بين القدرة والعجز… يوميات الذات المنهكة في مجتمع السوشال ميديا

بين القدرة والعجز… يوميات الذات المنهكة في مجتمع السوشال ميديا

رأي نحن والتنوّع

الخميس 15 يناير 20268 دقائق للقراءة

أتصفّح الإنستغرام فور استيقاظي وبشكل تلقائي. عادة سيئة اكتسبتها منذ عامين تقريباً، نتجت عن إدماني المفرط على متابعة الأخبار العاجلة بعد بدء الحرب في غزة والقصف الإسرائيلي على جنوب لبنان. لكن ما ألاحظه مؤخراً، هو أنني لا أشاهد الأخبار مباشرةً، بل أفتح "الستوريز". أتصفّحها بشكل ميكانيكي دون وعي وتركيز، فتتكرر المشاهد أمامي بطريقة آلية أيضاً.

ستوريّات لا تُعدّ ولا تحصى لنساء في النوادي الرياضية وصفوف اليوغا والبيلاتس، يمسكن هواتفهنّ بزاوية مدروسة أمام مرآة واسعة على إيقاع أغنية رائجة لكن مبتذلة، وجملة تحفيزية من نوع: كن إيجابياً...! ستوري أخرى لأنثى في المصعد الكهربائي، الذقن مرفوع قليلاً، لا تُظهر وجهها كاملاً، الرأس مائل، فلتر، وأغنية تحاول إقناعنا من خلالها، نحن المتابعين، بأنها المرأة المثالية والمستحيلة. إحساس بالاحتفاء بالنفس مبالغ فيه، كأنّ اللقطة أُخذت على السجادة الحمراء في مهرجان "كان" السينمائي. ستوري إضافية لحديث عابر داخل السيارة عن حادثة بلا قيمة أو معنى، قد يخصص لها أحياناً خمس ستوريات متتالية.

أنا أستهلك… إذاً أنا موجود

فيديوهات لا تُعدّ ولا تحصى لروتين العناية بالبشرة بعشر خطوات صباحاً وخمسٍ ليلاً. مستحضرات متراصّة على رفّ المغسلة وفق فلسفة العصر: "أنا أستهلك إذاً أنا موجود". فيديو يبدأ بماذا فعلت اليوم؟ إنه يوم العيادات التجميلية: شفة تُحقن، خدّ يُشدّ، خطوط تُمحى، ووجوه تتحول إلى قوالب بلاستيكية بلا مسامات… والختام بابتسامة فرط الإيجابية المرضية.

إنه يوم العيادات التجميلية: شفة تُحقن، خدّ يُشدّ، خطوط تُمحى، ووجوه تتحول إلى قوالب بلاستيكية بلا مسامات… والختام بابتسامة فرط الإيجابية المرضية

الوجوه نفسها يومياً، مصقولة بتفاهتها، متشابهة وموحّدة. نسخ في حالة إنكار مستمر، تنحصر مشكلاتها ظاهرياً في زحمة السير، الانهيارات بسبب انتهاء فصل الصيف، ، وانتظار أيام "الويك أند". أشعر بالغثيان، أخرج من هذا العالم، وأقذف نفسي من جديد في الواقع الذي يفيض بالكوارث الإنسانية؛ مجاعة محكمة الصنع، ووجوه ذابلة لفظتها الحياة، ليس بعيداً عنّا بكثير. أشعر بغضب مضاعف وباستغراب، وأسأل نفسي: كيف تتحول الكوارث إلى مشاهد مملّة؟ كيف نجبر أنفسنا على تفريغ أنفسنا من الألم؟

"مجتمع الإنجاز"

