الشعبوية استبداد ديمقراطي، وقد يفوق خطر الشعبوية خطر الاستبداد، لأن الزعيم الشعبوي مستبد يدمّر الأمة برضاء الأمة. وحدّثنا التاريخ عن العواقب الكارثية لوصول هؤلاء الشعبويين إلى الحكم، بدءاً من نابليون بونابرت في فرنسا مروراً بأدولف هتلر في ألمانيا ثم جمال عبد الناصر في مصر، وألبرتو فوجيموري في بيرو، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وانتهاءً الآن برجب طيب أردوغان في تركيا، ودونالد ترامب في أمريكا. فقلما أتى زعيم شعبوي لم يجر من ورائه الخراب.
ولا يعني هذا خلو هؤلاء الزعماء من المآثر، أو براءة صحيفتهم من أي إنجاز. لكن القصد أن الخراب الذي جلبوه على شعوبهم والعالم، ربما طغى على محاسنهم، كما نوضح في هذا التقرير. علماً أن مقالاً واحداً لا يحصي جميع كوارث زعيم شعبوي واحد، فكيف إن كان يُحصي كوارث زمرة شعبويين دفعة واحدة.
نابليون بونابرت… الأول في التاريخ الحديث

كان نابليون بونابرت الزعيم الشعبوي الأول في التاريخ الحديث، وكان طموحه أبعد من مدارات النجوم، وفاقت شعبيته طموحه، لكنهما - أي نابليون وطموحه - كانا نقمة على فرنسا ووبالاً على أوروبا.
بدأ نابليون ضابطاً أرستقراطياً مؤمناً بقيم التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية، قبل أن يغلب طمعه عقله ويرتد عن مبادئ الثورة، ربما ظناً منه أن الاستبداد أقصر الطرق للإصلاح. فانقلب على حكومة المديرين الثورية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1799 ليصبح القنصل الأول للجمهورية الفرنسية، قبل أن ينصّبه مجلس الشيوخ إمبراطوراً عام 1804، مخيباً آمال من ظنّوه مخلِّص شعوب أوروبا من استبداد الملكيات.
بين "أول زعيم شعبوي" و"أخطر شعبوي في العصر الراهن"… تقرير يرصد العواقب الكارثية لوصول الزعماء الشعبويين إلى الحكم، بدءاً من نابليون بونابرت وصولاً إلى دونالد ترامب
استبدّ نابليون بالحكم وانفرد بالسلطة، التي أدارت رأسه مثل قنينة خمر فرنسي، حتى قال رئيس أركانه لويس الكسندر برتييه: "الإمبراطور لا يحتاج إلى نصيحة… واجبنا هو الطاعة". فصار بونابرت مصداقاً للقول السائر: "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". وامتدت عواقب سياسات نابليون إلى ما وراء زمنه، وتركت حروبه منذ عام 1799 تأثيراً واسعاً على العالم. وكان مسؤولاً عن مقتل ملايين العسكريين والمدنيين، ومنهم أخلص جنوده ومواطنيه، الذين أحبوه وتعصّبوا له، حتى اشتُقّ مصطلح "الشوفينية" من اسم نيكولا شوفان، أخلص جنوده له.
أشعل نابليون أوروبا بحروبه، وقضى على ثلاث إمبراطوريات: الرومانية المقدسة والإسبانية والبرتغالية. واستنزف موارد القارة الاقتصادية والبشرية في التعبئة العامة لحروبه حتى أفرغت حروبه مناطق من أهلها، ودمّرت كثيراً من القرى، وشرَّد تجنيده الإجباري ما لا حصر له من العائلات. أينما زحف نابليون بجيشه الجرار، ترك وراءه الجثث والثكالى والمشرّدين والبؤساء، وفق ما جاء في "The Napoleonic Wars A "Global History، "الحروب النابليونية… تاريخ عالمي"، للمؤرخ الجورجي ألكسندر ميكابريدزي.
جنّد نابليون بين عامي 1803 و1814 أكثر من مليوني رجل في "الجيش الكبير"، أي الجيش المتعدد الأعراق الذي خاض به حروبه، منهم 216 ألف بلجيكي، وأكثر من 100 ألف من كونفدرالية الراين (جزء من ألمانيا حالياً) و12 ألف سويسري، وعشرات الآلاف من بولندا وإيطاليا.
ويورد ميكابريدزي أن التقديرات تشير إلى أن 125 ألفاً، من أصل 200 ألف إيطالي خدموا في حروب نابليون، لقوا مصرعهم. كما أنه جمع لغزو روسيا جيشاً من 600 ألف جندي خَسِر منهم نصف مليون جندي، بمن فيهم نحو 100 ألف هارب، و120 ألف أسير. مع ذلك، لم يرتوِ ظمأ نابليون لتحويل القوى العاملة إلى جنود، ثم تحويل الجنود إلى جثث وأصحاب عاهات، ما كان سبباً في خسارته شعبيته، ناهيك بالخسائر الاقتصادية.
كبّد نابليون أوروبا خسائر اقتصادية فادحة. في خضم صراعه مع بريطانيا، فرض حصاراً قاريّاً شلّ تجارة أوروبا، لحرمان لندن من تجارتها معها، لكنه تسبّب في الوقت ذاته في نقص المؤن والبضائع وأزمات غذائية وإفلاس مراكز التجارة المعتمدة على البضائع البريطانية في القارة العجوز، خصوصاً في هولندا، مما أدّى إلى تأخّر القارة تقنياً عن بريطانيا حتى بعد سقوطه.
