هل نحن أمام نهاية نظام عالمي فاسد؟... قراءة في الفضيحة

هل نحن أمام نهاية نظام عالمي فاسد؟... قراءة في الفضيحة

رأي نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 10 فبراير 20266 دقائق للقراءة

ليس من السهل الكتابة عن الفضائح في زمن تتحوّل فيه كل محاولة للفهم إلى اتهام بالهوس، وكل محاولة لوضع الحدث في سياقه إلى "نظرية مؤامرة". لكن القراءة السياقية ليست إيماناً بخطط شيطانية محكمة، بل هي رفض لفكرة أكثر سذاجةً: ما يحدث أمامنا معزول، أو بريء التوقيت، أو منفصل عمّا يسبقه ويلحقه.

فالتاريخ لا يُقرأ بالأحداث وحدها، بل باللحظة التي يظهر فيها، وبما يُزاح عنه الضوء حين يتقدّم إلى الواجهة. وما يُقال، مثل ما لا يُقال، جزء من المشهد نفسه. لذا، فإنّ السؤال ليس عمّا إذا كانت الفضائح حقيقيةً أو مختلقةً، بل عن وظيفتها: لماذا تظهر الآن؟ ولماذا بهذه الكثافة؟ ولماذا تُستثمر أخلاقياً بهذا الشكل تحديداً؟

في كلّ مرة تنفجر فيها فضيحة كبرى، يعود خطاب مألوف إلى التداول: نحن أمام نهاية نظام عالمي فاسد، أمام لحظة انكشاف كبرى، وأمام بداية عالم جديد. كأنّ سقوط أسماء أو شبكات، مهما بلغ انحطاطها، كفيل وحده بإحداث قطيعة تاريخية، وكأنّ الشرّ كان محصوراً في أفراد لا في بنى، ومعرفتنا به ستقود تلقائياً إلى تجاوزه.

الفضيحة ليست حدثاً طارئاً

لكن هذا التصوّر، برغم إغوائه العاطفي، يتجاهل حقيقةً بسيطةً: الأنظمة لا تسقط لأنها غير أخلاقية، بل لأنها تفشل في إدارة لاأخلاقيّتها بهدوء. وما يُقدَّم غالباً بوصفه لحظة عدالة، يكون في العمق لحظة إعادة ترتيب، لا أكثر.

في هذه المعادلة، يبدو عالمنا العربي حاضراً بوصفه الخلفية الدائمة؛ بينما ينشغل الرأي العام الغربي بفضائح نخبِه، تستمرّ المنطقة في دفع كلفة نظام عالمي لا يتعامل معها بوصفها شريكاً، بل ساحة إدارة أزمات... لماذا؟

ولهذا تحديداً، لا تبدو الفضيحة حدثاً طارئاً، بل لحظة كاشفة لطريقة عمل النظام نفسه. فحين تتقدّم قصة واحدة إلى الواجهة، لا يكون ذلك لأنّ الحقيقة قررت الظهور فجأةً، بل لأنّ ترتيب الاهتمام العام أصبح جزءاً من إدارة المشهد. ما يُضخَّم ليس دائماً الأهم، وما يُهمَّش ليس أقلّ خطورةً، بل أقلّ فائدةً في تلك اللحظة بالتحديد.

الإعلام الحديث لا يعمل فقط بوصفه ناقلاً للأحداث، بل كمنظومة انتقاء: يسلّط الضوء هنا ليخفف الضغط هناك، يكرّر أسماء بعينها حتى تُستهلَك، ويترك ملفات أخرى في الظلّ لأنها تمسّ بنى أعمق يصعب الاقتراب منها. هكذا تتحول الفضيحة إلى مسرح، والغضب إلى طاقة مُدارة، والأسئلة الكبرى إلى ضجيج جانبي.

هذا النمط ليس جديداً. رأيناه مراراً حين تتزامن "انكشافات أخلاقية" مع قرارات اقتصادية قاسية، أو مع تحضيرات لحروب جديدة، أو مع تحولات سياسية تحتاج إلى أقل قدر ممكن من الانتباه الشعبي. ليس لأنّ كلّ شيء مُخطَّط تفصيلياً، بل لأنّ السلطة تتقن استثمار اللحظة، وتعرف متى تُخرج قصةً من الأرشيف، ومتى تدفن أخرى في الوقت المناسب.

الخلفية الدائمة

في هذه المعادلة، يبدو عالمنا العربي حاضراً بوصفه الخلفية الدائمة. بينما ينشغل الرأي العام الغربي بفضائح نخبِه، تستمرّ المنطقة في دفع كلفة نظام عالمي لا يتعامل معها بوصفها شريكاً، بل ساحة إدارة أزمات. حروب تتبدّل عناوينها، وصراعات تُقدَّم كأنها محلية ومعزولة، بينما جذورها أعمق بكثير، ومرتبطة بتوازنات دولية تعرف تماماً ماذا تريد، وما الذي يمكن تأجيله.

