التفاوض مع الموت

التفاوض مع الموت… يوميّات جسد على حافة الانفجار

التفاوض مع الموت

مدونة نحن والحرية

الجمعة 30 يناير 20267 دقائق للقراءة

كان عام 2025 فوضوياً، طفولياً، صعب المراس. بدأ بالفحوصات والأدوية والمستشفيات، وامتد إلى العام الحالي مع تكاثر الأسئلة؛ تلك التي لا تنتهي إلا لتلد أسئلة جديدة.

صرت أرى الموت، ظلي الأسود الكالح الذي يرافقني في الفيء وبين الظلال. أمشي بين المرايا لأراقبه. في انعكاساتها لا أرى له شكلاً ثابتاً، بل كياناً في حالة تفاوض دائم معي ومع تآكلي.

هناك، في المرايا، يتعب، يتهالك، ينفض عن نفسه دبيب النمل الذي تسلّل بين شعيرات جلدي، يحرّضني على الحكّ، على الحركة، على الفوضى.

من الخارج يبدو المشهد طبيعياً: الجماد يسود فوق بلبلة مستشرية، وفي الداخل يتماحك المرض مع الأمل ومحاولة السيطرة. تكاد هذه الحالة من التحكم الإرادي الهشّ تفضحني، لكن الحرائق المتجمّدة عشعشت في رأسي، والأفق كلما امتدّ تفتّت، تاركاً وراءه رذاذاً معلّقاً بين ما كان وما مات.

فرصة نجاة ضعيفة

في آذار/مارس الماضي، اكتشفت وعلى نحو عابر يشبه المصادفات القاسية، أن طحالي قد تضخّم حتى بلغ ضعفي حجمه الطبيعي، وكان على وشك الانفجار نتيجة انسداد تدفّق الدم في ثلاثة من شرايينه. كان احتمال انفجار العضو دون سبب مباشر قائماً، ويتزايد مع الحوادث أو أي ضربة جسدية في منطقة الصدر، وقد تودي بي بنسبة كبيرة، بحسب أحد أطبائي.

جلسنا مع الموت، كبر ظله فوق بيتنا، تسلّل بيننا، ولم نعد نهاب الحديث عنه. طالبني ابني، ذو السنوات الأربع، بأن تكون له "أم"، وحين كفكف دموعي سألني مهموماً: "ماذا لو جاءني الموت وكانت عيوني مفتوحة؟"

جاء هذا الاكتشاف ضمن متاهة طويلة من الفحوصات التي كنت أجريها لمعدتي المتشنّجة، وكأن الجسد يتواطأ على إخفاء مراكزه الحساسة إلى أن يقرّر الإفصاح دفعة واحدة، بلا تمهيد ولا رحمة.

الطحال مسؤول عن تنقية الدم من الشوائب والفيروسات ليبقى صالحاً للحياة. لكن حين يختل هذا التوازن، يصبح العضو المنقذ بوابة محتملة للموت. كانت فرص النجاة من انفجاره ضعيفة (نحو 15%)، لا لأنه عضو حيوي فحسب، بل لأن الدم سريع النفاذ، لا يمنح الجسد فرصة للتراجع.

كانت التجربة هذه من اكتشاف التضخّم إلى اتخاذ قرار العملية ثم التعافي مريرة، إن لم تكن الأشد مرارة. كان الألم جسيماً إلى حدّ أن "عين العقل" باتت تدرك طحالي بالمقاييس والتفاصيل المحسوسة لا المنظورة؛ قادرة على رؤيته، وتحسّسه، والشعور به.

أثناء العملية، جرى إدخال لفائف معدنية دقيقة داخل الشرايين لخنقها. كان يُفترض بالعملية أن تتطلب ساعتين إلى ثلاث للتعافي في المستشفى، لكنها امتدت إلى ثلاثة أيام، ثم إلى أسابيع من العلاج ومحاولات التماسك أمام الألم. تحوّلت الأسابيع إلى أشهر، عاشت خلالها أسرتي الصغيرة آلامي معي.