كما فرض نابليون جزى مالية هائلة على دول أوروبا، فأخذ من دولة هانوفر (جزء من ألمانيا حالياً) 17 مليون فرنك، ومن إسبانيا 72 مليون فرنك سنوياً. واستنزف البنوك الفرنسية لبناء أسطول هائل يزيد على ألفي سفينة لمهاجمة بريطانيا، وصادر سفن القارة من هولندا حتى إسبانيا. واستنزف الدول الخاضعة له، فنهب أكثر من 500 مليون فرنك من بروسيا وحلفائها فأغرقهم في الديون، ونهب 300 مليون ليرة من إيطاليا عام 1807 وحدها. وبين عامي 1805 و1813 جمع نابليون نحو 1.8 مليار فرنك، منهم 600 مليون فرنك من الدول الخاضعة له، وفق المصدر السالف الذكر.
رغم كل هذه الأموال التي نهبها من خزائن أوروبا، ظلت الإمبراطورية الفرنسية في عهد نابليون تعاني عجزاً كبيراً في ميزانيتها، بسبب حروبه التي وصلت كلفتها إلى نحو 3 مليارات فرنك، فاضطر إلى فرض الضرائب وبيع أصول فرنسا للحصول على قروض. وفي نهاية حكمه عام 1814، كان الاقتصاد الفرنسي في حالة يُرثى لها، ويئن تحت وطأة عجز مالي هائل وتعويضات بلغت 700 مليون فرنك.
وعليه، كانت أوروبا ضحية فرنسا، وكانت فرنسا ضحية نابليون، وكانت سياسات نابليون نتاج شعار "الأمة الكبرى"، المهيمنة على القارة الأوروبية، بقيادة "الزعيم العبقري"، الذي فشل في تحقيقه بعد 12 عاماً من الحروب المتصلة، لكن هذا الشعار تسلّل إلى عريف نمساوي بعد 100 عام، وأراد أن يحقق ما فشل فيه نابليون، بحلم توحيد "الأمة الآرية الكبرى".
أدولف هتلر… النموذج الأسوأ للزعيم الشعبوي

أما أدولف هتلر، فكان نموذجاً كارثياً للزعيم الشعبوي ذي "القيادة الكاريزمية الآسرة"، كما وصفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، حيث رأى فيه ملايين الألمان "البطل المخلِّص" الذي يغسل الأمة الألمانية من عار هزيمة الحرب العالمية الأولى. لكن انتخابه مستشاراً عام 1933 كان إعلان وفاة ديمقراطية جمهورية فايمار وسيادة القانون فيها، وبداية مسار سلطوي دمّر ألمانيا وأحرق أوروبا والعالم.
في سيرته المميزة والشهيرة عن هتلر، يقول المؤرخ البريطاني إيان كيرشو، إن الحكم المطلق في عهد هتلر، أدّى إلى تآكل مؤسسات الدولة، فعمّت الفوضى الإدارية، وصارت الأجهزة الحكومية تعتمد على "إرادة الفوهرر"، وهو ما جرَّأ النظام النازي على القتل السياسي باسم المصلحة الوطنية حتى ضد أبنائه، كما في "ليلة السكاكين الطويلة"، عام 1934، حيث صفّى هتلر حلفاءه في ميليشيا العاصفة خارج نطاق القانون لتثبيت قبضته. ناهيك بمستويات غير مسبوقة من قمع المعارضين والاشتراكيين والشيوعيين واليهود، حتى إن كيرشو يصف الحكم النازي بأنه "أكمل نموذج للاستبداد في القرن العشرين".
رفع النظام الناصري ستة شعارات لم يحقّق منها شيء. وفضلاً عن ذلك، قضى على الدولة الليبرالية وأقام مكانها دولة استبدادية، بشهادة رفاقه من "الضباط الأحرار".
كذلك، عانى هتلر من أحد أخطر عيوب الزعماء الشعبويين، وهو الأمّية الاقتصادية، بل في حالته اقترن هذا الجهل بالطموح التوسعي. فالاقتصاد في نظرِهِ يأتي في المقام الثاني بعد السياسة، فهو ليس إلا أداة للحرب. فأخضع الفوهرر الرأسمالية للدولة، وأجبر القطاع الخاص على تنفيذ وخدمة أهداف النظام، بحيث تحدّد وزارة الاقتصاد المهام الاقتصادية الوطنية، وعلى القطاع الخاص تحقيقها، وإلا فإن الدولة الاشتراكية الوطنية (النازية) "سوف تنجز هذه المهمة بمفردها"، وهو تهديد بالتأميم.
والنتيجة أن النظام النازي ضخَّ مبالغ طائلة من المالية العامة في مشروعات بناء عملاقة، وفتح أبواب الفساد على مصراعيها، ودخل منها سوء الإدارة يجر في ذيله العجز المالي في الاقتصاد الألماني، الذي تفاقم نتيجة تبذير المال العام، وإنفاق رواتب فاحشة على الموالين للنظام، واستحداث وظائف للعسكريين خارج الخدمة، فضلاً عن تمتع أعوان النظام بإعفاءات ضريبية، وتحقيق الثراء السريع بالرشى والهدايا والهبات. كان وراء آلة الدعاية النازية دولة بوليسية ينخرها الفساد من رأسها لجذورها.
