الميتافيرس والمسرح

هل يبقى المسرح دون خشبة؟… عن ثورة اسمها الميتافيرس

الميتافيرس والمسرح

ثقافة نحن والتنوّع

الخميس 5 فبراير 20268 دقائق للقراءة

مع إعلان مارك زوكربيرغ عن إطلاق مشروع الميتافيرس، واستثمار ما يقارب 14 مليار دولار في تطوير بنيته التكنولوجية، بات انتقاله إلى الحقول الثقافية والفنية أمراً ممكناً ضمن إطار مؤسسي واحترافي. ويُعدّ المسرح، بوصفه فناً أدائياً قائماً على التحوّل والتجريب، من أكثر الفنون قدرةً على التكيّف مع المتغيرات التاريخية والجمالية، منذ المسرح الإغريقي وحتى الممارسات المعاصرة.

التحول البنيوي في الأداء المسرحي مع الميتافيرس
تأسّس المسرح في بداياته على مبدأ وحدة الزمان والمكان، وعلى حضور حي يجمع بين الممثل والجمهور داخل فضاء مشترك، حيث لم يكن المتلقي عنصراً سلبياً، بل طرفاً فاعلاً في إنتاج الدلالة، وهو ما مهّد لاحقاً لظهور أشكال المسرح التفاعلي. ومع دخول الميتافيرس إلى المسرح، يطرأ تحوّل بنيوي في طبيعة التجربة الأدائية، إذ تتقدّم الفكرة بوصفها المحرّك الجوهري للعمل المسرحي، على حساب المركزية التقليدية للشكل أو المهارة الأدائية، ساهمت بشكل فعال في خلق تجربة حقيقة كبرى.

تحول الممثل إلى أفاتار… ما الأسباب المؤثرة على ذلك؟

في أزمنة سحيقة، اعتمد المسرح اعتماداً مباشراً على الجسد البشري بوصفه الأداة الأساسية للفعل الأدائي. غير أنّ دخول الميتافيرس إلى المسرح أحدث تحوّلاً جذرياً في تمثّل الجسد، حيث لم يعد الإنسان حاضراً عبر جسده الفيزيائي وحده، بل تحوّل إلى "أفاتار" رقمي.

المسرح التقليدي

وبمعنى أدق، أصبحت التجربة المسرحية أكثر شمولاً، إذ لم يعد تجسيد شخصية المؤدي مقتصرًا على الجسد المادي، بل امتدّ ليشمل تمثيلاً رقمياً ثلاثي الأبعاد للحضور داخل العالم الافتراضي. ويتمتع هذا الجسد الرقمي بقدرة عالية على التفاعل داخل بيئات افتراضية ثلاثية الأبعاد، إلا أنه يظل مفتقراً إلى بعض خصائص التجسّد الفيزيائي التقليدي.

أسهم هذا التحوّل في إعادة تعريف مفهوم الأداء المسرحي، إلى جانب إعادة تشكيل إحساس الوجود، بحيث لم يعد الحضور الرقمي مجرد رمز بصري، بل أصبح حضوراً شعورياً داخل البيئة الافتراضية. وفي هذا السياق، يغدو الأفاتار تمثيلاً للهوية الإنسانية، يتميز بمرونة أكبر وقابلية للتشكيل، بما يسمح بالتعبير عن الفكرة المسرحية بدرجة أوسع.

في المسرح الميتافيرسي، يتحوّل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى فاعل بنيوي قادر على تغيير مسار الحدث وبنية الحكاية نفسها

وعلى النقيض من ذلك، لم يعد الجمهور عنصراً متلقياً فحسب، بل أضحى مشاركاً رئيسياً في صناعة الحدث المسرحي، قادراً على التأثير في السينوغرافيا وتغيير مسار التدفّق الدرامي للأداء، وهو ما قد ينعكس على بنية الحكاية ذاتها، ويضع التجربة المسرحية في إطار تشاركي متعدد الأبعاد.

