تامر الجيار… سيرة ذات تبحث عن الاعتراف

تامر الجيار… سيرة ذات تبحث عن الاعتراف

مدونة نحن والحرية

الأربعاء 21 يناير 20269 دقائق للقراءة

هذا النص ليس قراءةً عابرة في ظاهرة رقمية، بل دفاعٌ صريح عن الإنسان، والهامش، وعن تامر الجيار.

تامر الجيار ليس مجرد "إنفلونسر" طارئ أو نكتة عابرة صنعتها المصادفة وخوارزميات السوشال ميديا، بل إنه يمثّل عرضاً اجتماعياً بالغ الكثافة، يكشف تحولات أعمق في معنى الذات، والاعتراف، والنجومية في الزمن الرقمي.

هذا الرجل الذي تحوّل إلى مادة خام لصناعة "الميمز" في مصر والعالم العربي، بعباراته الشهيرة، ومنها "البِتنجان أخد البرغر في حتة تانية"، لا يمثل استثناءً بقدر ما يجسد منطقاً ثقافياً جديداً تُقاس فيه القيمة بمدى الظهور، ويُعاد فيه تعريف الوجود ذاته بوصفه أداءً دائماً أمام جمهور واسع مرئي وغير مرئي في آن.

في هذا السياق، يظهر تامر الجيار بوصفه "ذاتاً قلقة" تحاول أن تنتزع لنفسها موقعاً داخل فضاء لا يعترف إلا بمن يكرر حضوره بلا نهاية، ساعياً إلى الاعتراف عبر الغناء، والشعر، والتمثيل، والرقص، والطبخ؛ لا كخيارات جمالية متماسكة، بل كسلسلة محاولات متلاحقة لترميم هوية تشظت بين ضغط الحاجة المادية وقسوة التهميش الاجتماعي والتماهي مع مهن السوق الجديد وآلياته.

الذات القلقة

تتشابك سيرة تامر الجيار عضوياً مع جغرافيا "السيدة زينب" الشعبية، لا بوصفها مجرد مكان، بل كحاضنة اجتماعية صاغت مساره المهني وهويته الوجودية.

فعلى امتداد خمسة عشر عاماً، راكم جهده اليومي في بناء ما يمكن تسميته "رأسمالاً جسدياً"، منحَه موقعاً ثابتاً داخل عالم صالات الألعاب الرياضية، والحارات الشعبية، حيث لم يكن مجرد تقنيٍّ يعيد تشكيل الأجساد، بل ذاتاً معترفاً بها مؤسسياً (فضاءات الصالات الرياضية والحارات الشعبية) بالمعنى الهيجلي للاعتراف، إذ كان الجيار يمارس سيادة مهنية مستمدة من خبرته المتوارثة، ومن موقعه كمشرف ومدرب يملك مفاتيح المكان وحدود السلطة التي تمنحها ثقة ربّ العمل.

تامر الجيار ليس مجرد "إنفلونسر" طارئ أو نكتة عابرة صنعتها المصادفة وخوارزميات السوشال ميديا، بل إنه يمثّل عرضاً اجتماعياً بالغ الكثافة، يكشف تحولات أعمق في معنى الذات، والاعتراف، والنجومية في الزمن الرقمي

غير أن هذا التوازن الوجودي الآمن له، سرعان ما انهار على نحو درامي مع إقفال "الجيم" عام 2014، ليجد نفسه في أواخر الثلاثينات وجهاً لوجه مع ما يمكن تسميته بـ"الموت المهني" سوسيولوجياً. وحين حاول العودة إلى سوق العمل، اصطدم بمفارقة قاسية: تلاميذه السابقون باتوا رؤساءه الجدد. عند هذه النقطة، لم يكن ما اختبره مجرد تعثر مهني، بل اغتراباً كاملاً في أقصى صوره الحياتية؛ انفصالاً عن ثمرة عمله، وانمحاءً لصورته القديمة في مرايا الآخرين، حتى غدا حضوره المهني شبحاً يتعقب ماضياً لم يعد يملكه.

وفي ذروة هذا التمزق، جاء رحيل الأم، التي مثلت في وعيه "وش السعد" ومصدر اليقين والصبر، كزلزال وجودي لا كفقد عاطفي فحسب، بل كضربة نهائية دفعت بالذات المتشظية نحو الفضاء الرقمي المفتوح.

لم يكن الدخول إلى عالم "تيك توك" تعبيراً عن طموح فني أو نزعة استعراضية، بل جاء بوصفه لجوءاً نفسياً قسرياً، ومحاولة يائسة لترميم الذات استناداً إلى توصية طبية تسعى لانتشاله من قاع الاكتئاب.

