في تاريخ العنف، لا يبدأ القمع دائماً بالسلاح، ولا ينتهي عند الجسد. كثيراً ما يتسلّل عبر الرموز الصغيرة، وعبر ما يبدو تفصيلاً هامشياً أو ممارسة يومية لا تستدعي الانتباه، لكنه في الحقيقة يحمل ذاكرة كاملة ويختزن سرديات طويلة من الانتماء والاختلاف.
من هذا المنظور، يمكن قراءة استهداف الضفيرة الكردية (kezî) على يد تنظيمات متطرفة مثل "داعش" بوصفه فعلاً سياسياً بامتياز، لا مجرد ممارسة قسرية على مظهر المرأة أو سلوكاً متشدداً معزولاً عن سياقه.
فالضفيرة هنا ليست شَعراً فحسب، بل هي علامة هوية مرئية وامتداد لذاكرة جماعية وحضور ثقافي معلن في الفضاء العام. ولهذا بالضبط، لم تكن تفصيلاً بريئاً في نظر سلطة لا تحتمل التعدّد، ولا تقبل بوجود رموز لا تخضع لسيطرتها التأويلية. إن ما لا تستطيع هذه السلطة إخضاعه، تسعى إلى محوه.
الضفيرة بوصفها ذاكرة مرئية
في الثقافة الكردية، تمثّل kezî أكثر من تسريحة تقليدية أو اختيار جمالي. إنها سردية صامتة تنتقل بين الأجيال، تحمل أثر الأمهات والجدّات، وتربط الجسد بالذاكرة والأرض والطفولة والقرية والمواسم. هي شكل من أشكال الانتماء غير المكتوب، لا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يعلن نفسه، ولا إلى لغة رسمية كي يُفهَم. يكفي أن تُرى.
الضفيرة هنا ليست شَعراً فحسب، بل هي علامة هوية مرئية وامتداد لذاكرة جماعية وحضور ثقافي معلن في الفضاء العام. ولهذا بالضبط، لم تكن تفصيلاً بريئاً في نظر سلطة لا تحتمل التعدّد، ولا تقبل بوجود رموز لا تخضع لسيطرتها التأويلية
هذا الحضور الصامت هو ما يجعل الضفيرة مقلقة للسلطات الشمولية، سواء كانت دينية أو قومية أو أيديولوجية. فكل رمز لا يمكن تدجينه أو إدخاله في النموذج الأحادي المفروض، يتحوّل تلقائياً إلى تهديد. والمرأة، بما تحمله على جسدها من علامات ثقافية مرئية، تصبح الهدف الأسهل والأوضح، لأن جسدها هو المساحة التي تُخاض عليها معارك الهوية أولاً.
قصّ الشعر… حين يصبح الجسد ساحة صراع
عندما أقدم تنظيم "داعش" على قصّ ضفائر النساء الكرديات قسراً، لم يكن الفعل عرضياً أو ناتجاً من سلوك فردي أو اجتهاد ديني معزول، إنما كان ممارسة محسوبة ضمن استراتيجية تهدف إلى تفكيك الهوية عبر الجسد. فقصّ الشعر، في ثقافات كثيرة، يرتبط بالإذلال وبالفقد والعقاب، ويُستخدم تاريخياً كأداة لإخضاع النساء وكسر صورتهنّ عن أنفسهنّ، وتحويل أجسادهنّ إلى مساحات طيّعة للسلطة.
بهذا المعنى، لا يُستهدف الجسد بوصفه كياناً فردياً، بل باعتباره حاملاً لمعنى جماعي. وتُعاد صياغة المرأة قسراً، لا كما ترى نفسها، ولا كما تراها جماعتها، بل كما تريد السلطة المتطرفة أن تراها: جسد منزوع الخصوصية، خالياً من أي دلالة ثقافية خارج تأويلها الضيق للدين. هنا، يصبح الدين أداة ضبط لا فضاء معنى.
العنف الرمزي وخطاب الكراهية
ما جرى لا يمكن فهمه خارج مفهوم العنف الرمزي. فالعنف هنا لا يحتاج إلى خطاب كراهية لفظي كي يكون كراهية؛ يكفي أن يُمارس على الرمز. فاستهداف kezî هو استهداف مباشر لمكوّن ثقافي بعينه، ومحاولة لمحو علاماته المرئية من المجال العام، وإعادة تشكيل هذا المجال وفق تصور واحد للهوية والمرأة والدين.
الصمت عن قصّ الضفيرة هو صمت عن قصّ الذاكرة ومعه يُفتح الباب لعالم بلا وجوه، وبلا اختلاف، وبلا إنسان
الرسالة واضحة وبسيطة وقاسية: لا مكان لاختلافكم هنا. إمّا الامتثال الكامل أو الاختفاء.
يعمل هذا النوع من العنف على مستويين متوازيين: تفكيك الذات الفردية عبر الإذلال وكسر العلاقة بين الجسد والهوية، وتفكيك الذاكرة الجماعية عبر ضرب الرموز المشتركة التي تشكّل أساس الانتماء. هكذا لا يُقمع الفرد وحده، بل تُقمع الجماعة بأكملها عبر أكثر عناصرها هشاشة، أي عبر النساء.
الخوف من التنوّع
في جوهر هذا الاستهداف يكمن خوف عميق من التنوّع. فالجماعات المتطرفة لا تخشى السلاح فقط، بل تخشى الاختلاف بوصفه إمكانية بديلة للحياة، ودليلاً على أن العالم لا يمكن اختزاله في نموذج واحد. الضفيرة الكردية، بصمتها وبساطتها، تفضح هشاشة سلطة لا تحتمل سوى شكل واحد، ومعنى واحد، وتأويل واحد للدين والهوية.
من هنا، يصبح قصّ kezî محاولة لفرض نموذج أحادي: امرأة بلا ذاكرة، وجسد بلا هوية، ودين بلا تعدّد. نموذج يُقصي كل ما عداه، ويحوّل التنوع من قيمة إنسانية إلى "انحراف" يجب استئصاله.
رغم قسوة هذا العنف، فإن نتائجه ليست نهائية. فالضفيرة التي قُصّت قسراً لم تختفِ، بل عادت لتظهر في الذاكرة والسرد واللغة. تحوّلت kezî من تسريحة يومية إلى رمز مقاومة صامتة، ومن علامة ثقافية مألوفة إلى شهادة على أن الهوية لا تُمحى بالمقصّ، ولا تُكسر بالإذلال.
في الثقافة الكردية، تمثّل kezî أكثر من تسريحة تقليدية أو اختيار جمالي. إنها سردية صامتة تنتقل بين الأجيال، تحمل أثر الأمهات والجدّات، وتربط الجسد بالذاكرة والأرض والطفولة والقرية والمواسم
إن استعادة الحديث عن الضفيرة اليوم ليست فعل حنين، بل فعل سياسي وثقافي بامتياز. هي مساءلة لآليات القمع التي تبدأ من الجسد ولا تنتهي عنده، وتذكير بأن الدفاع عن الرموز الصغيرة هو دفاع عن حق الوجود المختلف، وعن إنسانية تُقاس بقدرتها على قبول التنوّع لا سحقه.
في زمن تتكاثر فيه أشكال العنف المقنّع بالدين أو الأخلاق، تصبح تسمية هذه الممارسات بأسمائها ضرورة أخلاقية ومعرفية، لا سيما وأن الصمت عن قصّ الضفيرة هو صمت عن قصّ الذاكرة ومعه يُفتح الباب لعالم بلا وجوه، وبلا اختلاف، وبلا إنسان.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
