هذا المقال مفكّك، وغير متناسق، ولن يسير كخط له بداية ونهاية. وربما أيضاً، والعلم عند الله، أنه لا يحتوي على فكرة ولا هدف له. وهو كذلك عن قصد، أو كمحاولة اعتباطية لتقليد الكاتب الليبي الكبير، الصادق النيهوم، رحمة الله عليه، في مقاله المنشور عام 1971، والذي يخلط فيه بين مخاطبة نتاشا الروسية تحت وطأة الفودكا، وبين الحاج الليبي الزروق تحت وطأة الدين. ذلك المقال الفذ الذي يحتوي على الجملة المستخدمة كعنوان لهذا المقال، وهي جملة مغرية للسرقة كما هو واضح.
قلت إن المقال هذا مفكّك عن قصد، والنية من وراء ذلك هي ترك القارئ "على راحته" ليفهم ما يشاء، دون مواعظ يقدّمها الكاتب حين يتلبّسه رجل الدين، ودون إجابات يتبرّع بها حين يتلبّسه رجل السياسة، وفي الحالتين فهو يتخذ وضعية المفتي، بدلاً من وضعية الجاهل الذي يطرح الأسئلة على نفسه، قبل أن يطرحها على قرّائه. ولا أنوي هنا أن أكون ذلك المفتي، ولا حتى طارح الأسئلة، لأن الأسئلة في حد ذاتها لا يمكن صياغتها بالشكل الصحيح حين يستشري الجهل تماماً.
سألتني صحافية قبل ربع قرن: كيف أصبحتُ شاعراً؟ فأجبتها بصدق لم تتوقعه: كنت في البداية أسرق أشعار درويش وأرسلها إلى امرأة أريد "تزبيطها"، مدّعياً أن هذه القصائد لي...
ما أريده هو نقل هذا الجهل بصيغته الخام، الأولية، التي يشعر بها المرء عند النظرة الأولى للأشياء الجديدة، فإن نجحت فسوف أترك للقارئ أن يبني فكرته هو، وإن فشلت في هذه المهمة السخيفة فليشتمني القارئ كما يشاء، وعند ذاك لا مناص من الاعتراف بأن "الزبون دائماً على حق"، خصوصاً حين أحاول بيعه بضاعة من التأمّل الذي لا يُطعم خبزاً، أو من الثرثرة التي لا تروي عطشاً.
سألتني صحافية قبل ربع قرن: كيف أصبحتُ شاعراً؟ فأجبتها بصدق لم تتوقعه: كنت في البداية أسرق أشعار درويش وأرسلها إلى امرأة أريد "تزبيطها"، مدّعياً أن هذه القصائد لي... لكن الصحافية قاطعتني بارتباك واضح: ما الذي تقوله يا أستاذ؟ هذا الكلام لا يمكن نشره، فهو عيب ولا يجوز.
أنا أحب زيارة معارض الكتب، وبحسب ذاكرتي فإنني لم أفوّت معرض القاهرة الدولي للكتاب ولا مرة في العشرين دورة الأخيرة، معرض الأردن كذلك، ومعرض فلسطين حين يتمكنون من عقده، أو حين لا يجدون العذر المقنع لعدم عقده، وغالباً هناك أعذار مقنعة.
في عام 2013، أي في عهد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، زرت معرض القاهرة. كان شعار المعرض يومها مغرياً للزيارة والتجريب، فهو من كلمتين لا تحملان أية تأويلات أو احتمالات للفهم الخاطئ: "حوار لا صدام". فقلت في نفسي: سأذهب لأستمع، وربما يحالفني الحظ وأشترك في حوار قصير وممتع في هذه الدار أو تلك.
أول ما فاجأني يومها كان اللباس الأفغاني الغالب على الشباب الواقف داخل أجنحة دور النشر، لدرجة أنني اعتقدت أن هذا هو الزي الرسمي للمعرض، فأزلتُ فكرة الحوار من رأسي وبدأت أتجوّل بحثاً عن عنوان جديد أشتريه. كانت معظم الدور المشاركة تعرض كتباً دينية ومنشورات قديمة وحديثة في السيرة والفقه. لكن إحدى الدور اختارت أن تعرض فقط نسخاً من كتاب مقدس واحد، ولكن باختلاف الأحجام وجودة الطباعة والأغلفة والألوان، ويبدو أن القائم على الجناح، سهواً ودون أن يقصد على الأغلب، قد وضع سعرين مختلفين على نسختين من نفس الحجم واللون والجودة.
هنا، قرّرت أن الحوار صار لازماً، ولو من باب الالتزام بتعليمات "الجهات المعنية" التي وضعت الشعار، فرفعت النسخة الأغلى وسألت الشاب ممازحاً، وكل قصدي أن أنبّهه لخطأه لا أكثر: هل هذه نسخة منقّحة مثلاً؟ وليت الرجل حاورني بكلمة "عيب" كما فعلت الصحافية، بل إن ردّه كان بالأيدي والشتائم وباستدعاء رجال الأمن.