وتسبّبت "الخطة الرباعية" التي وضعها الحزب النازي، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وإعادة التسلّح بسرعة، في ضغوط هائلة على الاقتصاد الألماني، وهو ما أدّى إلى تعميق العجز في المالية العامة ونقص الموارد، فصار التوسّع الإقليمي ضرورة لتعويض الفشل الداخلي. وفاقم هذا الفشل الاقتصادي العنصرية؛ فكانت الغنائم السهلة التي يمكن جنيها بـ"خطة التأرية" (أو التأرين (- أي مصادرة أملاك اليهود لصالح العرق الآري )الألمان) - حلاً سهلاً لتعويض العجز المالي في اقتصاد مأزوم.
وكشفت مذبحة "ليلة البلّور" عام 1938 عن الوجه الحقيقي للشعبوية المتطرّفة حيث دُمِّر ما لا يقل عن 8 آلاف متجر من أملاك اليهود، وقُدّرت الخسائر بمئات الملايين. كما هُجّر نحو 30 ألف يهودي، وخسرت ألمانيا نخبة علمية كبرى، هاجرت وساعدت الحلفاء.
وبحلول أيلول/ سبتمبر 1939، قاد هتلر ألمانيا إلى "هرمجدون" أوروبية، وأشعل حرباً عالمية لم يشهد الكوكب مثيلاً لها في فظاعتها، تركت ألمانيا وأوروبا أطلالاً خاوية على عروشها، فضلاً عن تحويل قواها العاملة إلى جثث، أكثر مما فعل نابليون. تشير تقديرات إلى أنه خلال غزو الاتحاد السوفياتي وحده، خسر هتلر أكثر من مليون جندي، بين قتيل وأسير ومفقود، من أصل 3.2 ملايين جندي. وتسبّب في مقتل ما بين 6 إلى 8.8 ملايين ألماني (بينهم 5.5 ملايين عسكري)، وقُتل نحو 15 مليون عسكري وأصيب 25 مليوناً، إضافة إلى مقتل 45 مليون مدني، على مستوى العالم. لم يأسف هتلر على الخسائر البشرية التي كبّدها ألمانيا، بل عدّها ضرورية من أجل "النضال البطولي" . ومع تصاعد الهزائم بعد معركة ستالينغراد، انهارت علاقة الفوهرر بشعبه الذي كان يعبده، كما قال كيرشو.
وفي نهاية الحرب، تراكمت على ألمانيا ديون هائلة، تراوحت بين 200 و300 مليار مارك، كان هتلر ينوي تعويضها بإجبار الشعوب المغلوبة على العمل بالسخرة، وفق المصدر السالف الذكر. وبعد سبع سنوات من انتحار هتلر، في 30 نيسان/ أبريل 1945، وصل إلى عرش مصر بكباشي شاب، تفادى مصير هتلر بخطاب تلفزيوني دغدغ به مشاعر الشعب بعد هزيمة عسكرية مريرة وأعباء اقتصادية مؤلمة.
عبد الناصر… دمار أفتك من الكوارث الطبيعية

الزعيم المصري جمال عبد الناصر مثال آخر واضح على الدمار الذي قد يحدثه زعيم شعبوي ببلده، والذي ربما يكون أفتك من أي كارثة طبيعية أو نووية. حين تولّى عبد الناصر الحكم، كانت مصر بلا ديون خارجية، بل وكانت دائنة الإمبراطورية البريطانية بمبلغ 185.7 مليون جنيه إسترليني.
كما كانت مصر واحة الحرية والصحافة الحرة وملجأ أهل الفن والفكر، في منطقة عانت لقرون ويلات الاستبداد العثماني. لكن عبد الناصر قلب هذا المسار رأساً على عقب، مثلما فعل قبله نابليون وهتلر، حين دمّرا التجارب الدستورية في بلديهما. وبعد نجاح انقلابه الذي صار ثورة، أسدل الضابط الشاب الستار على الدولة الليبرالية المصرية (1922–1952) وأقام مكانها دولة استبدادية، بشهادة رفاقه من الضباط الأحرار، وفي مقدمتهم خالد محيي الدين، وثروت عكاشة.
رفعت الحركة الناصرية ستة شعارات كبرى: مناهضة الاستعمار، والقضاء على الإقطاع، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء جيش قوي، وإقامة ديمقراطية سليمة. لكن ماذا تحقّق منها؟ لا شيء تقريباً، أو بالأحرى لم ينفّذ أي منها على النحو المرجو. فبدلاً من إنهاء الاستعمار، ارتمى الزعيم المصري في أحضان السوفييت وجلب إلى مصر نحو 20 ألف مستشار عسكري وخبير سوفيتي طردهم خلفه الرئيس محمد أنور السادات لاحقاً، كما يذكر ياسر ثابت في "ذاكرة القرن العشرين"، وتسبّب في احتلال سيناء مرتين في 1956 و1967.
وأما في ما يخص القضاء على الإقطاع، فلم يستفد من الإصلاح الزراعي إلا عدد قليل من الفلاحين المصريين. عام 1962، أعلنت الحكومة أنها أعادت توزيع قرابة 645 ألف فدان (من أصل نحو 6 ملايين فدان زراعي) على 226 ألف أسرة ريفية، أي 10% فقط من الأراضي الزراعية على نحو مليوني مزارع فقط في وقت كان عدد سكان الريف في مصر نحو 19 مليوناً منهم 14 مليون فلاح بدون أرض، وأكثر من مليون فلاح فقير من صغار الملاك، وفق ما يرد في "المجتمع المصري والجيش 1951–1967" لأنور عبد الملك.
