يكفي أن تتصفح "السوشال ميديا" لـ5 دقائق حتى تكتشف كم أصبحت بيئة سامة تُقلّص مساحة تعبير السوريين/ات، إذ تحولت من منصات للتعبير عن الآراء المختلفة إلى "محاكم" لرصد كل صوت معارض للسلطة، وشن حملات ممنهجة لإسكاته، يقف وراءها محرّضون وقادة لجيش ذباب إلكتروني لا يرحم.
تقف النساء في "بوز المدفع" فلا يكتفي المهاجمون بالشتم بل يتجاوزونه إلى تهديدات بالقتل، مجسدين معنى "التشبيح" بأدق صوره.
وفي المجتمعات العربية التي تنمّط النساء بدور "ربّات المنزل" تتصاعد حدة الهجوم ضدهنّ عندما يتجرأن على النقاش بالسياسة ونقد السلطة التي أتت بعد ثورة نضال، كانت شرارتها الأولى "المطالبة بالحرية" ويصبح القرار عليهن صعباً، بين الانسحاب والمحافظة على أنفسهن وعائلاتهن، أو الاستمرار بالنضال في سبيل قضية لم تأخذ حقها بعد، فهل تحوّلت سوريا إلى بيئة خطيرة على نسائها؟
"الطعن بالشرف"... السلاح التقليدي
الكاتبة بتول الشيخ كانت واحدة من ضحايا الجيوش الإلكترونية بعد نشرها منشوراً انتقدت فيه حملة الحكومة "منا وفينا" بالسويداء.
وتحكي الشيخ لرصيف22 عن أول شعور انتابها بعد الهجوم الإلكتروني وهو الخوف، لأنها تعرف كيف يغزو المهاجمون الصفحة بتعليقات مسيئة، مما دفعها إلى إغلاق صفحتها مباشرة، لكن خوفها لم يستمر طويلاً، وأعادت فتح صفحتها والنشر مجدداً.
تقف النساء في "بوز المدفع" فلا يكتفي المهاجمون بالشتم بل يتجاوزونه إلى تهديدات بالقتل، مجسدين معنى "التشبيح" بأدق صوره
وتشرح الشيخ أن انسحابها لم يكن سببه الخوف بل التعب، فقد تعرضت مسبقاً لحملتي هجوم إثر نشاطها بعد مجازر الساحل بالدفاع عن حقوق الضحايا والنساء، واختارت أن تكمل بعدهما، لكنها استُنزفت في ما بعد، مشيرةً إلى أن هذه الحملات لا تهدف إلى إقصاء المرأة فوراً بل استنزافها على المدى الطويل.
وتكمل: "انسحبت من السوشال ميديا لكنني لم أنسحب من عملي الصحافي والمدني الذي أعتبره أكثر تأثيراً".
وحول التعامل مع التعليقات المسيئة، تجيب بتول أنها "تحظر حسابات أصحابها، لأن مجتمعنا ذكوري يستهدف النساء بالسلاح الذي أنشأه ضدهن، فهم أصحاب فكرة ارتباط الشرف بالمرأة، وبالتالي يطعنون بشرفها وسمعتها عبر التعليقات المسيئة في مواقع التواصل الاجتماعي لإقصائها وإخراجها من الفضاء العام".
وتُرجع الشيخ سبب ازدياد حدة الهجوم على النساء إلى معارضتهن للسلطة وتضامنهن مع الضحايا، إضافة إلى فكرة كونهن نساء بحد ذاتها، لافتةً إلى أن التضامن مع الأشخاص الذين يفتتون سردية "نحن وأنتم" والتعاطف مع الآخر الذي يراه المهاجم عدواً أصبحا تهمة، ناهيك بإقصاء النساء اللواتي يعلو صوتهن، مما دفع بعضهن بدايةً لإزالة صورهن من "فيسبوك"، وصولاً إلى خروجهن من الفضاء العام في الواقع.
