تتكاثر على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً إنستغرام، روايات تتحدث عن مقتنيات وكنوز فنية إسلامية يُقال إن سيف الإسلام القذافي يمتلكها أو قد أخفاها بعيداً عن الأنظار ولا يعرف أحد شيئاً عن مكانها، فهناك من يدعي أنه خبأها في الصحراء الليبية ومن يقول إنها في حفرة تحت الأرض.
في بعض المنشورات تقدّر قيمة هذه الكنوز بأربعة مليارات دولار، وفي أخرى توصف بأنها مجموعات لا تُقدّر بثمن، تضم مخطوطات إسلامية نادرة، ومصاحف مذهّبة، وقطعاً أثرية تعود إلى عصور إسلامية مختلفة. اللافت أن هذه الروايات تُقدّم عادةً بلا مصدر، لكنها تُروى بثقة تشبه ثقة الأخبار المؤكدة والموثوقة، ومن اللطيف أن تداولها تجاوز المنشورات العربية، فجاءت بلغات أخرى، كالفارسية وفي منشورات وتقارير إيرانية، لا سيما بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي يوم أمس 3 شباط/فبراير 2026، وكانت مثل هذه التقارير تطرقت من قبل إلى أنه كشف عن مكان بعض الأموال والذهب الذي كان قد أخفاه والده معمر القذافي في حفرة تحت الأرض، بعد وقوعه بيد الثوريين عام 2012.
كيف نمت أسطورة الفن الإسلامي المنسوبة إلى سيف الإسلام القذافي؟
تتخذ هذه الروايات المتداولة طابعاً أسطورياً أكثر من كونها تقريراً تاريخياً أو صحافياً مدعوماً بأدلة، كما حصل من قبلُ لكثيرٍ من الشخصيات المحاطة بالغموض والأساطير، كالنازيين وكنوزهم وما قيل عن ذهب صدام حسين، ولكن عند العودة إلى الأدلة الواقعية، يتبدد هذا السرد ويتحول إلى مثال حي على كيفية تشكّل الإشاعات ومعالجتها بصياغة ترويجية في فضاء السوشال ميديا والأخبار والتقارير التي تريد أن تجذب القراء فقط، دون الاعتماد على الحقيقة. هل نحن بحاجة إلى هذه الحكايات الخرافية والأساطير؟ هل هو فضول لتضخيم صورة الشخصية الغامضة وتغذية لخيالاتنا؟
فنّ عربي إسلامي حقيقي، لكن ليس ملكاً خاصاً
تمتلك ليبيا تراثاً فنياً طويلاً يمتد عبر عصور متعددة، ويشمل آثاراً وفنوناً إسلامية قيمة محفوظة في مؤسسات وطنية؛ على سبيل المثال، يُعد متحف ليبيا الوطني في قلعة السرايا الحمراء بطرابلس واحداً من أهم المتاحف في البلاد، يضم مجموعات أثرية تمتد من عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الإسلامي، وقد أعيد افتتاحه في كانون الأول/ديسمبر 2025 بعد سنوات من الإغلاق والترميم بعد نزاع طويل في البلاد.

وكذلك هناك ما يُعرف بمتحف الفن الإسلامي في طرابلس، وهو مشروع كان تحت رعاية الدولة وصُمّم ليعرض التراث الإسلامي، لكنه لم يُفتح قبل اندلاع الحرب في 2011، وتوقّفت أعماله دون أن تتحول إلى مؤسسة مكتملة تُعرض فيها مقتنيات بلا سند موثوق.
هذه المؤسسات، رغم أهميتها، تنتمي إلى الذاكرة الثقافية الليبية وتاريخها الجماعي، وليست ملكاً شخصياً لأحد، ولا يوجد دليل على تحويلها إلى ممتلكات خاصة يمكن تصنيفها كأساس لادعاءات مالية ضخمة.
من الفنّ إلى الأسطورة: إشاعات "المخازن السرية" والتهريب
ما يجعل بعض الروايات المتداولة عن سيف الإسلام القذافي أكثر إثارة وتشويقاً هو طابعها الغامض والأسطوري. في النسخ المتداولة من القصة على السوشال ميديا، تُصوّر الكنوز بأنها مخزنة في غرف سرية تحت الأرض في مناطق نائية في ليبيا، أو أنها مخفيّة في مستودعات دولية غير معلنة بانتظار "الوقت المناسب" لإخراجها أو بيعها، في مشهد يذكر بقصص الكنوز المدفونة والأساطير الرائجة في ثقافات متعددة.
ليست الكنوز المخفية هي ما يجذب الانتباه، بل التقاطع بين السلطة والذاكرة والأسطورة الرقمية، فتتحول الإشاعة إلى جزء من التاريخ الشفهي الحديث
هناك نسخ أخرى للادعاء تتحدث عن شبكات تهريب دولية يُقال إن سيف الإسلام كان جزءاً منها، وقد نقلت قطعاً فنية ثمينة إلى أوروبا أو الخليج، أو أنها مودعة في خزائن دون الإفصاح عن أماكنها.
