعب على حكومة لم تأتِ من صناديق الاقتراع ولا بالإجماع الشعبي كفيلاً بالتعاطي معها بشكل مختلف.
أما على المستوى العائلي، فكانت الخشية من ذوبان فصوص أدمغتنا التي يترسب فيها الخوف، وهو الذي يطبع أغلب إن لم يكن كل ما تنسجه لنا عقولنا، بخاصة حين يكون هناك طرف آخر في المعادلة غيرنا. وتالياً، حتى مكافأة أخي نفسها على نجاحه تحولت إلى خوف انتكاسة حين لا يجد التشجيع الكافي ويجازى على تفوقه، فيصد عن المذاكرة والتفوق.
لكنه كان خوفاً لذيذاً على الأقل، لأنه كان حقيقياً وصادقاً، وليس مثل خوفنا اليوم، الذي يُغلف ويباع لنا على شكل "مانشيتات" تطمينية تقتل أرواحنا، فلا نعود نفرق بين الخوف والقلق، وبين الطمأنينة المتوافرة أو المفقودة؛ والوهم.
على الأقل في تلك الفترة كانت هناك مساحة، ولو هامشية، تمكننا من فهم خوفنا والتعامل معه بشجاعة، وإن كانت شجاعة خائفة ولكنها واعية، مما يجعلها قادرة على التفاوض مع الخوف دائماً، وحتى إن لم تخرج منتصرة عليه، تخرج على الأقل مدركة لحدود تأثيره عليها.
وبالرغم من ذلك، فنحن مدينون للحياة حتى آخر لحظة لنا في الوجود، أنها منحتنا أوقاتاً بريئة وبطيئة، وسعادتها صرفة وكاملة. مدينون لها أنها منحتنا وقتاً كاملاً للاحتفاء بالأشياء الصغيرة التي لا يُلقى لها بال اليوم، في زمن السيولة والوفرة القاتلة. مدينون لها حتى آخر قطرة نرتشفها من فنجانها الكبير أننا عشنا في فترة يُعطى لكل شيء فيها قيمته، فللفرح قيمته الكاملة، وللحزن قيمته ووقته الكاملين، وللعلاقات والأشياء والأحداث وكل ما نقوم به من أنشطة متعتُه الخاصة به وما يترتب عليه من خوف أيضاً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