اغتيالات "جيش الأضحكني"!
تختار بعض الصحافيات الاستمرار رغم التحديات، فهنّ لا يعتقدن أن سقوط النظام أنهى مرحلة النضال.
تقول الصحافية هدى أبو نبوت لرصيف22 إنها تعرضت للتهديد والشتم والاستهداف الشخصي خلال الثورة، لكن الهجوم لم يكن كالصورة الحالية، إذ تحوّل إلى جيوش كاملة، مما دفعها لتطلق عليهم تسمية "جيش الأضحكني".
وتضيف: "بعد سقوط النظام بشهر صُدمت برسائل تهديد بالقتل وتحريض وتخوين وتشويه سمعة من المتابعين، لكنني امتصصت الصدمة وأحطت نفسي بدائرتي المقرّبة الآمنة، وتوقفت عن فتح أي رسالة مهما كانت هجومية، وحظرت الحسابات التي تحرّض علي أو تتناولني شخصياً أو تستعمل صوري".
وتشير أبو نبوت إلى أنها طلبت من معارفها عدم مشاركتها ما يُكتب عنها، لأنها لا تصرف وقتها بالجدل الشخصي والرد والدفاع والتبرير، بل بقناعتها أن مواقفها تعبر عن نفسها وأنها تناضل لأجل هذه الحرية.
وتتابع: "نمر بفترات إحباط لأن الوضع السوري معقد وخطير، بالإضافة إلى الضغوط والعزل الاجتماعي المفروضين من موالي السلطة عبر تنظيم أنفسهم بجيوش جرارة للاستهداف والاغتيال المعنوي، إلا أنني أركز على هواياتي، وأناضل لتوعية المجتمع ومنه "جيش الأضحكني"، ولا شيء يبعدني عن الساحة".
وتُرجع سبب خفض معظم الناشطات مستوى نقاشهن وحرية تعبيرهن إلى حجم "الفجور" بالخصومة غير الطبيعية، والذي لا تستطيع كل امرأة مواجهته خصوصاً بعد فقدان معظمهن حواضنهن الاجتماعية، ووجود أقرب معارفهن ضمن المهاجمين إلكترونياً.
"بعد سقوط النظام بشهر صُدمت برسائل تهديد بالقتل وتحريض وتخوين وتشويه سمعة من المتابعين، لكنني امتصصت الصدمة وأحطت نفسي بدائرتي المقرّبة الآمنة، وتوقفت عن فتح أي رسالة مهما كانت هجومية"
من جانبها، توضح الصحافية آلاء عامر أنها لجأت إلى توثيق الحملات التي تعرّضت لها لدى الأمم المتحدة، محملةً وزارة الإعلام السورية مسؤولية عدم اتخاذها أي إجراء رغم تقدّمها بشكوى عبر موقع الوزارة.
وتُبيّن أنها تابعت الموضوع مع عدة جهات حقوقية، بالإضافة إلى أنها محاطة بدائرة لطيفة من العائلة والأصدقاء الذين يدعمونها نفسياً ويؤكدون تضامنهم معها ومع رسالتها وتصديقهم لروايتها، مما جعلها تشعر بالقوة التي مكنتها من الاستمرار في عملها بمهنية.
وتؤكد عامر أن الحملات المسيئة تسيء لأصحابها، معبّرةً عن أسفها لانضمام بعض النساء لحملات الهجوم الإلكترونية على نساء أخريات ليحصدن تفاعلاً اجتماعياً، فهن مستعدات لأن يتحدثن بكلام بعيد من المواطنة والقيم بهدف الشهرة وزيادة المتابعين.
وتتابع لرصيف22: "أصبحت أتعاطف مع السيدات اللواتي جرّهن عالم السوشال ميديا ليسخرن من نساء أخريات رغبةً بالشهرة".