جلسنا مع الموت، كبر ظله فوق بيتنا، تسلّل بيننا، ولم نعد نهاب الحديث عنه. طالبني ابني، ذو السنوات الأربع، بأن تكون له "أم"، وحين كفكف دموعي سألني مهموماً: "ماذا لو جاءني الموت وكانت عيوني مفتوحة؟". وهل نعيش فعلاً بعيون مفتوحة ليدهمنا الموت حينها؟

التفاوض مع الموت

الموت، ذلك الكائن الغريب. كيف نتفاوض معه، ولماذا؟ هو حقّ، نعم، لكنه يتخفّى في وجوه لا أحبها، ويتقمّص أدواراً مشبوهة، وله باع طويل في الخفايا. فكيف أثق به؟ ومن يكون لي حين أتوارى عن إيماني ومعتقداتي الموروثة؟ كيف أعترف بسلطانه؟ يبرع في التسلّل إلى الحياة ليذكّرنا بأن لا شيء يدوم. كم مرة شهدت محاولات ثانية للنهوض بالحياة، فضّها الموت سريعاً.

لم أنسَ، وأنا في تماس مع الألم، أن الموت كان يراقبني، يلبس وجهي أحياناً، ويذكّرني بأنني عشت بما يكفي، فلا حاجة إلى التفاوض. لعلّي عشت أكثر من كثيرين، وفي جعبتي أيام جميلة كثيرة، ربما أكثر مما أستحق. لكن هذا الحديث لم يعجب الموت؛ وحين قبلته، رفضني.

لم يكذّب الموت نفسه. غاب قليلاً، ثم عاد حين عادت حياتي إلى يومياتها الاعتيادية بعد تخبّط طويل، وكأن الاعتياد بحد ذاته استدعاء خفي له. صار يتسلّل إلى مواعيدي وخططي وسفري وصفوفي من دون إعلان أو استئذان. يفض جلساتي الحميمة. يجلس معي كطفل مدلّل في لحظة رفض علني، يرخي سمومه في حضني مطالباً إياي بإعطائه كل انتباهي. يسخّرني له وفي ذروة ألمي تنسحق نفسي بكافة مدلولاتها.

رحلة علاج بطيئة

منذ أسابيع قليلة، خضعت لعملية مشابهة. في الفترة الفاصلة بين العمليتين، عانى جسدي رحلة علاج بطيئة، فيها تحدٍّ ظاهر للجسد والروح. عدت خلالها إلى لبنان، وطمأنت نفسي بأني كوطني سأسلم، سوف نكون بخير. لم تختفِ آلامي، ولم تنتصر صحتي.

خذل الواقع توقّعاتي وتوقعات كثيرين ظنّوا أن الصحة تعود فولاذية في "الحضن الدافئ". لاموا الغربة ونسوا أن للبنان رزمة أمراض جسدية ونفسية خاصة به. بعد عودتي إلى بيتي بدأت بشائر الصحة تعود، ازداد وزني، واكتنزت وجنتاي. نفسياً، كنت أتخبّط بين أمل هشّ وإحباط عارم متعدد الأشكال. شعرت بوطأة الضغوط الاجتماعية والعملية والسياسية تتسرّب إلى حياتنا اليومية. أقاوم تحديات الغربة والعمل والمرض والرقابة التي أجدني ضحيتها، وأحاول ضبط مكامن قوتي قبل الانفلاق وقبل عودة الظل.