أعتقد أنّ شعوري الدائم بالإحباط، هو اختيار وقرار ضمنيّ أتبنّاه. أحمي نفسي به أمام الهذيان الذي نعيشه، أو أتخذه كشكل من أشكال المقاومة، ورفض واقعٍ لا يمكن لأيّ إنسان يمتلك الحدّ الأدنى من الوعي أن يتكيّف معه. إلاّ أنه ينقلب أحياناً إلى أسلوب أجلد ذاتي به، وأدفعها بقسوة نحو الإنجاز، وأطالبها بالإنتاج المتواصل. أقيس قيمتي بقدرتي على الاستمرار، حتى في لحظات الإنهاك. يتشكّل صراع دائم بين إنكار يقنعني بأنني قادرة على الإنجاز دون توقف، وبين عجز كبير أعيشه بأبسط تفاصيل حياتي اليومية، يُترجم إلى سلوكيات لا أستطيع تفسيرها: تشتّت، صعوبة في التركيز، إفراط في الحركة، وتنقّل بين المهام المختلفة دون إنجازها. ثمّ أحاول الهروب من ذاتي، عبر أفعال غير مبرّرة. ينتابني مثلاً شعور مفاجئ، لكنه قهريّ، باقتناء أشياء لا أحتاجها. أفتح موقعاً للتسوّق، أملأ السلّة بمقتنيات، ثم أحذفها مراراً، في حركة تتكرر أكثر من مرّة شهرياً. لا متعة حقيقية في الشراء، ولا رغبة فعلية في الامتلاك. فعل آليّ، أحاول من خلاله إيجاد منفذ لتفريغ شعور التوتر المتراكم.

يمكن فهم هذا السلوك خارج نطاق التفسير النفسي الفردي، ضمن ما يطرحه الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ شول هان، في كتابه "مجتمع الاحتراق النفسي"، الذي يربط الممارسات الاستهلاكية القهرية ببنية مجتمعات القرن الواحد والعشرين التي تدفع الإنسان للبحث عن آليات تهدئة سريعة تعوّض عن الإنهاك الدائم الذي لا ينتج إشباعاً فعلياً.

ضمن الإطار التحليلي نفسه، يرى هان، أنّ أمراض العصر العصبية، مثل فرط الحركة ونقص الانتباه واضطراب الشخصية الحدّية والتوتر والاكتئاب، لم تعد حالات صادمةً كما كانت في السابق، بل تحولت إلى قاعدة ثابتة تحدّد ملامح ما يسمّيه "مجتمع الإنجاز"، الذي يقيس القيمة الإنسانية بقدرة الفرد على الاستهلاك، ليعاد تعريف النجاح الإنساني ضمن أطر ضيّقة لا تتحقق إلاّ عبر الأداء المستمر، والتعطّش الدائم إلى الإنجاز. ينتقل الخطاب السلطوي من صيغة الأمر المباشر "ينبغي عليك أن تفعل"، إلى خطاب الإغراء والإمكان "يمكنك أن تفعل"، بما يحوّل الإلزام إلى دافع داخلي، ويجعل السيطرة أكثر نعومةً وأشدّ فاعلية.

إذاً، لم تعُد الذات قابلةً للتشكّل بوصفها كياناً مفتوحاً على الاحتمال، بل تحوّلت إلى ذات منجزة، مطالبة دائماً بالإثبات. ضمن هذا الإطار، يشير بيونغ شول هان، إلى أنّ الاكتئاب لم يعد حالةً فرديةً ناتجةً عن القمع الخارجي كما في المجتمعات التأديبية التي تناولها فوكو، بل أصبح متلازمةً واضحة المعالم تلتصق بالإنسان الحديث. فالاكتئاب هنا لا ينشأ عن المنع أو الحظر، بل عن الاستنزاف الداخلي المستمرّ وعجز الذات عن الارتقاء إلى الصورة التي يُطلب منها أن تكونها. من هذا المنطلق، يترافق الاكتئاب مع شعور بالسأم من الذات كما هي، ما يدفع الفرد إلى اندفاع مرضي نحو الإنجاز الفوري بوصفه تعويضاً عن فقدان المعنى. بعبارة أخرى، تتحول كل صورة مدروسة إلى إنجاز بحد ذاته، وإلى دليل على الوجود. لا يعود الإنجاز فعلاً ذا قيمة ذاتية، بل يصير شرطاً للوجود الاجتماعي، لتصبح الذات، بحسب توصيف هان، "سيّداً يستعبد نفسه بنفسه"، تعمل وتستنزف طاقتها طوعاً، لأنّ التوقف يعني الاختفاء، والبطء تتم قراءته على أنه شكل من أشكال الفشل.