علماً أن الحكومة خلال العهد الملكي كانت قد بدأت في اتخاذ إجراءات لتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل استيلاء الضباط على السلطة، حيث وزّعت حكومة مصطفى النحاس باشا السابعة، في أيار/ مايو 1951، مليون فدان على الفلاحين الفقراء في صورة ملكيات صغيرة، وأعلنت عزمها زيادة عدد صغار ملاك الأراضي أي أن حكومة الشعب المنتخبة في ظل الملكية وزعت على صغار الفلاحين أكثر بكثير مما وزعه عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار، بدون إصلاح زراعي جذري، يخالف مبادئ الدستور ويؤدي لتفتيت الرقعة الزراعية وانهيار محاصيل مصر الإستراتيجية.
في الأثناء، اقتصرت محاربة الفساد على خصومه من العهد الملكي، بينما استشرى الفساد في ظل القبضة الأمنية حيث استبدل النظام الناصري إقطاع الملكية بإقطاع جديد من الحاشية، رافعاً شعار "أهل الثقة لا الكفاءة" مثلما وقع خلال التجربة النازية. وأقر نظام عبد الناصر بهذا الفساد، في المحاكمات العلنية التي جرت بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، لا سيما في ما عرف باسم قضية "انحراف المخابرات" عام 1968.
وتبقى العدالة الاجتماعية أكثر ما تحقّق من وعود "ثورة 23 تموز/ يوليو عام 1952". لكن تحقيق العدالة لفئة جاء على حساب فئة أخرى. فمثلاً، جرى تجميد إيجارات الوحدات السكنية لمحدودي الدخل وفرض تسعير جبري لها، على حساب مُلاك العقارات الذين فقدوا قيمة أصولهم والاستفادة من عوائد عقاراتهم بمرور الزمن، بدلاً من أن يكون الدعم من إنفاق الحكومة، وهو ما أدّى إلى تراجع استثمار القطاع الخاص في العقارات، وتجميد ثروات المصريين في ملايين الشقق المغلقة، وحدوث تشوّه مزمن في السوق العقارية المصرية ما تزال عواقبه قائمة حتى الآن.
شعار "بناء جيش وطني قوي" استُنزف أيضاً في حرب اليمن (1962-1967) التي ابتلعت بحلول 1965 نحو 70 ألف عسكري مصري، وفق ما يرد في "ناصر… بطل الأمة العربية" لجويل غوردون، فكانت بمثابة "فيتنام مصرية" استنزفت موارد مصر العسكرية والاقتصادية، لا سيما احتياطي مصر من الذهب مما أدّى إلى خسارة الجنيه المصري قيمته الثابتة أمام العملات الأجنبية. تسبّب التدخّل العسكري في اليمن أيضاً في استنزاف عوائد قناة السويس من أجل تغطية قيمة العملات النقدية اليمنية التي قرّر عبد الناصر أن يطبعها للحكومة الثورية في اليمن، بحسب "عبد الناصر 1962… حرب اليمن وانهيار الاقتصاد" لألفي أنور عطا الله.
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية لحجم الخسائر المصرية في المستنقع اليمني، تشير بعض التقديرات إلى أن نحو 26 ألف جندي مصري راحوا ضحية هذه المغامرة الناصرية، التي سرعان ما لحقتها طامة كبرى بهزيمة عام 1967، التي دمّرت ما تبقّى من قدرات الجيش المصري، لا سيما سلاح الجو، حيث فقدت مصر 80% من قواتها، وراح ضحيتها 11 ألف عسكري مصري في أربعة أيام فقط، وفق غوردون.
جمال عبد الناصر مثال واضح على الدمار الذي قد يحدثه زعيم شعبوي ببلده، والذي ربما يكون أفتك من أي كارثة طبيعية أو نووية بالنظر إلى الحالة التي كانت عليها مصر حين تولّى الحكم، وحين تركها. كيف ذلك؟
إقامة ديمقراطية سليمة وعد لم يتعدّ الشعارات المنطوقة إذ استأصل عبد الناصر السياسة في مصر برمّتها، وقضى على مكتسبات ثورة عام 1919، بحظر الأحزاب السياسية عام 1953 حين دعا إلى فترة انتقالية من الحكم العسكري مدتها ثلاث سنوات، لكن لم تنتهِ قط ولا يمكن إحصاء جميع من اعتقلوا أو نُكل بهم خلال الحقبة الناصرية. وقضى عبد الناصر على حرية الرأي والتعبير بقرار تأميم الصحافة في أيار/ مايو 1960، الذي كتب النهاية لانتعاش الصحافة منذ الحقبة الليبرالية، ووأدَ أي حلم بمناخ ديمقراطي، قبل أن يؤسّس "الاتحاد الاشتراكي العربي" في تموز/ يوليو 1962، ليكون الحزب الحاكم والوحيد في البلاد، على نهج سائر الأنظمة الشمولية.