قمع مجتمعي أم سلطوي؟
يلمس السوريون تحسّناً بحرية التعبير بعد سقوط نظام الأسد بحسب مقابلات عشوائية أجرتها وسيلة إعلام سورية "هاشتاغ"، فلا يمكن إنكار حجم المساحة التي أفسحها زوال نظام قمعي ديكتاتوري، لكن موالي السلطة يلعبون اليوم دور "الأمن والشرطة".
تتحدث الإعلامية ساندرا علوش عن حالة الهجوم التي اعتادت عليها قبل سقوط النظام من بعض أطراف المعارضة الذين لا يعجبهم حديثها أو من مؤيدي النظام السابق الذين لجأوا إلى التهديد.
وتروي لرصيف22 تجربتها خلال أحداث الساحل: "عندما كتبت عن المجازر، تلقيت تهديدات بأنني "فلول" وستتم محاسبتي، وبعدها استمر الضغط عبر التعليقات المسيئة وتفاعلات الأضحكني والتبليغات على الصفحة، وعندما رفعت صوتي مجدداً أثناء مجازر السويداء، وصلتني رسائل فيها كلام مسيء بحقي وحق عائلتي، وتهديدات تحذّرني من العودة إلى سوريا، وتُهددني بالوصول إليّ في أوروبا".
وتتابع علوش: "أواجه الهجوم الإلكتروني الشديد بالتوقف عن النشر لمدة قليلة، والمُلاحظ أن السلطة ليست مَن تقمع بشكل أساسي، رغم حدوث اعتقالات لبعض الصحفيين/ات والناشطين/ات، لكن عموماً يوجد مجال لحرية التعبير أفسحته السلطة في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الواقع، أما القمع الأكبر فيأتي من مؤيدي السلطة المتطرفين بتأييدهم، لتتولد حالة من القمع المجتمعي".
وتشرح الإعلامية أحد أساليب استهداف النساء، كأخذ صورة لها نشرتها سابقاً ترتدي فيها لباساً طبيعياً بالنسبة إليها (فستان أو شورت)، لكن المهاجمين يعتبرونه فاضحاً، ثم يستخدمون صورتها عند كتابتها تعليقاً سياسياً ناقداً، والهدف تهديد مبطن بنشر الصورة وفضحها، مبينةً أنها لا تهتم بهذا التهديد لأنها لا تعيش حياتها بالخفاء، فلا يوجد ما هو مسيء بالنسبة إليها لكن من وجهة نظرهم وإيديولجيتهم المتطرفة دينياً، ينظرون إلى كل ما يمارسه المجتمع السوري من حرية فردية وحرية تعبير على أنه تهديد يجب قمعه وصهره في الحالة التي تناسب هيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لها.
وتحاول علوش الاستمرار بالمطالبة بالحريات والحقوق بخاصة عند وجود حالات قتل عشوائية أو تحت التعذيب، مؤكدةً أن الثورة قامت ليعبّر الناس ويطالبوا السلطة والمجتمع بحقوقهم، منوهةً بأنه ليس من مصلحة السلطة أن تترك خطاب الكراهية طليقاً لأنه سيؤثر في شعبيتها وقبولها لدى الفئات الأخرى.
كيف أرد على الهجوم؟
توضح الاختصاصية النفسية رانيا مهنا، لرصيف22، أن سبب لجوء البعض للشتم والتشويه هو الهروب من النقاش الحقيقي، لعدم امتلاكهم حججاً وأدوات فكرية لتفنيد الرأي، فيهاجمون الشخص بدلاً من الفكرة، وأيضاً الصورة النمطية عن النساء، فالمجتمعات المحافظة والذكورية مقتنعة بأن المرأة يجب أن لا تتحدث بالسياسة، وعندما تفعل ذلك يتعاملون مع صوتها كشيء ثانوي يجب عدم سماعه ويقللون من شرعيته ويشككون بصدقيته: "نفسياً، يشعر الأشخاص الذين يلجأون لهذا الأسلوب بالنقص أو التهديد من فكرة اقتحام المرأة مجالاً ذكورياً تقليدياً، وبعضهم لديه رغبة بالاستعراض وكسب جماهير من خلال التنمر على أشياء يشجع المجتمع عليها أساساً".