في الوقت نفسه، أدركت حاجتي إلى معاملة نفسي بحبّ ورفق وتريّث، كما أفعل مع أولادي: ألا أحاكم جسدي على ضعفه، وألا أرهقه بتوقّعات غير واقعية لا تزيدني إلا خذلاناً. تزامن ذلك مع شعور طاغٍ بالقرف من استهلاكي للحياة التي ابتدعها غيري؛ من إنتاجنا البشري كله — الموسيقى، الشعر، الفلسفة، التاريخ، المسرح — بوصفه اجتراراً للماضي ومحاولة منمّقة لإلهاء العقل عن مواجهة الحياة، وعن خوفه من الوحدة والموت، ومن اجتماعهما. كان قرفاً وجودياً حاداً، بعد سنوات من موجات الإيمان والإلحاد والوقوف على شفير الاثنين، مراقِبةً قبل العبور. فقط المراقبة. كان هذا عنوان مرحلتي الانتقالية: مراقبة الذات والطبيعة، ومحاولة فهم العلاقة بينهما دون الاتكاء على فكرة أحقية الإنسان المطلقة في الوجود.

مسألة وجودية

بدأت أستعدّ للعملية الثانية ولألمها المشروط بالرحلة. كان المشهد مختلفاً قليلاً: عدد غير محدد من الأوعية الدموية تضخّم في منطقة المبيض، تمدّد وتشابك حتى صار كرة من حبال دموية تضغط على جسدي من الداخل. المشكلة قديمة وغير مرتبطة بالأولى، وإن تشابه الحلّ. دخل الأطباء من ثقب صغير في الرقبة، وأبادوا تلك الأوعية بمادة كيميائية مخصّصة. لم أفاجأ حين عرفت أن عليّ، مرة أخرى، التعايش مع موت أجزاء مني من هذه المسافة القريبة. فقد دخلت أربعينيّتي الأولى منذ أشهر، مرّت مسرعة، كأن الزمن نفسه فقد صبره معي.

الموت حاضر بيننا، لا كحدث طارئ، بل كزميل سكن صامت، فيما تنام في بيتنا ثلاثة أجيال. يتجلّى مجدداً في سؤال ابني الصغير، ببراءة جارحة: "هل سيذرّون التراب فوقي يا ماما؟"

أدرك الآن أن بعضي مات ولن يتجدّد، وأن بعضي يموت وقد تبدّل. ليست هذه حقيقة طبية فحسب بل مسألة وجودية خالصة: ما الذي يتبدّل حين نفقد جزءاً من أجسادنا؟ وهل نحن مجموع أعضائنا، أم ذلك الخيط السحري الذي ينسجها؟

الموت حاضر بيننا، لا كحدث طارئ، بل كزميل سكن صامت، فيما تنام في بيتنا ثلاثة أجيال. يتجلّى مجدداً في سؤال ابني الصغير، ببراءة جارحة: "هل سيذرّون التراب فوقي يا ماما؟". وأسأل نفسي: من أين جاء بهذه الصورة الدقيقة؟ هل يهمس لنا الموت بما لا نجرؤ على قوله؟

يتقاطع الموت في حديثنا اليومي مع كل شيء من دون أن يعطّل المسار. هو نهر خفي ينساب بيننا. هناك موت اعتباطي وعشوائي، هامشي ومركزي: موت الوظائف، موت الفنون، قتل الأحلام وتقويضها. للموت اليوم أشكال لا تُحصى، وأكثرها عابر. لكن حين تنحلّ قُطب الوجوه ويثقل التعب ملامحنا، لا نكون قد هزمنا؛ بل اقتربنا خطوة إضافية من حقيقة أننا المؤقت يلامس الأبد.

هناك موت، وهناك أيضاً حياة، في لحظات بصيرة ينصهر فيها وعينا مع الطبيعة. يحدث هذا لي حين أرى نجماً يهوي، أو أراقب غزالاً نادراً بثلاثة قرون يتمشّى بحرية في حديقتي الواسعة، أو حين تحطّ بومة شقراء على غصن فوقي. في تلك اللحظات، أشعر بأنني مكلّفة بهذا العالم، وأن حياتي وموتي ليسا إلا جزءاً هامشياً من هذه الماكينة الكبرى. أبحث حولي عن الظل فأراه مستتراً، في حالة مراقبة. مثلي تماماً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image