الجمهور فاعل بنيوي في المسرح الميتافيرس

تغيّر شكل الجمهور التقليدي مع انتقال التجارب المسرحية إلى البيئات الرقمية والافتراضية؛ وقد جاء هذا التحول نتيجة تمهيد طويل بدأ بتطبيقات المسرح التفاعلي، مروراً بمسرح الشارع، وصولًا إلى مسرح المنتدى. في هذه السياقات، تغيّر موقع الجمهور جذرياً، فلم يعد مجرد متلقٍّ للمعنى، بل تجاوز ذلك ليصبح مشاركاً فاعلاً، وقادراً على تغيير مجرى الأحداث، سواء عبر المشاركة الجسدية أو من خلال اتخاذ قرارات تؤثر في تطور الحدث الدرامي.

الميتافيرس

ومع دخول الرقمنة إلى المسرح، حدث تحول بنيوي في موقع الجمهور، وهو تحول محوري منح الجمهور قدراتٍ لم تكن متاحة من قبل، من أبرزها:

-لم يعد الجمهور جالساً في موضع ثابت.

-امتلك الجمهور قدرة عالية على الحركة داخل الفضاء الرقمي.

-شارك بفاعلية في تشكيل السينوغرافيا.

-أصبح مؤثراً مباشراً في تسلسل الأحداث الرقمية.

فرص لا يمكن تجاهلها بدخول الميتافيرس على المسرح

من زاوية نقدية محددة، لا يمكن تجاهل أن دخول الميتافيرس إلى المسرح أحدث انتقالاً جوهرياً في عدد من المفاهيم المرتبطة بالتلقي والإنتاج المسرحي؛ إذ أعاد صياغة علاقة المسرح بجمهوره، وكذلك وظيفته الثقافية. ويُعد هذا التحول مركزياً في فهم المسرح المعاصر داخل البيئات الرقمية. من أبرز هذه التحولات:

إلغاء الحدود الجغرافية

أتاح عالم الميتافيرس حضور العروض المسرحية لجمهور من مختلف أنحاء العالم في الوقت ذاته، دون الارتباط بمكان العرض أو الخضوع لقيود السفر أو القدرة المادية. وهو ما أسهم في انتقال المسرح من فضاء محلي محدود إلى مساحة عالمية عابرة للحدود.

تجربة مشاهدة احترافية

وفقاً لتقرير نشرته مجلة "فوربس" حول دخول الميتافيرس إلى صناعة الترفيه، أصبح المتلقي قادراً على تحديد زاوية الرؤية، واختيار مستوى القرب من الحدث، إلى جانب التحكم في طبيعة التفاعل. فلم تعد القصة تُروى بطريقة خطية واحدة، بل باتت تتفرع وفق مسارات تلقي فردية، بما يفتح آفاقاً جديدة لرواية القصص الفنية.

تفاعل ديناميكي

أضحى المتلقي جزءاً من الفضاء المسرحي، لا يكتفي بدور المشاهد فحسب، بل يشارك في تشكيل البيئة البصرية، والتأثير في مجريات الحدث، بل والتفاعل المباشر مع المؤدين داخل العالم الافتراضي. وهنا ينتقل الجمهور من موقع التلقي إلى موقع الفعل، بما يعيد تعريف الأداء المسرحي بوصفه تجربة جماعية تشاركية.

تجارب من أرض الواقع

كشفت شركة Everdome، المتخصصة في بناء العوالم الافتراضية، والتي يقع مقرها الرئيسي في دبي، عن إنشائها مسرحاً رقمياً جديداً يهدف إلى استقطاب روّاد الجيل الجديد من مستخدمي التجارب الرقمية. ويعتمد هذا المشروع على شاشة سينمائية ضخمة تُعرض عليها الفعاليات داخل بيئة افتراضية، بما يسهم في اقتحام المجال المسرحي الفعلي عبر تجارب بصرية وسمعية غامرة، متاحة للمستخدمين عبر منصات الميتافيرس.