هنا، تجلّى مفهوم "الاعتراف" كما صاغه أكسل هونيث في أكثر صوره التراجيدية كثافة؛ فبينما يقوم تقدير الذات على بضع دوائر، أهمهما الحب والتضامن، كان الجيار قد جُرّد من دائرة الحب بوفاة الأم، ومن دائرة التضامن الاجتماعي بانهيار المهنة، فلم يتبقَّ له سوى "الاعتراف الرقمي" كملاذ رمزي أخير للنجاة.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم إصراره على البقاء تحت الأضواء رغم موجات التنمر العنيفة التي تعرّض لها، وجعلته يبكي مراراً أمام الناس، لا كعناد شخصي، بل كخيار وجودي واعٍ: من اختبر الموت الفعلي في واقعه اليومي، لا يعود مهدداً بالموت الرمزي على الشاشات.

هكذا تتحول الاستمرارية من مسألة "جودة" أو "رداءة" فنية إلى فعل نضالي خالص، وإلى صرخة كينونة تُعلن الوجود في عالم سعى مراراً إلى إقصائه.

"مجتمع الاستعراض" وتسليع أصالة الفقر

مع مرور الوقت، أعاد تامر الجيار تشكيل ذاته بوصفها "ذاتاً مستعرِضة"، تجسيداً عملياً لما صاغه غي ديبور في "مجتمع الاستعراض"، حيث لا تعود الصور مجرد انعكاس للواقع، بل تتحول إلى علاقة اجتماعية قائمة بذاتها تتوسط بين البشر.

لم يعد الجيار يعيش حياته بقدر ما يعرضها؛ فحتى لحظات الألم القصوى والحاجة العارية جرى تحويلها إلى مادة قابلة للاستهلاك.

شكّل فيديو "العدس" الشهير، وغيره من الفيديوهات، لحظة مفصلية في هذا المسار؛ إذ لم يكن اللجوء إلى طهي العدس والباذنجان المسقعة اختياراً جمالياً أو درامياً، بل نتيجة مباشرة لضيق ذات اليد والعجز عن توفير مكونات "طبخة" أكثر كلفة لتصويرها.

هكذا، ومن خلال سلسلة من المشاهد البكائية المُتكررة، استخدم الجيار أدوات الاستعراض الرقمي لا ليضخّم الرفاه، كما هو حال كثير من الفاشينيستا والموديل والأنفلونسرز، بل ليعرض نقيضه تماماً: "الفقر الحقيقي" بوصفه محتوى.

هذا الفعل، في جوهره، أعاد إنتاج الهزل والسخرية كرأسمال رمزي، وفق مفهوم بيير بورديو، حيث تحولت نظرات التهكم إلى طاقة اجتماعية قابلة للتراكم، وسيميائيات مُحددة عرُفت بـ مُتلازمة الجيار. فبينما تابعَه الجمهور في البداية بدافع السخرية، كان هو، في المقابل، يراكم انتباهاً خاماً تحوّل تدريجياً إلى شكل من أشكال الشرعية الشعبية.

بحدس فطري أو بدافع البقاء، أقدم الجيار على "تسليع أصالة الفقر"، متحدثاً بلسان "الغلبان" ومخاطباً الدولة والناس من فوق "حلة العدس"، ليبدو في أعين كثيرين "إنساناً حقيقياً" داخل عالم مُفرغ من الصدق والبساطة.

إن هذا التحول من "موضوع للسخرية" إلى "أيقونة للطبقة البسيطة" لا يكشف فقط عن مسار فردي، بل يفضح، أو بمعنى أخف حدة، يوضح منطق الرأسمالية الرقمية ذاتها، التي لا تعير اهتماماً للفارق بين الجاد والهزلي، بقدر ما تكافئ الاستمرارية والقدرة على شدّ الأنظار، بأي شيء يُقدّم.

وبهذا المعنى، نجح الجيار في قلب هشاشته المادية إلى قوة رمزية، أتاحت له الوصول إلى إعلانات، لاسيما الـ"فود بلوغر" في مطاعم مُختلفة، وفرص عمل وأرباح كبيرة، حكى عنها، مُتذكراً أنها ظلت مغلقة أمامه طويلاً بوصفه مواطناً عادياً قادماً من الهامش الاجتماعي والجغرافي.

المسرح الرقمي وإدارة "الوجه" في مواجهة التنمر

في كتابه "تمثيل الذات في الحياة اليومية"، يقدّم إرفينغ غوفمان عدّة مفاتيح لفهم الكيفية التي يدير بها الأفراد الانطباعات التي يتركونها لدى الآخرين.

وفي حالة الجيار، لا نكون إزاء إدارة تقليدية للصورة، بل أمام ما يمكن وصفه بـ"انهيار الكواليس"؛ إذ لا يفصل بين المسرح والخلفية أي حاجز. يصوّر من داخل غرفته المتواضعة، يطبخ في مطبخه البسيط، ويكشف مشاعره وانكساراته بلا مواربة.

