"على المرشد أن يشعر بالقلق"؛ كانت هذه هي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل بدء المفاوضات المباشرة لواشنطن مع طهران في العاصمة العمانية مسقط والتي بدأت اليوم الجمعة 6 شباط/ فبراير 2026، وذلك بعد أن وافقت واشنطن على تغيير مكانها من إسطنبول إلى مسقط، تلبيةً للطلب الإيراني الذي أصرّ على أنّ تركيا ليست الخيار الأفضل، ما عدّه البعض "بادرة حسن نية من الولايات المتحدة" التي كانت تفضل تركيا.
لكن بادرة حسن النية هذه، وكالعادة، جاءت ضمن مجموعة من الرسائل الترامبية المتناقضة التي قد تشوّش قراءة النية الأمريكية. ففي رسالة متناقضة، طلبت الولايات المتحدة من رعاياها المتواجدين في إيران مغادرة البلاد فوراً، و"يفضَّل أن يكون ذلك برّا عبر تركيا أو أرمينيا".
واشنطن لمواطنيها… غادروا إيران فوراً
المطالبة نفسها ليست الاستثناء، فقد حدثت من قبل، لكن إطلاقها بصيغة مستعجلة بالتزامن مع انطلاق المحادثات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عُمان، قد يعدّ مؤشّراً على تصاعد المخاوف الأمنية واحتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية فورية في حال فشل المفاوضات، ولا سيما أنّ التحشيد العسكري الأمريكي قرب مضيق هرمز مستمرّ ولم يتوقف، بما في ذلك حاملة الطائرات العملاقة "إبراهام لينكون". وفي الوقت ذاته، قد يكون النداء مجرد ورقة ضغط أمريكية قبيل المفاوضات.
عشية المفاوضات المباشرة بين طهران وواشنطن، والتي تستضيفها العاصمة العُمانية مسقط، طلبت الولايات المتحدة من رعاياها مغادرة طهران فوراً، ما قد يُرى كرسائل متناقضة بين إعطاء الدبلوماسية فرصة وبين التحذير من انعدام الأمن
وقد جاء التحذير في بيان عاجل أصدرته "السفارة الأمريكية الافتراضية في إيران"، حيث دعت المواطنين الأمريكيين إلى إعداد خطط مغادرة لا تعتمد على أيّ مساعدة حكومية.
وبحسب وكالة "رويترز"، تأتي المفاوضات وسط خلافات عميقة حول أوّلويات الجانبين، وأجندة الاجتماع الأوّل. ففي الوقت الذي ترغب فيه الولايات المتحدة في توسيع المحادثات لتشمل برامج الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء الإقليميين والقضايا الحقوقية -فيما يبدو مطابقاً للمطالب الإسرائيلية-، تصرّ إيران على بند واحد فقط، هو التركيز على البرنامج النووي. وهذا الخلاف يخلق بيئة متوترة، ربما تسببت في جعل واشنطن تتصرف بحذر أمني،وإصدار هذه التحذيرات لمواطنيها.
إيران… نفاوض بعينين مفتوحتَين
من جهته، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، صباح اليوم الجمعة 6 شباط/ فبراير 2026، أن بلاده سوف "تلجأ إلى الدبلوماسية لحماية مصالحها الوطنية"، مؤكداً في الوقت نفسه "الاستعداد الكامل للدفاع عن سيادة وأمن البلاد ضد أي تجاوزات أو مغامرات". وقال في منشور على منصة "إكس"، إنّ "المساواة والاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة ليست كلمات فارغةً، بل شروط لا بدّ منها لاتفاق دائم"، مضيفًا أنّ إيران "تدخل الدبلوماسية بعينين مفتوحتين وذاكرة راسخة من العام الماضي".
يبدو أن إيران ليست وحدها، ففي حين حذّرت روسيا بالقول "لن نقف مكتوفي الأيدي"، وصفت الصين التهديدات الأمريكية بأنها "تنمّر أحادي الجانب"، مع تعهد بدعم بكين لإيران في الحفاظ على سيادتها وأمنها
وكان عراقجي قد التقى قبيل انطلاق المحادثات، نظيره العُماني بدر البوسعيدي في مسقط، حيث "تبادل الجانبان وجهات النظر حول سبل إدارة المفاوضات" بحسب وسائل إعلام محلية. وأشاد البوسعيدي بـ"حسن نية ومسؤولية وجدية إيران في المسارات الدبلوماسية"، مؤكداً حرص دول المنطقة على منع أي تصعيد، ومعبّراً عن أمله في أن "تمهّد هذه الجولة، بحسن نية واستغلال الفرص من جميع الأطراف، لتحقيق تفاهم دائم بين إيران والولايات المتحدة". هذا ويشهد لسلطنة عُمان أنها كانت تاريخياً صاحبة سجل الوساطات الأنجح حين يكون الطرف الإيراني جالساً على الطاولة.