مع دخول الميتافيرس إلى المسرح، لم يعد الحضور فعلاً جسدياً فقط، بل تجربة شعورية تُعاد فيها صياغة الأداء والهوية عبر الأفاتار


ويسعى هذا المسرح الرقمي إلى إعادة إنتاج مفاهيم الحضور، والتفاعل، والمشاركة الجماهيرية، ضمن تجربة غامرة تفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقة بين المسرح والتكنولوجيا الرقمية. من أبرز ملامح هذه التجربة أنها تعتمد تفاعل الجمهور على استخدام الأفاتارات داخل المسرح الافتراضي، وتقدم العروض بشكل مستمر دون التقيد بزمن أو مكان. كما أنها توفر تجارب بصرية وسمعية غامرة تمكّن المستخدمين من خوض تجربة مسرحية داخل فضاء الميتافيرس.

منصة المتّة الثقافية الوطنية في السعودية

أطلقت المملكة العربية السعودية منصة Cultural Universe، التي تُعد من أضخم الأمثلة على تبنّي الميتافيرس لتعزيز الثقافة والفنون في المملكة. ويتجاوز هذا المشروع الإطار المسرحي ليشمل التراث والتجارب الجماهيرية الثقافية، حيث تُقدَّم جوانب متعددة من الثقافة السعودية، مثل الفنون، والعمارة، والتصميم، داخل بيئات افتراضية تفاعلية. ومن أبرز ملامح هذه المنصة أنها أطلقت على نطاق عالمي، وتبث الندوات والمهرجانات داخل فضاء الميتافيرس. أيضاً تشرك الجمهور في الاحتفاء بالتراث والثقافة السعودية من داخل العالم الافتراضي.

تساؤلات حول دخول الميتافيرس إلى المسرح

منذ نشأة المسرح اليوناني القديم، ارتبط المسرح بالحضور المادي بين الطرفين الممثل والجمهور، ولكن بدخول الواقع الافتراضي على الفنون بشكل عام والمسرح بشكل خاص، أضحى ذلك مغايراً تماماً عن المفاهيم التقليدية الخاصة بالمسرح، فيطرح سؤالاً منطقياً: هل ما يقدَّم داخل الميتافيرس يمكن تسميته مسرحاً بالمعنى الجمالي والتأليفي؟ ومن منطلق السؤال السابق يفتح آفاقاً جديدة في النظر إلى المسرحية نفسها في ضوء التحولات الرقمية الحديثة.

نظارات الميتافيرس

في هذا السياق يتميز المسرح الرقمي بوقوف المَشاهد بل وتكرارها، على النقيض في الطرف الآخر في الأداء الواقعي الذي لا يمكن إيقافه أو تكراره، فقد اعتبر عدد كبير من نقاد المسرح بأنه يمثل فن اللحظة الحية بما لا يشبه أداء آخر، لأن جسد الممثل هو قائد في هذه اللحظة.

بناء على الفعاليات والمنصات الافتراضية التي أطلقت، يجعلنا نتساءل ما الحد الفاصل بين المسرحيات الميتافيرسية والتجارب التفاعلية؟ هل هناك قواعد حاسمة تم وضعها من هي الجهات الفنية والنقدية المسؤولة على هذه القواعد. علاوة على ذلك كيف يؤثر غياب الاحتكاك الجسدي المباشر بين الممثل والجمهور على تجربة التلقي الدرامي.

التماسك الدرامي

التماسك الدرامي بين حبكات العرض المسرحي تحتاج إلى دقة عالية، وقدرة عالية على فهم الأحداث، لكن الصعيد الآخر من دخول التفاعلية من قبل الجمهور الافتراضي على الأحداث أدى إلى طرح سؤال آخر: كيف يمكن الحفاظ على التماسك الدرامي في بيئات مفتوحة ومتعددة المسارات مثل الميتافيرس؟ من هذا المنطلق يُطرح أيضاً سؤال: كيف يعبّر الأفاتار على الحالة الدرامية، وهل يمكن للأداء الرقمي أن يحل محل الإحساس الفيزيائي بالحركة والتعبير الجسدي؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image