سيرة الأرق... ذكرياتي مع الراديو

سيرة الأرق... ذكرياتي مع الراديو

مدونة نحن والتنوّع

الجمعة 6 فبراير 20267 دقائق للقراءة

في السيارة، يطلب منّي ابني ذو الأربع السنوات أن أعيد تشغيل الأغنية التي سمعناها للتو. أقول له إنّ ذلك غير ممكن، فالأغنية أذيعت عبر الراديو. لا يفهمني لا هو ولا أخته الكبرى. يسألانني: ما الراديو؟ من يختار الأغاني؟ أين يجلس هؤلاء المذيعون؟ لماذا لا نراهم؟ وكيف نسمعهم "بشكل مباشر"؟

أحاول الإجابة عن أسئلتهما بذكاء، وحين لا يردّا لا أعرف إذا كان صمتهما انبهاراً بما كشفت عنه، أو تحرّجاً من إخباري بأنّه محض هراء من امرأة خرّفت، فابنتي تحبّ أن تذكّرني بين الحين والآخر بأنني أتيت "من الأيّام القديمة".

لستُ قديمةً… ولكن

لست قديمةً، بل الأيام هي التي أسرعت وسبقتني وجعلت من شابّة ثلاثينية امرأةً تحنّ إلى ما لم يعد موجوداً. أنا ابنة الجيل الذي كان يلصق جهاز الكاسيت بسمّاعة التلفاز ليسجّل أغنيته المفضّلة؛ تفوتني بدايتها وأفشل غالباً في أن أكمل التسجيل دون أن تعتريه كلمة أو نفس مني أو ممن معي أو حتى من الشارع.

للأسف، اليوم لا أسمع الراديو قبل النوم، بل أمسك بهاتفي وأتصفّح مواقع التواصل بلا اهتمام يُذكر، حتى يصيبني التمرير اللانهائي "سكرول" بالنعاس... أي بؤس وصلت إليه؟

كنّا نمضي الساعات ونحن نختار بحرص قائمة أغنيات نأخذها إلى متجر الكاسيت من أجل شريط "كوكتيل". انبهرنا بقنوات "الفيديو كليب" في بداية الألفية مثل "ميلودي" و"روتانا"، كما ينبهر جيل اليوم بالـ"تيك توك"... وبالطبع كنّا مستمعين أوفياء للإذاعة، وظلّ مذاق أغنية الراديو في وجداننا أجمل من أيّ تطبيق يغرينا بالاستماع عبره ألف مرّة بلا انقطاع.

هناك من كوّن علاقته بهذا الصندوق الساحر في الصباح الباكر، قبل النزول إلى المدرسة أو الجامعة. وارتبط لدى البعض بساعات الدراسة الطويلة خاصةً قبل الامتحانات، أو بالشوارع في مشاويرهم المعتادة سواء في المواصلات العامة أو السيارات الخاصة. وهناك من سمعه في التلفاز من خلال جهاز الاستقبال الفضائي "الريسيفر" (غالباً ابن عائلة مغتربة). أمّا أنا، فكوّنت علاقتي به في الليل، في ساعات الأرق الطويلة التي ألفتها منذ صغري. لم أكن أبداً ممن تنسكب رؤوسهم في النوم فور وضعها على الوسائد، لذا كان الراديو ونيسي ورفيقي حتى ترتخي الجفون ويهدأ البال وأغوص في الأحلام.