في الموقف الأول، قلت للصحافية: أنا لا أحب الكذب، وهذه مرحلة من حياتي الشعرية، أو هي سابقة لها، ولا أخجل منها كي أخفيها، فلولا سرقتي لدرويش لما حاولت في ما بعد تقليده خوفاً من أن تكشفني المرأة التي أحاول "تزبيطها" دون نتيجة. لكنها أصرّت على أن السرقة غير لائقة بالشعراء، ولم تعلّق على "التزبيط" الفاشل.
في تلك السنة، أقصد سنة معرض "حوار لا صدام"، أو قبلها بقليل، نُشرت روايتان "ملهمتان" في العالم العربي: الأولى "الأسود يليق بكِ"، وهو عنوان يمكن أن يقوم مقام الشعر المسروق ويؤدّي مهمّته بشكل أفضل، والثانية "يسمعون حسيسها" وهو عنوان يسكّر النفس عن النساء عموماً ويأخذك، بدلاً من ذلك، إلى شرفة مطلّة على جهنم.
لم أكن قد سمعت عن الروايتين، إلا في أثناء وجودي في معرض بيروت للكتاب في نفس السنة، بحيث إنني فوجئت بطابورين لا نهاية لهما، أمام جناحيّ الدارين الناشرتين.
إلى جانب الدار الناشرة للرواية الأولى، كان جناح دار الجمل، الذي يبيع ثلاثية إريك هوبسباوم المترجمة حديثاً، يبدو خاوياً دون زوّار. وأمام الثانية، كان جناح مركز دراسات الوحدة العربية فارغاً أيضاً، رغم أنه كان قد نشر للتو كتاب "الثورة والانتقال الديمقراطي في العالم العربي"، والذي يتناول الربيع العربي كأهم حدث أو ظاهرة كانت تخصّ حياة الناس في المنطقة، أو هكذا كانوا يدّعون.
لكن هؤلاء الناس كانوا يصطفون في طوابير لـ"يسمعوا حسيسها"، ولم يعرفوا أن أحداً كان يكتب عنهم، واصفاً إياهم، مرةً، كوقود للثورة، ومرةً، كأدوات للانتقال الديمقراطي. أما الصحافية، فتستخدم كلمة عيب في وصفها للغزل باستخدام قصيدة مسروقة، دون أن تعرف هي الأخرى أن الشعر لا يمكنه أن يخرج إلا من عيوبنا البشرية، وعلى رأس هذه العيوب السرقة في لحظة الحاجة للغزل.
تخيّلوا معي شخصاً لا دينياً يريد أن يكتب لصديقه تعزية بوفاة والده، ولأنه لا يؤمن بوجود إله فهو يريد أن يتجنّب حتى ذكره، فيبتعد عن قول "رحمه الله"، ويبتدع جملة أخرى تصلح لاستخدام من يريدون حفر البئر لا المئذنة: "لروحه السلام"... يا سلام!
لكن ليت المفارقات تكتفي بحشو رؤوسها في الأشياء الصغيرة فقط، ولا تتجاوزها إلى من صنعوا هذه الأشياء. تخيّلوا معي شخصاً لا دينياً يريد أن يكتب لصديقه تعزية بوفاة والده، ولأنه لا يؤمن بوجود إله فهو يريد أن يتجنّب حتى ذكره، فيبتعد عن قول "رحمه الله"، ويبتدع بدلاً من هذه الجملة الإيمانية جملة أخرى تصلح لاستخدام من يريدون حفر البئر لا المئذنة: "لروحه السلام"... يا سلام.
أنت، إذاً، لا تؤمن بوجود الله، لكنك تؤمن بوجود الروح؟ أما الجملة القاتلة فهي "لروحه المغفرة"، والتي تسبب لك ماساً كهربائياً في دماغك وأنت تحاول استنتاج مَن هو الذي يقوم بالمغفرة هنا، وما هي الأخطاء الموجبة للمغفرة، وبحق مَن تم ارتكابها، وطبقاً لأية معايير.
وأنا لست استثناءً ولا أدّعي ذلك، خصوصاً وأنني أؤمن بنحس الرقم 13 وحاصل القسمة عليه من أي رقم، أو ضربه بأي رقم، كما وأؤمن بالقوة السرية لرقم 7 وتبعاته ومعانيه. فآخر معرض للكتاب في فلسطين كان قبل أكثر من سنتين بقليل، وتحديداً في 7 أيلول/ سبتمبر عام 2023، أي قبل شهر بالضبط من كارثة 7 تشرين الأول/ أكتوبر، والغريب أن المعرض كان في دورته رقم 13، أما الأغرب فهو شعاره اللافت: "من النكبة إلى الدولة... باقون".
هل يُعقل أن من كانوا يحفرون في الأرض، في 7 أيلول/ سبتمبر، ليصنعوا بئراً، كانوا غافلين إلى هذه الدرجة عمن يخططون للحفر في السماء، ليصنعوا مئذنة بعد ذلك بشهر؟ أم أنهم انتبهوا فتعلّقوا بشعار "من النكبة إلى الدولة" لأنهم كانوا على يقين أن حافري السماء يكتبون شعارهم المعاكس "من الدولة إلى النكبة"؟ ثم من منهم سرق الشِعر والشعار من الآخر؟
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