وفضلاً عن تأميم الصحف والمجلات المصرية، انتهج عبد الناصر سياسة "التطهيرات الاقتصادية" في تشرين الأول/ أكتوبر 1961 بمصادرة أملاك 157 من كبار "الرأسماليين الرجعيين"، واعتقال 40 شخصية بارزة منهم، وفي الشهر التالي ارتفع عدد الذين صودرت أملاكهم إلى 600 رجل أعمال، بحسب غوردون. ورغم الإفراج عن المعتقلين من رجال المال والأعمال لاحقاً، لكن 12 ألفاً منهم فقدوا حقوقهم السياسية، وجعل النظام من أبرزهم عبرة للآخرين، مثل أحمد عبود باشا.
وفي تموز/ يوليو 1961، صادَر عبد الناصر أملاك المصريين والأجانب وأمّم جميع البنوك وشركات التأمين وكبرى شركات الاستثمار المدرجة في البورصة وشركات قطاعات الأخشاب والتعدين والصلب والأسمنت والنقل والمواصلات وغيرها من الصناعات الإستراتيجية والبنية التحتية واللوجستية. وفي آب/ أغسطس 1963، أمّم شركات الغزل والنسيج والمواد الغذائية والتبغ والشركات الهندسية، بما ناهز 221 من كبريات الشركات والمصانع حتى طال التأميم جميع قطاعات الاقتصاد المصري، وبلغ عدد المؤسسات المؤمَّمة بحلول عام 1964 نحو 800 مؤسسة، بحسب المصدر السابق.
تسببت سياسة التأميم هذه في هجرة الاستثمار الأجنبي من مصر، وتضخّم القطاع الحكومي العام إلى حدّ ما يمكن وصفه بـ"السرطان البيروقراطي"، استحوذ القطاع العام على 70% من إجمالي الناتج المحلي، وفق تحليل هبة حندوسة في "القطاع العام في الصناعة المصرية… الاقتصاد المصري في ربع قرن (1952-1977)". فضلاً عن هروب رؤوس الأموال المحلية. قضى عبد الناصر على البورصة المصرية وألغى عام 1966 بورصة الإسكندرية، وهي من أقدم بورصات العالم وتعود للعام 1883، وسوف تستغرق عقوداً حتى تستعيد بعض عافيتها مرة أخرى في الثلث الأخير من عصر حسني مبارك.
وتسبّبت سياسات عبد الناصر غير المحسوبة في تشوهات في ميزان المدفوعات، خصوصاً بعد توجيه ربع الاستثمارات الحكومية إلى الصناعات الثقيلة رغم ضعف الجدوى وانتفائه أحياناً، ما نجم عنه أزمة في النقد الأجنبي، صارت مرضاً مزمناً ما يزال الاقتصاد المصري يعاني ويلاته حتى اليوم.
كما أدّت سياسة التمصير التي اتبعها عبد الناصر إلى طرد الجاليات اليونانية والأرمنية والإيطالية واليهودية، التي كانت جزءاً من النسيج الحضاري المصري المزدهر، فهبط عدد اليونانيين من 140 ألفاً في بداية خمسينيات القرن العشرين إلى 30 ألفاً مع اندلاع حرب 1967، وفق غوردون. أما عدد اليهود فيقل عن 20.
وبذلك أُفرغت مصر من نخبتها الاقتصادية والثقافية، وحُرمت من تنوعها الثقافي، وهو ما كان بمنزلة كارثة اجتماعية، مهّدت الطريق لتغلغل التطرّف الديني في العقود اللاحقة. فالثراء العرقي والديني يخفّفان من التعصب وضيق الأفق، الذي فاقمه الفقر نتيجة السياسات الاشتراكية، ونزوح سكان الريف إلى المدن الحضرية، وظهور الأحياء العشوائية، وهي الكارثة الاجتماعية الثانية التي بدأت تتشكّل في عهد عبد الناصر، كما تقول جليلة القاضي في "التحضر العشوائي"، وبقيت حتى اليوم.
ألبرتو فوجيموري… نموذج لجيل جديد من القادة الشعبويين

بعد عقدين من وفاة عبد الناصر، ظهر في بيرو نوع مختلف من الزعماء الشعبويين، ألبرتو فوجيموري، الذي حكم بيرو بين عامي 1990 و2000، كنموذج للجيل الجديد من القادة الشعبويين الذين يختلفون عن الشعبويين التقليديين، في ارتكاز خطابهم على الفقراء والمشتغلين بالاقتصاد غير الرسمي بدلاً من النقابات العمالية، إضافة إلى تبنّي سياسات نيوليبرالية، وهي مفارقة تُخفي الطبيعة الاستبدادية الكامنة تحت الشعارات الشعبوية.
كوارث فوجيموري كانت سياسية في المقام الأول، لأن سياساته الاقتصادية الانفتاحية خفّفت جزئياً من آثار استبداده. ولأن أي سلطة شعبوية استبدادية تحمل في طياتها جراثيم فسادها وانحلالها، أدّى انفراد فوجيموري بالسلطة إلى سوء الإدارة وانتشار الفساد وفشل النمو المستدام.
وصل فوجيموري، وكان أستاذاً في الزراعة، إلى حكم بيرو، بعد التفوّق على الأديب الحاصل على نوبل، ماريو فارغاس يوسا في الانتخابات الرئاسية. وتميّز حكمه بما يمكن تسميته "الاستبداد الانتخابي"، والذي يحافظ على واجهة انتخابية ومؤسساتية شكلية بينما يقوّض الديمقراطية على قدم وساق، ويقمع المعارضة.