الشرق الأوسط، هنا، ليس استثناءً، بل وظيفة. منطقة يُفضَّل أن تبقى في حالة توتّر دائم، لأنّ الاستقرار الحقيقي يعني استقلال قرار، بينما الفوضى تظلّ قابلةً للإدارة. من العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى اليمن، تتغيّر الأسماء وتبقى الفاتورة واحدة. وكلما انتهت جولة، بدا وكأنّ الدور ينتقل بسلاسة إلى ساحة أخرى، من دون أن يُطرح السؤال الجوهري: من يستفيد من هذا الاستنزاف الطويل؟

في قلب هذا المشهد، يُستدعى خطاب "الأمن" بوصفه القيمة العليا، وغالباً ما يُختزل في بقاء ترتيبات إقليمية بعينها، تُقدَّم باعتبارها خط الدفاع المتقدم عن الغرب. خطاب لا يُقال دائماً بهذه الصراحة، لكنه يتسرّب في التبريرات، وفي طريقة توزيع التعاطف، وفي صمتٍ مدوٍّ إزاء حروب تُدار بالوكالة، وبأثمان لا تُدفع في العواصم الكبرى.

المفارقة القاسية أنّ الأخلاق تُستدعى بقوّة حين تخدم إعادة ترتيب الداخل، لكنها تُعلَّق حين يتعلّق الأمر بمناطق يُنظر إليها بوصفها ساحات استنزاف. تُفتح الملفات حين تخدم التوازن، وتُغلق حين تهدّد السردية؛ لا لأنّ القيم غير موجودة، بل لأنها تُستخدم انتقائياً.

وربما ما يجعل هذا الوهم مريحاً إلى هذا الحد، أننا نحبّ الحكايات التي تُنهي نفسها بنفسها. نحبّ الاعتقاد بأنّ التاريخ يعمل بزرّ "إعادة التشغيل"، وأنّ كشف الحقيقة يعادل إصلاح العالم، تماماً كما في الأفلام التي تُسدل الستارة فور اعتقال الشرير، قبل أن نرى من موّل الفيلم أصلاً.

تحديث الخطاب

في الواقع، لا تتوقف الأنظمة لتصفّق لنفسها بعد "الانكشاف"، ولا تدخل في جلسة مراجعة أخلاقية جماعية. أقصى ما تفعله هو تحديث خطابها، وتخفيف حدّة لغتها، واستبدال وجوهها بأخرى أقلّ إثارةً للضجيج. أمّا من ينتظر لحظةً ينتصر فيها "الخير" نهائياً، فقد يكتشف متأخراً أنّ الشرّ لا يحبّ النهايات الكبرى… بل يفضّل العمل بهدوء، وفي أوقات الذروة.

لا تبدو الفضائح المتتالية إعلاناً عن نهاية نظام عالمي بقدر ما تكشف عن قدرة الأخير المستمرة على إعادة تشكيل نفسه؛ ضجيج هنا، صمت هناك، أسماء تُستهلَك، وبُنى تبقى بمنأى عن المساءلة

قراءة السياق ليست إيماناً بالمؤامرة، بل هي رفضٌ لفكرة أنّ التاريخ يُدار بالعشوائية وحدها. هي محاولة لرؤية ما يتجاوز العناوين، ولمساءلة التوقيت بقدر مساءلة الحدث، وللتفريق بين الانكشاف بوصفه لحظة معرفة، والانكشاف بوصفه أداة إدارة.

من هنا، لا تبدو الفضائح المتتالية إعلاناً عن نهاية نظام عالمي بقدر ما تكشف عن قدرته المستمرة على إعادة تشكيل نفسه؛ ضجيج هنا، صمت هناك، أسماء تُستهلَك، وبُنى تبقى بمنأى عن المساءلة. أمّا انتظار الخلاص بعد كلّ انكشاف، فيبقى أمنيةً جميلةً، لكنها لا تصمد طويلاً أمام تاريخ يعرف كيف يبدّل أقنعته، من دون أن يغيّر منطقه.

ربما السؤال الأصدق ليس: هل نحن أمام نهاية النظام العالمي؟

بل: كيف يُعاد تشكيله الآن؟ وعلى حساب من؟

وأيّ دور يُراد لهذه المنطقة أن تلعبه مرةً أخرى، فيما تُكتب النسخة التالية من المشهد نفسه؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image