"ترانزيستور"

عشت في أيرلندا فترةً من مراهقتي، وفي الإعدادية تعوّدت أن آخذ جهاز راديو "ترانزيستور" صغيراً يملكه أبي وأضعه تحت الوسادة قبل النوم. كان رمادياً أكبر من كفّ اليد بقليل، فيه عمود هوائي معدني أضبطه بحيث يلتقط صوت المحطات بوضوح ولا يفقأ عيني أو عين أختي التي تنام بجانبي. ولكنني لم أهتمّ سوى بإرسال محطة واحدة أشغّله عليها؛ "آر تي إي ليريك إف إم"، وتُعنى بالموسيقى الكلاسيكية. أحببت برنامجاً يُدعى "في زرقة الليل" يقدّم فنون الموسيقى من مختلف الأنواع والأزمنة... كنت أمكث في السرير أنتظره، وحين يبدأ أنصت إلى صوت المذيع بول هيريوت الرخيم وهو يقدّم مقطوعةً تلو الأخرى حتى أغفو... تخيّلت هيريوت رجلاً وسيماً طويل القامة بنظرات عميقة وأصابع عازف كمان. كنت مستمعةً وفيةً جداً للبرنامج في عمر الرابعة عشرة إلى درجة أنني كتبت رسالةً بعثتها عبر البريد الإلكتروني الذي كانوا يعلنون عنه كلّ حلقة. أخبرت هيريوت عن إعجابي ببرنامجه، وقلت له إنّ الموسيقى المفضلة لدي هي الكلاسيكية الأوروبية، والفولكلور الأيرلندي، والموسيقى المستوحاة من النغم العربي (إذا لم تخُنني ذاكرتي)، ولكن ما لم أنسَه أبداً أنني وضعت رأسي على الوسادة في الليلة التالية وسمعت هيريوت يقدّم ثلاث مقطوعات خاصةً في بداية الحلقة؛ واحدة من كلّ نوع ذكرته له في رسالتي. بعدها، وجدت ردّاً منه شخصياً في صندوق بريدي الإلكتروني يخبرني فيه بأنه يرجو ألا يكون سهري من أجل برنامجه يعطّلني عن الدراسة.

راديو الموبايل

حصلت في الصف الثانوي الأوّل على أول محمول في حياتي، كان جهاز "نوكيا 7360" لونه بيج وذهبي، تمتّع بخاصية الراديو التي كانت رائجةً حينذاك وتمنيتها بشدّة في هاتفي. كنت فرحةً جداً، وبعد حصولي عليه بيومين أو ثلاثة، ركضت لأشارك أمي شيئاً ما حمّسني في الهاتف. كانت تقف هي أمام الموقد، تقلب أصابع البطاطس في قدر من الزيت المغلي. لست شخصيةً حادّة الانتباه. غالباً أرتطم بشيء أو يقع منّي شيء مرّةً كل يوم على أقل تقدير، وفي تلك اللحظة في العام 2007، وقع هاتفي الجديد على وجهه في الزيت. أتذكّر بقبقة الدهون من حوله لثوان معدودة قبل أن تلتقطه أمي بسرعة بالملعقة المخرّمة. فتحنا الهاتف وجفّفناه بقدر ما استطعنا... ولكن أزراره ظلّت لزجةً؛ أضغط عليها بقوة لكتابة أي شيء، وتوقفت سمّاعاته وميكروفونه عن العمل. استمرّ معي الهاتف المقلي ثلاث سنوات بفضل السمّاعات ذات السلك والتي كنت أوصلها به فلا يعترض، ومنحتني فرصة إجراء المكالمات... والاستماع إلى الراديو الحبيب كلّ ليلة.

ما طلبته المستمعة "أنا"

وجدت ما يشبه "آر تي إي ليريك" الأيرلندية، في إذاعة البرنامج الموسيقي في مصر، والتي كانت تفصلها ست شرطات عن إذاعة القرآن الكريم التي تُعدّ صوت الصباح الباكر أو آخر الليل في كثير من البيوت المصرية. كانت أمي تشغّل إذاعة القرآن على مذياعها الأخضر من ماركة "سوني" في المطبخ، ولكنها ضبطته غالبية الوقت على إذاعة الأغاني، خاصةً في التاسعة صباحاً عندما تحين فقرة فيروز، فتعلّقت بها أنا أيضاً وصرت أنتظرها مع فطور كلّ يوم.