هذه السرديات تستند إلى فكرة أن القطع الفنية يمكن أن تُخفى طويلاً دون تتبع، وهو تصوير أقرب إلى روايات مغامرات من كونه واقعياً موثقاً. لكن الحقيقة أن كل هذه الادعاءات لا تستند إلى وثائق جرد، أو تحقيقات صحافية مصدّقة، أو بيانات قضائية أو حتى شهادات من مؤسسات تراثية دولية. الأساطير التي تُحاك حول الفن الإسلامي تُغذَّى من فراغ المعلومات، ومن ميل الجمهور إلى تصديق روايات تجمع ما بين الفن والسلطة والغموض.
الواقع مقابل الإشاعة: أين الحقيقة؟
من ناحية أخرى، لا توجد تقارير في الأرشيف الصحفي الدولي، سواءً من وكالات كبرى مثل رويترز أو بي بي سي، تشير إلى أن سيف الإسلام يمتلك مجموعات خاصة من الفن الإسلامي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. فمعظم المعلومات المتاحة حول سيف الإسلام في المصادر الأكاديمية والسياسية ترتبط بمناصب السلطة، والدور السياسي داخل نظام والده، ومحاولات عودته للعمل السياسي في ليبيا بعد 2011، وليس بملكية خاصة لمقتنيات فنية. هناك تقرير صحافي نشرته "الأهرام" عام 2003 عن مشاركة سيف الإسلام في معرض بعنوان "The Desert Is Not Silent" في جنيف، مقتبس من تقارير أخرى مثل ما كان قد جاء في وكالات مثل "غارديان"، وكان قد عرض سيف الإسلام خلاله لوحات رسمها بنفسه تحمل رموزاً سياسية وثقافية، وأخرى تصور صحراء ليبيا أو تستحضر والده ورسائل حرب وسلام. هناك أيضاً تقرير نشر في "رويترز" بعنوان "Gaddafi son used his paintings to promote Libyan cultur" يتناول كيف سعى سيف الإسلام القذافي، قبل اندلاع الثورة الليبية، إلى تقديم نفسه بوصفه فاعلاً ثقافياً عبر إطلاق معرض متنقل يضم آثاراً ليبية وفناً معاصراً، تغلب فيه لوحاته الشخصية، في محاولة لوضع ليبيا على الخريطة الثقافية الدولية.

هذا كل ما في الأمر بخصوص سيف الإسلام وعلاقته بالفن في التقارير الدولية والعربية الموثوق بها، لكن الإشاعات والأساطير أكبر من هذا بكثير طبعاً. ما يتضح من الوقائع هو أن الإشاعات تكوّنت في بيئة رقمية تتشابك فيها الذاكرة التاريخية بالصور الجذابة والأرقام الكبيرة بلا تدقيق في الأصل أو المصدر. وهنا تكمن الخطورة: ليس في مقدار ما يُقال عن "الكنوز"، بل في مدى سرعة تداولها كما لو كانت حقائق مثبتة.
الإشاعات عن كنوز سيف الإسلام تكشف أكثر عن خيالنا ورغبتنا في الأساطير من أي حقيقة عن ممتلكاته
الإشاعة كحكاية أكثر من كونها حقيقة
العمل على تفكيك هذه الروايات يكشف أنها لا تتعلق فقط بتاريخ ليبيا أو الفن أو سلطة معينة، بل بكيفية إنتاج المعرفة في عصر السوشال ميديا، حيث تُقدّم المعلومات وكأنها سرديات جاهزة بلا دليل، وتُعاد صياغتها لتبدو أكثر واقعية وجذباً.
هنا لا يكون السؤال "هل يمتلك سيف الإسلام كنوزاً؟" بقدر ما يصير السؤال "لماذا نتوق إلى تصديق مثل هذه القصص؟ ولماذا نمنحها قوة الانتشار بالرغم من غياب الأدلة؟".
ليست الكنوز المخفية هي ما يجذب الانتباه، بل التقاطع بين السلطة، والذاكرة، والأسطورة الرقمية التي تنتجها وتعيد إنتاجها منصاتُ التواصل، فتتحول الإشاعة إلى جزء من التاريخ الشفهي الحديث، حتى في غياب الوثيقة والمرجع الموثوق.
واللافت أن هذه الإشاعات لا تُختبر بمعايير التحقق المعتادة. لا أحد يسأل: أين القطع؟ من قيّمها؟ متى جرى توثيقها؟ بل يُكتفى بسؤال واحد أكثر بساطة: "هل يمكن أن يكون هذا قد حدث؟". وفي عالم السوشال ميديا، يكفي هذا الاحتمال ليمنح الادعاء حياة ورواجاً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