البيت الأبيض… فرصة أخيرة؟
هذا و يترأس الوفد الأمريكي مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ويرافقه صهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر. بينما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، أنّ "الدبلوماسية هي الخيار الأوّل للرئيس ترامب"، لكنها شدّدت في الوقت ذاته على أنّه "يمتلك العديد من الخيارات الأخرى"، مضيفةً أنّ ترامب "يريد معرفة ما إذا كان التوصل إلى اتفاق ممكناً"، مع تمسكه بمطلب "الوقف الكامل للقدرات النووية الإيرانية".
وتجري هذه المحادثات في ظلّ تحشيد عسكري أمريكي لافت، إذ نشرت الولايات المتحدة أسطولاً بحرياً في المنطقة، ولم يستبعد ترامب اللجوء إلى القوة في حال فشل المفاوضات. وتُعدّ هذه الجولة الأولى منذ أن شنّت الولايات المتحدة، في حزيران/يونيو الماضي، ضربات على مواقع رئيسية للبرنامج النووي الإيراني خلال حرب استمرّت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل.
تحذيرات واشنطن لا تقتصر على الدبلوماسية وحدها، بل تتماشى مع حوادث عسكرية فعلية. فقد قامت القوات الأميركية قبل أيام بإسقاط طائرة إيرانية من دون طيار، لأنها كانت "تقترب بشكل عدواني" من حاملة طائرات أمريكية ف يالخليج، في مؤشر على تصاعد التوتر العسكري حتى في ظلّ التفاوض الدبلوماسي.
وفي ذات الوقت، لا يبدو أن طهران متوارية عسكرياً عن الأنظار، فقد أعلنت القوة البحرية التابعة للحرش الثوري الإيراني يوم أمس، أنها أوقفت ناقلتي نفط لتهريب الوقود قرب جزيرة "فارسي" الإيرانية، من دون تحديد جنسية طاقميهما أو العَلم الذي ترفعانه.
هذا التخوف من خلط الدبلوماسي بالعسكري وتأثيره على توتر المفاوضات، هو ما أشارت إليه صحيفة "الغارديان" البريطانية أيضاً، إذ أشارت في تحليلها إلى أنّ "الخلفية العسكرية المتوترة والتهديدات الأمريكية بحق إيران تُضيف طبقةً من القلق الإقليمي إلى المحادثات، التي تجرى في ظلّ قوات أمريكية بحالة تأهب عالية في الخليج وتهديدات صريحة من ترامب وواشنطن بفرض شروط صارمة على طهران".
الصين وروسيا… إيران ليست وحدها
في المقابل، لا تتحرك إيران دبلوماسياً من دون سند دولي. إذ صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الخميس، بأنّ الوضع المتوتر بشأن إيران "ينذر بانفجار قد يشمل الشرق الأوسط بأكمله"، محذّراً من تداعيات أيّ تصعيد إضافي، لكن الأهم أنه أكد أنّ موسكو "لن تكتفي بمراقبة ما يحدث من دون تدخّل... وإيران شريك وثيق لروسيا، ولن نقف مكتوفي الأيدي حيال تطور التعقيدات الحالية في المنطقة".
بالتوازي مع المفاوضات، لم تهدأ المواجهات العسكرية، فقد أعلنت واشنطن عن إسقاط طائرة إيرانية مسيّرة "اقتربت عدوانياً" من حاملة أمريكية في الخليج، فيما أوقفت إيران ناقلتي نفط لـ "تهريب الوقود" قرب جزيرة "فارسي" الإيرانية، دون كشف جنسيتهما
ولا تقلّ التصريحات الصينية شأناً عن التصريحات الروسية عشية المفاوضات، إذ أكدت الصين دعمها لإيران بالتزامن مع انعقاد المحادثات في عُمان.
ونقل بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية أنّ "بكين تدعم إيران في الحفاظ على سيادتها وأمنها وكرامتها الوطنية وحقوقها المشروعة ومصالحها"، ووصف البيان التهديدات الأمريكية تجاه إيران بأنها "تنمّر أحادي الجانب". وجاء هذا البيان بعد اجتماع نائب وزير الخارجية الصيني مياو ديو مع نظيره الإيراني كاظم غريب أبادي، الأسبوع الماضي، لتنسيق التوجه السياسي بالتوازي مع مسار المفاوضات أو حتى خلالها.
برغم كلّ ما سبق، مجرد الجلوس على طاولة المفاوضات قد يعني تجنيب المنطقة وربما العالم حرباً لا أحد يتوقّع حجمها أو تداعياتها، وهو ما تشير إليه مؤشرات استقرار أسعار الذهب والنفط، وتحسن التداولات في البورصات الكبرى في العالم كلّه.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