كوّنت علاقتي به في الليل، في ساعات الأرق الطويلة التي ألفتها منذ صغري. لم أكن أبداً ممن تنسكب رؤوسهم في النوم فور وضعها على الوسائد، لذا كان الراديو ونيسي ورفيقي حتى ترتخي الجفون ويهدأ البال وأغوص في الأحلام

أمّا إذاعة البرنامج الموسيقي، فكنت أسمعها وحدي. ولأنها ليست من الإذاعات التي يُقبل عليها الكثيرون. كان من السهل الاتصال بهم... وذات مرّة هاتفت المذيع في الفاصل وطلبت منه مقطوعةً لم أكن أعرف اسمها إلا بالإنكليزية، فسمعني وترجم لي: "كونشرتو البيانو رقم 1 في سلم سي بيمول صغير" لبيتر تشايكوفسكي، وبالفعل أذاعها بعد الفاصل. أتذكّر أنه استغرب قليلاً طلبي المحدّد جدّاً... لم يكن يعرف أنني أمضيت سنوات أستمع إلى مجموعة أسطوانات اشتراها أبي ليتمتع بها ولكنني استحوذت عليها. كانت في علبة كرتون بنّية كُتب عليها "101 مقطوعة كلاسيكية عظيمة"، على ظهرها أسماء كل المقطوعات بالترتيب ومؤلّفيها. كنت أستمع وألوّن أرقام مقطوعاتي المفضّلة بالأحمر حتى حفظتها عن ظهر قلب، ومن بينها هذا الكونشيرتو، أشغّله في الغرفة بعد إنهاء الواجبات، وأتحسّر على نفسي وما جرى لي في المدرسة ذاك اليوم؛ مراهقة طبيعية جداً.

حبّ من طرف نائم

كان لا يمكن أن تكون مستمعاً وفياً للراديو في مصر في سنّ الشباب ولا تتابع برنامج "أنا والنجوم وهواك" الذي قدّمه ولا يزال أسامة منير على إذاعة "نجوم إف إم". يبدأ البرنامج مع دقّات منتصف الليل تماماً، فكان مناسباً لـ"سهّيرة" مثلي، وشابّة كانت تحلم بالحب ولا تطاله. كم من مرّة استلقيت في سريري في الصيف واستمعت إلى قصص الغرام، أتخيّل نفسي في مكان هؤلاء الذين لوّعتهم نار الحب، أتفق وأختلف مع نصائح منير لهم، وأهيم مع الأغاني التي ينتقيها بعد كل مشكلة يذيعها، وأتساءل دائماً كيف يُحسن اختيار أغانٍ تناسب قصص المتّصلين بتلك السرعة؟ ثمّ أحببت وكُسر قلبي ولم أستفد شيئاً من الساعات التي قضيتها مع البرنامج. ولكن أهدتني الحياة بعد ذلك الحب كما لم أعرفه، لا من قبل ولا عبر الإذاعة.

للأسف، اليوم لا أسمع الراديو قبل النوم، بل أمسك بهاتفي وأتصفّح مواقع التواصل بلا اهتمام يُذكر، حتى يصيبني التمرير اللانهائي "سكرول" بالنعاس... أي بؤس وصلت إليه؟ أيّ إدمان! لا أعرف كيف أستمع إلى الراديو في سريري. فهو لم يعُد موجوداً على الهاتف، ولا نملك جهاز راديو في البيت، ولا أريد المزيد من التطبيقات على هاتفي. بل لم أعد أعرف المذيعين أو البرامج. ماذا أسمع؟ أشعر أنّ حنيني إلى الراديو هو حنين إلى أيامي التي تعرفت فيها على الدنيا، كانت بضّةً، بريئةً، وكلّ مشاعرها متدفّقة... ويناديني قلبي ألا أتلف كل تلك الذكريات.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image