"هيّ فوضى"… لم يكن فيلماً كان نبوءة

رأي نحن والتنوّع نحن والحرية

الاثنين 2 فبراير 20268 دقائق للقراءة

الساعة الآن الثانية إلا ربعاً صباحاً، لا شيء يعجبني، الهواء الملوّث يتسرّب إلينا تباعاً من لعنة العشرية التي لوّنها بعض قومنا باللون الأسود، وما فتئ السواد أن تغلغل من تحت أظافرهم، إلى دمائهم ودمائنا، وإلى دماء الوطن.

وأنا أحدّق في المشهد الذي تملأه الزغاريد، والأيادي المتبرّكة بهيكل عظمي بارد، راودني مشهد أمين الشرطة حاتم في فيلم (هي فوضى)، عندما لجأ إلى الراقصة سمية حتى يفضي لها بهمومه وفشله في الفوز بحب نور، فرقصت له، وغنّت مع رفيقات العنبر من الراقصات وبائعات الهوى، لإقناعه بأنه وسيم، ويستحق حب نور.

نعم "هي فوضى"!

كم تساءلت: "كيف استطاع حاتم المتشكّل من صمتنا وخوفنا إقناع الراقصات وبائعات الهوى بأنه قادر على ممارسة فعل الحب"؟ ومن أين تسلّلت إلينا العناكب "المزغردة"، والهياكل الراقصة تحت أسوار المستشفيات المليئة بالأوجاع، للظلم والظالم الذي يحتكر أبناءنا وأحلامنا؟

الفيلم يخبرنا أن لعنة حاتم صفعت الجميع، لتتحوّل الحفلة إلى طقس جنائزي. وتسلّلت الأقنعة بنفس الإيقاع من الضفتين، من المشهد الأصلي إلى مشهد تقليدي تتعارك على دور البطولة فوق جثّة الوطن.

ربما نحن الثوّار الذين فجّروا الربيع من رحم يناير البارد، وصدّرنا دفأه لجيراننا وأشقّائنا، وذات ليلة راقصنا الفوضى، واستبدلنا القانون بثديي العاهرة وليلة حمراء، رقص فيها كل من في العنبر من أجل تركيب شعر مستعار لأقرع، و"زمّر" الراقصون لحاتم، فاستُبدلنا

نعم "هي فوضى"! تزرع ذاكرتنا المعاشة في الفيلم المصري "هي فوضى" الذي صنع من مشهد النهاية، في عشية الربيع العربي، ذاكرةَ الزمن القادم.

وجدنا أنفسنا فجأةً في قلب ذلك المشهد من الفيلم الذي حلم فيه الضابط "حاتم" بأن تقع في غرامه جارته الصبيّة الجميلة "أبلا نور"، واستعان بسجينته الراقصة لتغيير شكله، لكن في النهاية الراقصة التي ادّعت حبّه ودعت العاهرات ليغنّين له، ووعدته بقضاء ليلة حمراء، وخالف القانون من أجلها، استبدلته من أجل شاب أوسم وأصغر.

لو قمنا بقصّ المشهد من فيلم "هي فوضى"، وألصقناه في زوايا عدّة من فوضى ذاكرة الزمن الحاضر، سنخرج بتراكيب عدّة للشخصيات الـ(نحن) داخل عدّة تمثّلات للواقع.

الديمقراطية لعنتنا

ربما نحن الثوّار الذين فجّروا الربيع من رحم يناير/تشرين الثاني البارد، وصدّرنا دفأه لجيراننا وأشقّائنا، وذات ليلة راقصنا الفوضى، واستبدلنا القانون بثديي العاهرة وليلة حمراء، رقص فيها كل من في العنبر من أجل تركيب شعر مستعار لأقرع، و"زمّر" الراقصون لحاتم، فاستُبدلنا، أو ربما هي الديمقراطية لعنتنا وانتقمت واستبدلتنا براقصين آخرين يحسنون الرقص والزغردة.

ربما نحن من أوجد، في زاوية المشهد، شخصيات على وزن الضابط "حاتم" عندما قال: "اللي مالوش خير في حاتم، مالوش خير في مصر"، فرقص المتشابهون معاً، وحاولوا إغراء أولئك الذين لا يشبهونهم "باستعارة" بعض الشعر لتحسين صورتهم، فخالفوا القانون من أجل من لا يشبهونهم، لكنهم في النهاية استُبدلوا بما كانوا متهمين به، ويدّعي الضابط حاتم أنه يحميه.