يتحوّل العمل إذاً، في مجتمع الإنجاز، إلى نشاط عارٍ من الغاية والمعنى، لا يحقق الذات بل ينهكها، عبر دفعها إلى الأداء الهستيري والإنتاج القهري، بوصفها آليات دفاع عصبية في مواجهة حياة فقدت ثقلها. فالنشاط المستمرّ لا يدلّ على الحيوية، التجدّد، ومراكمة التجارب وفهمها، بل يشكّل هروباً من الفراغ، ومن مواجهة ذات لم يعُد مسموحاً لها بالتوقف، أو المقاومة، أو التماهي مع أي شعور سلبي يجسّد جزءاً لا يتجزأ من ماهية الإنسان وتكوينه.

"العمالة الحيوانية"

يربط بيونغ شول هان، هذا الواقع بمفهوم "العمالة الحيوانية"، حيث يتحوّل العمل إلى نشاط آليّ متواصل فاقدٍ المعنى الإنساني الذي يعبّر عن الذات الحقيقية. في موازاة ذلك، يستعيد هان أيضاً معنى "الحياة التأملية"، بوصفها شرطاً أساسياً لإنقاذ الفرد من شعور الاختزال، لأنها تتيح للذات استعادة نوع من السيادة على نظرتها إلى العالم وعلى إيقاعها الزمني.

يربط هان الممارسات الاستهلاكية القهرية ببنية مجتمعات القرن الواحد والعشرين التي تدفع الإنسان للبحث عن آليات تهدئة سريعة تعوّض عن الإنهاك الدائم الذي لا ينتج إشباعاً فعلياً

لا يشير الاحتراق النفسي في مجتمع الإنجاز حسب هان، إلى فرد سياديّ قويّ، بل على العكس، إلى ذات فقدت قدرتها على أن تكون سيّدة نفسها. فالاحتراق النفسي هو النتيجة المرضية للاستغلال الذاتي الطوعي. إنّ "ذات الإنجاز" تنافس نفسها بنفسها، وتخضع لقهر مدمّر في محاولة دائمة لتجاوز ذاتها لتبلغ حدود الإنهاك التام.

يقول هان في "مجتمع الاحتراق النفسي": "يستغلّ الإنسان نفسه طوعاً… وراء إنتاجيته يكمن الإرهاق، القلق، واليأس الخفيّ… لقد حارب من أجل الحرية، ليصبح في النهاية عبداً لنفسه".

تلاشٍ تدريجيّ

حين أتماهى مع مجتمع الإنجاز على مواقع التواصل الاجتماعي، لا أشعر بأنني أتحقّق بل أتلاشى تدريجياً. أختبر شكلاً من العري الوجودي الذي يفقدني قيمة نفسي. أستسلم للتفكير المفرط الذي يدفعني إلى مساءلة لا تنتهي: من أنا؟ ماذا أريد فعلاً؟ أين تجربتي الخاصة وظروفي؟ لماذا أختزلها وألغيها طوعاً، وأنظر إلى نفسي بوصفها إنتاجاً لحظوياً قابلاً للاختراق بسهولة؟

بالطبع، أغرق في صراعات داخلية متشابكة، ويتشوّش مفهومي عن المعايير الإنسانية والمشاعر التي تحدّد شكل التقدّم الذاتي. أقسو على نفسي أكثر، وأبدأ بقياسها حسب المعايير الخارجية، فأرفضها أكثر. أشعر بالذنب، وأتذكّر أنني في الحقيقة أرفض هذا المنطق وليس نفسي. أشفق عليها وأحاول إعادة توازني العقلي. أُغلق باب غرفتي، أقفل مواقع التواصل الاجتماعي وأنعزل. تتحوّل العزلة شيئاً فشيئاً إلى فضاء واسع، أمارس فيه وجودي بذاتي. أتنفّس ببطء. أشعر عندها بأنّ الزمن يمرّ بشكل أسلس وأكثر مرونةً. أستعيد إحساساً بسيادتي على لحظتي الخاصة، وكأنها امتداد. أكتشف معنى الحرية: ليست في الحركة المستمرّة بل في القدرة على التوقف، وأختبرها بوصفها قدرةً على تحقيق الوجود الإنساني بكلّ ما يحمل من ضعف، وسلبية، وبطء… فأشعر بالسلام!


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard
Popup Image