وفي كتاب "The Fujimori Legacy" ، أو "إرث فوجيموري"، يصف جوليو ف. كاريون نظام فوجيموري بأنه "مؤامرة إجرامية واسعة النطاق" تعتمد على شبكات من الجشع والفساد، وشراء ذمم المسؤولين والقضاة والإعلاميين ونواب الشعب. وبهذه الطريقة، دمّر فوجيموري سيادة القانون وحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات ضغط وابتزاز.
وبعد عامين من انتخابه، نفّذ فوجيموري "انقلاباً" من داخل نظامه على الديمقراطية، عام 1992، حيث حلّ الكونغرس، وعلّق دستور 1979، وأطاح بالسلطة القضائية، وجمع السلطات الثلاث في قبضة يده. المفارقة أن هذا الانقلاب لاقى تأييداً شعبياً هائلاً بلغ 82% من الشعب، بذريعة مكافحة التمرّد والفوضى، بحسب كاريون.
منذ ذلك الحين، أعاد فوجيموري تشكيل الدولة وفق نموذج شعبوي سلطوي، سيطر فيه الموالون له على القضاء والكونغرس، وعدّل قواعد الانتخابات وسط حالات تزوير جسيمة، وتلاعب بالرأي العام من خلال إخضاع الإعلام له لإضفاء الشرعية على نظامه، عبر شراء الولاءات بالرشى. لم يبن فوجيموري حزباً سياسياً حقيقياً، لكنه عوضاً من ذلك دمر الأحزاب المنافسة تدميراً منهجياً، لخلق فراغ سياسي يتحرك فيه وحده، مثل جميع الشعبويين المستبدين.
اقتصادياً، ورغم نجاحه الأوّلي في خفض التضخّم بفضل "الصدمة النيوليبرالية"، وإعادة بيرو للنظام المالي العالمي، فإن الاستبداد لاحقاً بدّد مكاسب العقد. ضاع عقد كامل من النمو المنتظر، وظلّ معدّل البطالة مرتفعاً، والأجور شبه جامدة، وارتفع معدل الفقر مجدداً بعد عام 1997 مع تباطؤ الاقتصاد، وتزايد استياء الشعب من أدائه الاقتصادي، الذي أساء استغلال أحد أغنى بلاد العالم من الثروة المعدنية.
ومع انتقال اهتمامه من الإصلاح إلى البقاء في السلطة، أصبحت البرامج الاجتماعية وسيلة انتخابية لا سياسة تنموية، كما يقول كاريون. وفي النهاية ترك الفساد الذي استشرى في عهد فوجيموري أعباءً ثقيلة على الحكومات اللاحقة، وترك أثراً سلبياً طويل الأمد على النمو الاقتصادي في بيرو.
وتُظهِر تجربة فوجيموري كيف يقوّض القادة الشعبويون المؤسسات من الداخل، وكيف تتحوّل الشرعية الشعبية إلى أداة لتسويغ الاستبداد، مخلّفةً وراءها خراباً سياسياً واقتصادياً طويل الأمد، كما فعل كثير من الشعبويين عبر التاريخ.
هوغو تشافيز…نموذج لعواقب سوء الإدارة المتسلّطة

قبل عام من سقوط فوجيموري الشعبوي اليميني في بيرو، صعد في الجارة فنزويلا شعبوي يساري هو هوغو تشافيز (1999-2013)، الذي حوّل واحدة من أغنى دول أمريكا الجنوبية - بفضل احتياطاتها النفطية المهولة - إلى واحدة من أفقر دول القارة وأفسدها، خلال سنوات قليلة. يمثّل تشافيز مثالاً نموذجياً لعواقب سوء الإدارة الشعبوية المتسلّطة، ودورها في إفقار أغنى الدول.
جاء تشافيز من خلفية عسكرية، وقاد انقلاب عام 1992 الفاشل وأطلق "الثورة البوليفارية". ويذكر الصحافي روري كارول في السيرة التي كتبها عن تشافيز في كتاب بعنوان "Comandante"، أي "القائد"، أن تشافيز كان جاهلاً بالاقتصاد، حتى قيل إنه لم يعرف في حياته شيئاً عن "مبادئ الاقتصاد الكلي" ولو لعشرين دقيقة، وكان يعتبر المال مجرد أداة للتلاعب السياسي، أما في الإدارة فكان "كارثة".
بعد الطفرة النفطية، أصيب اقتصاد فنزويلا بـ"المرض الهولندي" حيث أدّى ارتفاع عائدات النفط إلى رفع قيمة العملة، فازدادت الواردات على حساب الإنتاج المحلي، وتحوّل الاقتصاد الفنزويلي إلى "اقتصاد طفيلي" يعتمد حصراً على النفط، من دون أي تنويع في مصادر الدخل.
وكرّر تشافيز خطأ عبد الناصر، وصادر "خمسة ملايين هكتار" من الأراضي الزراعية، وأعاد توزيعها على جمعيات تعاونية أنفق عليها 3 مليارات دولار، لكن 90% منها انهارت بسبب ضعف الإدارة والتسعير الجبري الذي أرعب المزارعين ودمّر الزراعة في فنزويلا.