نعم "هي فوضى"! تزرع ذاكرتنا المعاشة في الفيلم المصري "هي فوضى" الذي صنع من مشهد النهاية، في عشية الربيع العربي، ذاكرةَ الزمن القادم.

أعلم أن القارئ العربي الذي تغيب عنه تفاصيل العشرية الماضية في تونس ستصعب عليه قراءة المشهد الذي استعرناه بأطروحاته، ولكني أؤكّد لكم أننا، ونحن نولد من رحم هذا المشهد، لم نفهم بعد متى بدأت الكاميرا تدور ومتى صاح المخرج "كات"؟! أو ربما ما زالت الكاميرا تبحث في أحد زوايا المشهد عن "أبلا نور".

لا تسألوني من المخرج، فلا أحد يعلم… ربما كنّا نحن الثوّار، أو ربما بعضنا، ممّن زرع أشواكاً في جسد الثورة، أو راقصاً متسلّلاً من خارج المسرح.

لا إجابات واضحة، والسيناريو أغرقته الأسئلة، والممثّلون صاروا كهنةً في محراب الشك، وكفروا، من حيث لا يدرون، باليقين.

المهم أننا وجدنا أنفسنا في المشهد التالي "هي فوضى"، وأعتذر من خالد يوسف، لقد سمحت لنفسي بإعادة ترتيب المشاهد.

المشهد

"حاتم باشا" يلتهم الوطن بشراهة، ويتناثر من فمه فتات أحلامنا، يصطفّ أمامه أفراد من الانهزاميين يدفعون ثمن حقوقهم، لم أقرّر بعد من بطل هذا المشهد؟ حاتم أم الصف؟

نعم، لقد استهلكنا قيمنا وثورتنا بجشع ونهم، حتى نسينا أننا هرمنا من أجل تلك اللحظة، ففقدنا بوصلتنا، ولم نتذكّر من الماضي إلا شعارات نستهلكها أو نشتمها، ومستقبلٌ مجهول، ولم نعد نملك إلا هذه اللحظة العادية جداً، فوجب توثيقها وتأريخها، ولنترك للأجيال القادمة تقرير من كان حاتم، ومن كان الوجبة السهلة؟

هو ليس مشهداً هامشياً، لتعبيره عن لحظة مصيرية، لا نملّ تذكّر ألمها، تشبه تلك الرصاصة التي وصلت إلى جزء حسّاس من الجسم، وتضطرّ للتعايش معها ومع ما تسبّبه من أوجاع، فإجراء عملية لاستخراجها غير مضمونة العواقب، فإما أنك ستموت، أو أنك ستعيش مشلولاً، أو تعيش مجنوناً تتقاذفك الفوضى.

المشهد الأفظع في فيلم "هيّ فوضى" الذي عكس واقعنا هو أن السجن السرّي لم يُفتح بالقانون أو بالبلطجة، بل بإخبارية من عامل القهوة العجوز الصامت، الذي عاش حياة طويلة في الظل، سجن ضميره وهو يشاهد الآلاف من الشباب يدخلون تلك الزنزانة ولا يخرجون، ثم ذكّرته بلطجة وكيل النيابة على القانون بالكلام فجأة، بعد اغتصاب "نور"

لحظة صنعت كل ما المشاهد، حتى نصل إلى مشهد اغتصاب "حاتم" لـ"أبلا" نور، بمساعدة ذلك الكومبارس الذي استهلك كل قيمه وفقد اللحظة، حتى لحظته الذاتية عندما صرخ ذات ليلة جميلة: "بن علي هرب".

ونجدنا نتساءل، من داخل المشهد، هل حاتمنا نبّهنا يوماً كما فعل حاتم باشا عندما نبّه "نور": "خايف عليكي من نفسي، أنا لما بزهق ببقى وحش".

لقد نبّهنا ونحن نسكر بنبيذ تلك التجربة الوليدة التي صمدت كما لم تصمد أخواتها، كنا نقول لهم: "وليدنا طفل ضعيف، الأم والأب لا سابق عهد لهما بتربية الأطفال، سيسقط مراراً ويصاب بجروح وكسور، سنحبّه أكثر ونحميه معاً، وندرّبه بصبر حتى يأتي ذلك اليوم الذي سيمشي مستقيماً قويّاً، بخطى ثابتة، ويكون لنا السند"، لكنهم اختطفوا، في غفلة من عدسة الكاميرا، الطفل، وأغرقوه في بؤسهم الأيديولوجي، حتى أصيب بالشلل.

