في الآونة الأخيرة، اكتسب موضوع حماية الأطفال والمراهقين/ات على الإنترنت أهمية متزايدة في دول عدة، بخاصة في أوروبا.
مع تصاعد خطاب الكراهية والعنف الإلكتروني والتنمر والمحتوى الجنسي، انكبت العديد من الدول على فرض قيود عمرية صارمة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بين هذه الدول أستراليا، فرنسا، اليونان وغيرها من الحكومات التي لا تزال تناقش إمكانية حظر المنصات الرقمية بالنسبة إلى المراهقين/ات.
وتالياً، تحاول بعض الدول فرض سيطرتها على الفضاء الرقمي من خلال تقييد دخول من هم دون سن السادسة عشرة إلى المنصات الشائعة وذلك لحمايتهم من المحتوى غير القانوني والأخلاقي والحدّ من الآثار النفسية والإجتماعية التي يُعتقد أن المنصات الرقمية تقف وراءها.
"الغرب المتوحش الرقمي"
لن يتمكن المراهقون/ات في إسبانيا دون سن السادسة عشرة، من إنشاء حسابات أو استخدام ملفات تعريف موجودة على بعض المنصات مثل تيك توك، إنستغرام وفيسبوك.
ويُلزم القانون الجديد الشركات المشغلة لهذه الخدمات بتطبيق أنظمة فعالة للتحقق من العمر، مع فرض غرامة تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي (32 مليون دولار أميركي) في حال عدم الامتثال.
تحاول بعض الدول فرض سيطرتها على الفضاء الرقمي من خلال تقييد دخول من هم دون سن السادسة عشرة إلى المنصات الشائعة وذلك لحمايتهم من المحتوى غير القانوني والأخلاقي والحدّ من الآثار النفسية والإجتماعية التي يُعتقد أن المنصات الرقمية تقف وراءها
في هذا الإطار، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، يوم الثلثاء 3 شباط/ فبراير، إن إسبانيا تعتزم حظر وصول الأشخاص دون سن الـ16 لوسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تهدف إلى حمايتهم من أضرار محتوى الإنترنت.
ووفقاً لـ"وكالة الأنباء الألمانية"، هاجم سانشيز أكبر شركات التكنولوجيا في خطاب في قمة بدبي، بسبب سماح المحتوى غير المشروع مثل الاعتداءات الجنسية على الأطفال والصور ومقاطع الفيديو الجنسية المعدة بتقنية التزييف العميق.
وأضاف رئيس الوزراء: "أطفالنا يتعرضون اليوم لمعلومات لم يكن يقصد أن يتصفحوها... سنحميهم من الغرب المتوحش الرقمي".
وقد أثار موقف سانشيز انتقادات حادة، أبرزها من إيلون ماسك الذي وصفه بـ "الطاغية".
أستراليا وفرنسا… حماية مشاعر المراهقين
في الواقع، أعربت الحكومة الإسبانية، بقيادة سانشيز، مراراً عن امتعاضها من انتشار خطاب الكراهية والمحتوى الإباحي والمعلومات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي.
وعليه، قررت إسبانيا أن تنضم إلى أستراليا وفرنسا، اللتين اتخذتا إجراءات لتقييد وصول المراهقين/ات إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
فقد أقر البرلمان الفرنسي، يوم الاثنين 26 كانون الثاني/ يناير 2026، مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ15، وهي خطوة أشاد بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باعتبارها وسيلة لحماية الأطفال من الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات.
وقال ماكرون، في مقطع فيديو: "إن مشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع أو للتلاعب بها، سواء من المنصات الأميركية أو الخوارزميات الصينية".
أما أستراليا، فهي أول دولة حظرت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، في كانون الأول/ ديسمبر 2025، معتبرة أن الحظر سيحدّ من الآثار السلبية لتصميم المنصات التي تشجع الشباب على قضاء وقت أطول أمام الشاشات، مع توفير محتوى قد يضر بصحتهم وسلامتهم.
وكشفت دراسة أجرتها الحكومة الأسترالية عام 2025 ونقلتها "بي بي سي"، أن 96% من الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وأن سبعة من كل عشرة منهم تعرضوا لمحتوى ضار شمل مواد عنيفة، إضافة إلى محتوى يروّج لاضطرابات الأكل والانتحار.
كما أفاد واحد من كل سبعة أطفال بتعرضه لمحاولات استدراج من بالغين، وكشف أكثر من نصفهم إنهم وقعوا ضحية للتنمر الإلكتروني.