وتكمل: "اجتماعياً، يكون هؤلاء الأشخاص نتاج بيئة تُكرّس أدواراً نمطية (الرجال للسياسة، النساء للمنزل)، أما ثقافياً، فهم متأثرون بخطاب إعلامي أو ديني أو سياسي يُعيد إنتاج فكرة دونية المرأة، فالهجوم ليس على المرأة كشخص، بل على رمزية كسرها للنمط، والتشويه يصبح وسيلة دفاعية عندما يشعر الرجال أن موقعهم أو سلطتهم مهددة".
وتنصح الاختصاصية النساء اللواتي يتعرّضن للهجوم ألّا يأخذن الهجوم بشكل شخصي لأنه يستهدف رمزية صوتهن وليس شخصهن، وأن يفصلن بين النقد والحملة المسيئة عبر إدارة التواصل والردود، فالنقد البناء يمكن مناقشته، أما الشتائم والتعليقات السلبية فيجب تجاهلها.
وتُوجه مهنا رسالتها للمرأة: "اعلمي أنك لست وحدك، فآلاف النساء واجهن الأمر نفسه، وما يحدث هو جزء من مجتمع معتاد على هذه الممارسات، زيدي من ثقافتك لتناقشي بثقة ومنطقية أكثر، وركّزي على رسالتك الأساسية، واجعلي ردك ذكياً ومنطقياً من دون انفعال، واستخدمي السخرية الإيجابية، فأحياناً ضحكة أو رد ساخر يكسر قوة الهجوم".
من المهم دعم النساء اللواتي يستخدمن صوتهن سلاحاً للدفاع عن المظلومين، لتتغير خارطة طريقهن من حياة لا تشبه ما نريده جميعاً إلى نصرٍ ينتهي بتحقيق مطالبهن
وتشدد الاختصاصية على أهمية بناء دعم مجتمعي للنساء ممن يثقون فيهم من أصدقاء وناشطين وصحافيين يدافعون عن وجود المرأة كجزء أساسي في المجتمع، فالتضامن النسوي يخفف العزلة ويحمي من التنمر، كما يجب توثيق الهجمات لحماية قانونية مستقبلاً، وتأمين الحسابات الشخصية للنساء بكلمات سر وحماية، والتبليغ والحظر للحسابات المسيئة، فهذا ليس ضعفاً، بل حماية لهن ولمساحتهن.
وتُبيّن مهنا أن انتقاء منصة فيها جمهور واعٍ أهم من الوصول لعدد أكبر، وأن الاستمرار بالحديث بهدوء وقوة رسالة بحد ذاتها أن المهاجمين لم يتمكنوا من إسكات النساء.
تحتلّ آليات إسكات الصحافيات والناشطات مساحةً أكبر خلال الصراعات، فهنّ أول من يرفعن أصواتهنّ ويتحدثن بلسان الضحايا، وهذا طبيعي عند ازدياد حدة الانتهاكات والقمع، فعندما تكون الحياة "بامبي" لا حاجة للنقد.
ورغم خطورة الموقف وحساسيته، تُشكّل النساء جزءاً مهماً من عملية النضال، ولا يمكن إقصاؤهن، وبلا شك لا يمكن لوم من اختارت الابتعاد عن ساحة الصراع محافظةً على أمانها.
ومن المهم دعم النساء اللواتي يستخدمن صوتهن سلاحاً للدفاع عن المظلومين، لتتغير خارطة طريقهن من حياة لا تشبه ما نريده جميعاً إلى نصرٍ ينتهي بتحقيق مطالبهن.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