هذا "العراء الرقمي" لا يبدو اعتباطياً، بل يشتغل كاستراتيجية دفاعية تهدف إلى انتزاع التعاطف، وحماية "الوجه" من الاغتيال المعنوي الذي يتعرض له بفعل التنمر المستمر.

الجيار، ربما دون وعي كامل، أدرك أن نجاح الأداء على وسائل التواصل الاجتماعي مرهون بردود فعل الجمهور، من إعجابات وتعليقات، ولذلك يحرص في خطابه دائماً على استدعاء قيم "رضا الوالدين" و"الأدب" و"الأصول"، في محاولة واعية لترميم صورته بوصفه شخصاً "متربياً على قديمه"، في مواجهة ما يراه "فُجر الخصومة وقلة الأدب" الموجهة ضده.

غير أن ما يظهر على الشاشة لا يلغي وجود ذات أخرى تقف خلف الكاميرا، ذات تطمح إلى اعتراف فني تقليدي، حيث يظل التمثيل حلماً قديماً متأثراً بنماذج كبرى مثل أحمد زكي. هنا، تتجلى مفارقة لافتة في رفضه طلب المساعدة من ابن عمته الفنان محمد صبحي، إصراراً، كما قال، على إثبات الذات بعيداً من الوساطات، وكأن الجيار يسعى لإقناع نفسه قبل الآخرين بأن "الشرعية الرقمية" التي انتزعها من قاع "تيك توك" كافية لفرضه على المؤسسة الفنية الرسمية، وهذا ما حدث بعد صبر طويل، إذ سيشارك الجيار في أحد مسلسلات شهر رمضان هذا العام.

من هذا المنظور، لا تبدو استمراريته مجرد عناد، بل فعلاً من أفعال "الصمود الوجودي"؛ فهو يدرك أن العالم الرقمي عالم ناعم وقاسٍ معاً، لكنه في الوقت ذاته الفضاء الوحيد الذي يتيح له أن يُرى ويُسمع.

يمكن فهم إصراره على البقاء تحت الأضواء رغم موجات التنمر العنيفة التي تعرّض لها، وجعلته يبكي مراراً أمام الناس، لا كعناد شخصي، بل كخيار وجودي واعٍ: من اختبر الموت الفعلي في واقعه اليومي، لا يعود مهدداً بالموت الرمزي على الشاشات

وفي المحصلة، يعيش الجيار ما يسميه هيغل "الوعي الشقي"، ذلك الوعي الممزق بين توقه لأن يكون فناناً جاداً، وواقعه كشخصية جدلية مثيرة للضحك والالتباس. هذا التمزق ذاته هو الوقود الذي يغذي أداءه المتواصل، حيث تظل الذات الحقيقية في حالة تلاشٍ دائم، كلما ظنت أنها أمسكت بنفسها عبر شاشات الهواتف.

إن "البحث عن تامر الجيار" لا ينتهي، في هذا السياق التحليلي، إلى القبض على سيرة فردية بقدر ما يقودنا إلى مساءلة مصير "الإنسان الرقمي" في زمن الرأسمالية المتوحشة. فالجیار لا يظهر هنا كحالة استثنائية، بل كمرآة عاكسة لقلق جماعي أوسع: قلق الاعتراف، والخوف من التلاشي، والرعب الصامت من أن نُمحى دون أثر في فضاء مكتظ بالصور والأصوات. لقد بات الوجود، في هذا الزمن، منفصلاً عن الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر"، ومشروطاً بدلاً من ذلك بمنطق جديد أكثر قسوة: "أنا أُشاهَد". وسواء اختلفنا مع محتوى الجيار أو دافعنا عنه، فإن حضوره يظل عرضاً اجتماعياً كاشفاً لا يمكن القفز فوقه.

السؤال، إذاً، لا يتعلق بتامر الجيار بقدر ما يتعلق بنا جميعاً: ماذا يعني أن نكون "مرئيين" اليوم؟ وهل أصبح الاعتراف مرهوناً بقدرتنا على تعرية ذواتنا وتحويل هشاشتنا إلى مادة قابلة للتداول؟ وإلى أي حد يمكن للإنسان أن يستمر في الظهور من دون أن يفقد نفسه في هذه العملية؟

يجسد الجيار سردية ذات تصارع كي تظل حاضرة في عالم سريع التبدل، عالم لا يمنح القيمة إلا لمن ينجح في جذب الانتباه والحفاظ عليه. باستخدام أبسط الأدوات: حلة عدس، ساندويتش برغر، وكاميرا هاتف، لا يعلن الجيار فقط "أنا هنا"، بل يضعنا أمام سؤال أكثر إلحاحاً: هل الاعتراف الذي نمنحه اليوم هو اعتراف بالإنسان أم مجرد تصديق عابر على استمرارية الصورة؟ وهل نحن، في سعيِنا الدائم للمشاهدة، نشارك في إنقاذ الذوات الهامشية، أم في استهلاكها واستهلاكنا معها حتى آخر قطرة حضور؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image