وارتفعت معدلات التضخّم إلى نحو 30% عام 2008 وبدأ نقص السلع الأساسية من اللبن والقهوة والسكر حتى ورق المحارم، ولجأ المواطنون إلى شراء حاجاتهم من السوق السوداء. وامتد الخراب إلى قطاع النفط نفسه، المصدر الرئيس للدخل في البلاد. وألقى التدهور والفشل الاقتصادي في عهد تشافيز بظلالهما على البنية الاجتماعية للبلاد. فمع ارتفاع معدلات البطالة والجريمة، هاجرت الكفاءات من أطباء ومهندسين وعلماء، ومع اشتداد الأزمة لم يملك تشافيز أي شيء غير الوعود بعصر جديد، لم يأتِ قط.
ولتنفيذ مشروعه الشعبوي، فتح تشافيز أبواب فساد غير مسبوق. وكانت الصناديق الخاصة المغلقة الباب الخلفي لتهريب المال العام. وبحلول عام 2011، كان أكثر من نصف إيرادات الدولة تُنفق خارج الميزانية، بحسب كارول. وفضلاً عن الصناديق الخاصة المغلقة، أتاح نظام صرف العملات فرصاً هائلة للفساد.
وفي النهاية مات تشافيز بعد صراع مع السرطان، وكانت قبلة الوداع، ساعده الأيمن نيكولاس مادورو سائق الباصات الذي نصّبه تشافيز خليفةً له رغم افتقاره إلى أي خبرة سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية، ليتولى شؤون فنزويلا التي صارت من بعد تشافيز معدمة غارقة في نفطها حتى الاختناق، وتعاني مرضاً مزمناً اسمه التضخم الجامح، الذي أكل ما تبقى من ثروات الشعب الفنزويلي.
رجب أردوغان… النموذج الفريد للزعيم الشعبوي الإسلامي

يمثّل رجب طيب أردوغان نموذجاً فريداً للزعيم الشعبوي الإسلامي، وهو أكثر من حكم في الجمهورية التركية، 12 عاماً في الرئاسة حتى الآن. ويرى معارضوه أنّه المسؤول الأول عن "الانحدار الكارثي" الذي شهدته تركيا إذ استخدم الديمقراطية لتقويضها، وارتقى سلّم العلمانية للإطاحة بالنظام الكمالي - نسبة إلى مؤسس الجمهورية التركية العلمانية كمال أتاتورك، بحسب أستاذ العلوم السياسية التركي، م. هاكان يافوز.
خلق أردوغان من تركيا كياناً هجيناً ممزقاً، فلا الدولة شرقية ولا غربية، ولا ديمقراطية ولا ديكتاتورية، ولا إسلامية ولا علمانية، وساهم في شق المجتمع التركي، ودغدغة مشاعر البسطاء بالهجوم على النخبة العلمانية.
وشهد العقد الأول من حكم أردوغان (2003–2013) طفرة اقتصادية لافتة، رفع كفاءة البنية التحتية، وانتشل ملايين الأتراك من الفقر إلى الطبقة الوسطى. فعندما تولّى رئاسة الوزراء كانت نسبة الفقر 54.3% من مجموع السكان البالغ 67.8 مليوناً، أي نحو 36.8 مليون فقير. وبعد عقد واحد فقط، انخفضت النسبة إلى 15% من 67.1 مليون نسمة، نحو 11.4 مليون فقير، ما يعني انتشال قرابة 25.4 مليون تركي من الفقر.
في المقابل، بدأ أردوغان بتقويض القضاء بذريعة مواجهة "الدولة العميقة"، وتحالف في بادئ الأمر مع جماعة فتح الله غولن - التي انقلب عليها لاحقاً - حيث سمح لأتباعها بالتسلسل داخل الشرطة والقضاء للسيطرة عليهما. ثم أجرى استفتاء عام 2010 الذي يصفه يافوز بأنه كان "حصان طروادة" لنسف الديمقراطية وإعادة تشكيل القضاء بما يسمح ببناء نظام استبدادي على طريقة بوتين. منذ تلك اللحظة، بدأ تراجع حكم القانون، وتفشّى الفساد وسوء الإدارة، وبدأت تركيا تستعيد إنجازاتها السابقة.
وبعد عام 2013، تحوّل الحكم إلى وسيلة لإثراء العائلة والمقربين، واستبدل اقتصاد السوق بنظام "رأسمالية المحاسيب"، الذي يتمتّع فيه الموالون للسلطة بمزايا استثمارية. ومثل عبد الناصر، استبدل أردوغان أهل الثقة بدلاً من أهل الكفاءة، حتى أصبحت الحكومة تنفذ ما يمليه عليها منذ عام 2017 .واتسعت فجوة الدخل، وظهر فساد منهجي عقب الصدام مع جماعة فتح الله غولن حين أعلنها "جماعة إرهابية".
جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/ يوليو 2016 "هدية" من القدر لأردوغان، وفق تعبير يافوز، حيث استغلها للتحوّل إلى نظام رئاسي شمولي مطلق الصلاحيات، وإعلان حالة الطوارئ التي مكّنته من التضييق على المجتمع المدني التركي، وقمع معارضيه والتنكيل بهم واعتقالهم، لا سيما من بين الكرد والعلويين واليساريين والعسكريين. وكان آخر هؤلاء المعارضين عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي اعتقله في آذار/ مارس 2025.