تلتقط عدسة الكاميرا، في حاضرنا، المشهد الذي يصيح فيه "حاتم": "اوعوا تكونوا فاكرين البلد سايبة، لأ، البلد فيها حكومة، وحكومة من حديد".

حديد ابتلع أخبارنا، يقيّد بعضنا، ويحاصر بعضنا الآخر، ويثقل خطوات وطن محاصر بين "مزمّرين" و"مزمغردات" يرقصون تحت أسوار مستشفى، وبين عيون تتعطّش للحياة خلف قضبان السجون، لا يرجع صوتها صدى شعب اختار الانتحار في دخان سجائره ومرارة "الإكسبريسو" وأخبار الكرة.

والآن، كيف سنخرج من هذا المشهد المتأزّم الكريه؟ انتظروا! أتتذكّرون ذلك المشهد الذي يصيح فيه وكيل النيابة: "لما تتستروا على مجرمين ده هو القانون؟! ولما طول الوقت تحبسوا ناس النيابة أفرجت عنهم هو ده القانوني؟! ولما ما تتشطروش إلا على الغلابة، وسايبين الكبار يهووا في البلد، هو ده القانون؟! هو ده القانون؟ يبقى البلطجة فعلاً هي الحل".

هل فعلاً نحتاج اليوم للبلطجة لنكتشف سرّ الغرفة السرّية في دهاليز محفورة في هويتنا، ونحرّر أفكارنا من تلك الأتربة المتراكمة على سطح عقولنا العاطلة عن العمل منذ قرابة نصف قرن، نستهلك هوية الآخرين وفلسفتهم؟

نعم… حتى هويتنا لا نعثر عليها فينا اليوم، تقمّص نزرٌ من شعبي جلد الآخرين، باحثين عن ألوان يُقال إنها زاهية أكثر، لكنها لا تنمو في طقسنا.

لا أزهار، ولا ذئاب، ولا نعاج اليوم، دونكيشوت يسوقنا جميعاً إلى معاركه الوهمية.

أتعرفون المشهد الأفظع الذي عكس واقعنا، ويستنبط حقيقتنا بلا مساحيق؟ أن السجن السرّي لم يُفتح بالقانون أو بالبلطجة، بل بإخبارية من عامل القهوة العجوز الصامت، الذي عاش حياة طويلة في الظل، سجن ضميره وهو يشاهد الآلاف من الشباب يدخلون تلك الزنزانة ولا يخرجون، ثم ذكّرته بلطجة وكيل النيابة على القانون بالكلام فجأة، بعد اغتصاب "نور".

نتسمّر في الغرفة السوداء التي جمعتنا، نتقاذف المشاهد والأدوار، لتبتلعنا فوضى واقعنا الذي يستمدّ دماءه النازفة من كوميديا سوداء نكرّرها بلا كلل ولا ملل.

تدور الكاميرا تبحث عن مشهد نهاية تقترضه، تركّبه في فسيفساء واقعنا المبعثر، لكن لا مشاهد خارجية في الغرفة السوداء.

المشهد الحالي

موسيقى تصويرية تتشابك فيها الزغاريد والتصفيق، وفي الزاوية المظلمة تلتقط الكاميرا نور بثوبها الملطّخ بالدماء، وفي الظل يعتكف عامل القهوة العجوز معتقلاً ضميره.

لا أحد يعلم هل، ومتى، سيظهر رجل القانون الذي سيكشف الغرفة السوداء، ويحرّر أحلام الشباب، ويثأر لشرف "نور". وفي فوضى المشهد، يعترينا الإحساس أننا نحتاج لبعض البلطجة.

تناثرت المشاهد، إلا ذلك المشهد: "الحشود الغفيرة تكسر حاجز الخوف، وحبيبة الشرطي المظلوم تزغرد، ليس من أجل حاتم هذه المرة، بل غضباً لتحقيق العدالة… الحشود حطّمت أسوار قسم البوليس، هاتفة: سيبوا إخوتنا المحبوسين". سأستبدل الموسيقى التصويرية الأصلية بترنيمة سماوية تردّد: "عمره السجن ما غيّر فكرة… عمر ما القهر أخّر بكرة".




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image