جدل واسع
أثار إقدام بعض الدول على حظر المراهقين/ات من استخدام وسائل التواصل الإجتماعي جدلاً واسعاً بين مؤيدين لهذه القيود ومعارضين. ففي حين يرى البعض أنه إجراء ضروري لحماية جيل الشباب من مخاطر المنصات الرقمية، يخشى البعض الآخر من أن تؤدي هذه القيود إلى زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير رسمي.
في هذا السياق، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" من أن القيود العمرية وحدها لن تضمن سلامة الأطفال.
وقالت المنظمة في بيان لها: "مع أن اليونيسف ترحب بالالتزام المتزايد بسلامة الأطفال على الإنترنت، إلا أن حظر وسائل التواصل الاجتماعي ينطوي على مخاطر، وقد يأتي بنتائج عكسية".
وأوضحت اليونيسف أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعدّ شريان حياة للعديد من الأطفال، لا سيما المعزولين أو المهمشين، للتعلم والتواصل واللعب والتعبير عن الذات، معتبرة أنه رغم القيود، سيظل كثر يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي من خلال حلول بديلة، أو أجهزة مشتركة، أو منصات أقل تنظيماً، مما سيزيد من صعوبة حمايتهم.
بدورها، حذرت شركة ميتا، من أن المراهقين سيحاولون إيجاد طرق للوصول إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي بطرق أخرى، من دون وجود الضمانات التي يتم توفيرها للمستخدمين المسجلين.
وكانت ميتا قد دعت الحكومة الأسترالية إلى "التعاون البنّاء مع قطاع التكنولوجيا لإيجاد حلول أفضل، كتحفيز جميع الشركات على رفع مستوى توفير تجارب آمنة ومناسبة للفئة العمرية على الإنترنت، مع الحفاظ على الخصوصية، بدلاً من الحظر الشامل".
تحديات ومخاوف
تمثل القيود والقوانين الجديدة للحدّ من استخدام المراهقين/ات لوسائل التواصل الاجتماعي، تحولاً كبيراً في السياسة الأوروبية تجاه التكنولوجيا، في ظل تزايد المحتوى الضار الذي تُنتجه تقنيات الذكاء الاصطناعي والمخاوف بشأن تأثير وقت استخدام الأطفال والمراهقين/ات للشاشات على صحتهم/نّ النفسية.
تربط العديد من الدراسات بين الاعتماد على هذه المنصات وارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق، وتدني احترام الذات، غير أنه يبقى من غير الواضح ما إذا كانت عمليات الحظر ستُحقق أهدافها بخاصة أنه لا يوجد دليل يُذكر على أن هذا الحظر حل فعال، بل تتزايد الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأنه قد يُثير تحديات بقدر ما يسعى لحلها.
هل سيكون هذا الحظر قادراً على حماية المراهقين/ات من مخاطر الفضاء الرقمي وزواياه المظلمة أم أنه سيقيّد حرياتهم/نّ ويدفعهم/نّ نحو مساحات أقل أماناً؟ ماذا عن الدول العربية، هل ستقف "مكتوفةً" أمام المحتوى العنيف الذي يهدد الصحة النفسية لجيل الشباب؟
وبينما تدرس الحكومات خطواتها التالية بشأن الفضاء الإلكتروني، هناك اعتبارات عديدة تتجاوز رفاهية الأطفال، لا سيما الآثار القانونية والتقنية والاجتماعية المترتبة على تقييد المنصات الرقمية وفق العمر.
فقد أكدت شركات التكنولوجيا نفسها أن الحظر التام يصعب تطبيقه، إذ غالباً ما يجد الأطفال طرقاً للتحايل على القيود.
هذا وقد خلصت إحدى الدراسات إلى أن تقييد الوصول إلى منصات معيّنة لا يشجع الأطفال بالضرورة على قضاء المزيد من الوقت بعيداً من الإنترنت، إنما قد يدفعهم نحو أنشطة أخرى مثل مشاهدة التلفاز، ممارسة ألعاب الفيديو أو حتى استكشاف "الزوايا المظلمة للإنترنت".
هل سيكون هذا الحظر قادراً على حماية المراهقين/ات من مخاطر الفضاء الرقمي وزواياه المظلمة أم أنه سيقيّد حرياتهم/نّ ويدفعهم/نّ نحو مساحات أقل أماناً؟ ماذا عن الدول العربية، هل ستقف "مكتوفةً" أمام المحتوى العنيف الذي يهدد الصحة النفسية لجيل الشباب أم أنها ستتجه إلى وضع أطر تنظيمية لحماية هذه الفئة العمرية؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