وبحسب المختص في شؤون تركيا والبلقان بجامعة أوكسفورد، ديميتار بيشيف، فإنه بعد محاولة الانقلاب، وبحلول صيف عام 2017، سُرّح 145 ألف موظف ومسؤول مدني، و7600 عسكري، و5 آلاف أكاديمي، جميعهم "وجدوا أنفسهم في حالة ضياع". كما أُلقي القبض على أكثر من 50 ألف مواطن، منهم 8815 ضابط شرطة، وواجه أكثر من 70 ألف مواطن تركي تهماً جنائية. وبحسب هاكان يافوز، اعتقل أردوغان مئات الباحثين، وسجن من الصحافيين عام 2017 ما يفوق كل دول العالم تقريباً، وحظر أكثر من 180 منصة إعلامية، أما أستاذ العلوم السياسية التركي، سونر غاغابتاي، فلفت إلى استخدام أردوغان الضرائب كسلاح لمعاقبة الشركات الإعلامية التي لا تنصاع لسياسته مثل شركة دوغان الإعلامية القابضة.
أدّت سياسات أردوغان إلى انتكاس الاقتصاد التركي. كما حوّل تركيا من دولة ديمقراطية ليبرالية إلى "كليبتوقراطية إسلامية"، فاقت في استبدادها ونهبها جميع الأنظمة السابقة، وفق يافوز، الذي أوضح أن أردوغان نصَّب نفسه "أباً" جديداً لتركي - على غرار أتاتورك ويعني بالتركية "أبو الأتراك" - وخلق كياناً هجيناً ممزقاً، فلا الدولة شرقية ولا غربية، ولا ديمقراطية ولا ديكتاتورية، ولا إسلامية ولا علمانية.
وساهم السلطان الجديد في شق المجتمع التركي، ودغدغة مشاعر البسطاء بالهجوم على النخبة العلمانية، متغنياً بالماضي العثماني الغابر واللعب على الوتر الديني، في استقطاب خطير، جلبه إلى أمريكا أيضاً أخطر شعبوي في العصر الراهن... دونالد ترامب.
دونالد ترامب… أخطر شعبوي في العصر الراهن

بلا منافس، دونالد ترامب هو أخطر شعبوي في الألفية الجديدة، لأن حجم تأثير الزعيم على قدر ثقل دولته. ولما كانت الولايات المتحدة القطب العالمي الأوحد، فإن عطس رئيسها تداعى سائر العالم بالحمى. وأخطر تهديد يمثله ترامب هو تقويضه النظام الدولي الذي أقامته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، لمنع انزلاق العالم إلى حرب عالمية ثالثة، ولكي يُحكَم العالم بقوة القانون لا قانون القوة.
رغم أن تقييم إرث ترامب النهائي لا يزال مبكراً، إلا أن تجربته تُظهر بوضوح أخطر ما تُنتجه الشعبوية: زعيم واحد قادر على زعزعة نظام عالمي كامل، وتقويض أقدم ديمقراطية في العصر الحديث من الداخل
ورغم كل ما شاب هذا النظام العالمي من عيوب ومخالفات أثارت الشكوك في جدواه، ونجح هذا النظام في تجنيب العالم ويلات حرب عظمى طوال 80 عاماً إلا أن سياسات ترامب المتهورة أربكته بشكل غير مسبوق.
أضرّت قرارات ترامب المفاجئة والمتناقضة بالإستراتيجية الأمريكية، وأهدرت ثقة الحلفاء قبل الخصوم في النظام الأمريكي، خصوصاً تعريفاته الجمركية على كندا والمكسيك اللتين تعتمدان على السوق الأمريكية بدرجة كبيرة. ناهيك بخطف ديكتاتور فنزويلا، نيكولاس مادورو، وزوجته بطريقة غير قانونية، وتهديده المتكرّر بضم كندا واحتلال غرينلاند، والسيطرة على قناة بنما، وضغوطه على أوكرانيا لإبرام اتفاق استسلام في سياق حربها مع روسيا.
وزاد من الكارثة انسحابه من العديد من الاتفاقيات والمنظمات الدولية بحيث أعاد ترامب أمريكا إلى عقلية القرن التاسع عشر بشعار "أمريكا أولاً"، وشوّه النظام الاقتصادي العالمي القائم على التجارة الحرة، بحروبه التجارية العنيفة، وأعاد الاقتصاد الأمريكي إلى عصر الحماية الوطنية، التي تخالف قواعد السوق الحرة، وتضر بالمستهلك الأمريكي وبأسواق العالم، وتقطع أوصال التجارة الدولية.
كما قلّص ترامب الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف عبر الاكتفاء بصفقات ثنائية. ودفع أوروبا إلى إعادة التسلح وتحويل أموال التنمية إلى صناعة السلاح لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما قد يؤثر سلباً في معدلات التنمية في القارة العجوز.
داخلياً، مثّل ترامب أخطر تهديد تواجهه الديمقراطية الأمريكية منذ تأسيسها. فهو أول رئيس يُنتخب وهو متورط في 34 تهمة جنائية، وأول رئيس يحاول قلب نتائج انتخابات شرعية، انتخابات الرئاسة لعام 2020. كما قوّض مبدأ الفصل بين السلطات. ورغم أن تقييم إرث ترامب النهائي لا يزال مبكراً، إلا أن تجربته تُظهر بوضوح أخطر ما تُنتجه الشعبوية: زعيم واحد قادر على زعزعة نظام عالمي كامل، وتقويض أقدم ديمقراطية في العصر الحديث من الداخل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
