"يا فرنسا قد مضى وقتُ العتابِ، وطويناه كما يُطوى الكتابُ، إنَّ في ثورتِنا فصلَ الخطابِ، فاستعدّي وخذي منّا الجوابَ"، بهذه الأبيات الشعرية من النشيد الوطني الجزائري "قسماً"، احتفى نواب البرلمان الجزائري بالمصادقة أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر 2025 على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.
في خطوة وصفت بـ"اللحظة التاريخية" تحت قبة البرلمان الجزائري، صادق مجلس النواب بالإجماع على قانون يضم خمسة فصول و27 مادة. ويهدف إلى "تثبيت المسؤوليات والاعتراف والاعتذار عن جرائم الاستعمار كأساس للمصالحة مع التاريخ وحماية الذاكرة الوطنية".
تأتي هذه المصادقة في سياق تاريخي مثقل بالانتهاكات، ومحاولات جزائرية سابقة باءت بالفشل من أجل تجريم الاستعمار.
في "لحظة تاريخية"، صادق البرلمان الجزائري بالإجماع على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، باعتباره "جريمة دولة ممنهجة". لكن هذه الخطوة "المتأخرة" التي تهدف إلى تثبيت المسؤوليات وحماية الذاكرة الوطنية من النسيان أو الإنكار تثير أسئلة جدية بشأن التوقيت والجدوى
احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، وهو واحد من أطول الاحتلالات وأكثرها بشاعة في التاريخ الحديث إذ استمر حتى العام 1962. وخلال هذه الفترة، ارتكبت فرنسا أبشع الجرائم، من اغتصاب وتهجير وقتل وتشريد، فضلاً عن سلخ الجزائريين عن هويتهم الوطنية.
ولم تتوقف محاولات الجزائريين للاستقلال، وقد قابلتها فرنسا بالانتهاكات المروعة حيث وصل عدد الضحايا الجزائريين خلال 132 عاماً من الاستعمار (تخلّلتها أكثر من سبع سنوات (1954-1962) من النضال المسلح) إلى خمسة ملايين و630 شهيداً، وفق التقديرات الجزائرية التي يروّج مؤرخون فرنسيون أنها مبالغة.
خلفيات ودوافع قانون التجريم
حظي القانون بتأييد واسع داخل الجزائر، في حين اعتبر كثيرون أن توقيت القانون يتصل بتوتر العلاقات الجزائرية - الفرنسية. وشهدت العلاقات بين البلدين تدهوراً ملحوظاً في العام الماضي، بعدما أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء الغربية فيما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو الساعية إلى إعلان دولة مستقلة في الصحراء الغربية.
بالعودة إلى قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، فقد كتب المحامي عمار خبابة في منشور بفيسبوك، أن القانون بمثابة "تشريع للذاكرة"، مشدّداً على أن "النص لا يستهدف ملاحقة أشخاص، وإنما يكرّس توصيف الاستعمار كجريمة دولة ممنهجة، ويؤكد أن الجرائم الاستعمارية لا تسقط بالتقادم". واستطرد بأنه "ليس قانوناً للماضي فقط، بل سندٌ سيادي لحماية التاريخ، ومنع إنكاره، وإبقاء الحق قائماً مهما طال الزمن".
لكن السياسي والأكاديمي خرشي النوي، اعتبر، عبر فيسبوك أيضاً، أن القانون الذي وصفه بأنه "مُرحّب به" ينمُّ "من حيث التوقيت، عن خلل ما في في العلاقة بين السُّلَط"، مذكراً بأن "البرلمانات السابقة حاولت ذلك وتم زجرها بشدة من طرف السلطة التنفيذية لأنها هي من عيّنت البرلمانيين بطريقة أو بأخرى".
من جهة أخرى، يقول النائب في المجلس الشعبي الوطني الجزائري، جوزي مزيان، عضو اللجنة البرلمانية المكلّفة بإعداد مقترح القانون القاضِ بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لرصيف22، إن الدافع إلى هذه الخطوة "تاريخي وأخلاقي ووطني. الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان نظاماً قائماً على نزع الملكية، والعنف، والقمع، وإنكار هوية الشعب الجزائري. هذه الوقائع لا تندرج ضمن التأويل أو العاطفة، بل هي حقيقة تاريخية موثّقة".
ويضيف جوزي: "ذاكرة الاستعمار لا تزال حاضرة في العائلات الجزائرية، وفي المناطق التي عانت ويلات القمع، وفي الروايات المتوارثة جيلاً بعد جيل. أي مبادرة تشريعية تأتي ضمن سياق سياسي، لكن اختزالها في ظرف دبلوماسي معيّن سيكون تبسيطاً مخلّاً".
وفي ما يخصّ التوقيت، يرى جوزي أن غياب اعتراف قانوني واضح بجرائم الاستعمار الفرنسي، بعد مرور 63 عاماً على استقلال الجزائر، يشكّل ظلماً في الذاكرة الجمعية، مشدّداً على أن "مرور الزمن لا يعوّض الحقيقة ولا الاعتراف. وتأتي هذه المبادرة استجابة لمطلب النضج التاريخي والسيادة على الذاكرة الوطنية".
وكانت هناك محاولات سابقة لسن قوانين تجرم الاستعمار الفرنسي أبرزها مبادرة قام بها النائب محمد أرزقي فراد، عن حزب جبهة القوى الاشتراكية، خلال الفترة التشريعية الرابعة (1997-2002). ومن بعده عبد السلام كسال، عن حزب الإصلاح، خلال الفترة التشريعية الخامسة (2002-2007)، ثم موسى العبدي، عن حزب جبهة التحرير الوطني، في أثناء الفترة التشريعية السادسة (2007-2012)، وأيضاً كمال بلعربي، من حزب جبهة التحرير الوطني، في الفترة التشريعية الثامنة (2017-2021)، وأخيراً زكرياء بلخير، عن حزب حركة مجتمع السلم، خلال الفترة التشريعية الحالية (2021-2026).
وعما يميز نص القانون الأخير عن سابقيه، يحدّد جوزي "الوضوح القانوني"، فهو لا يقتصر على إعلان سياسي أو رمزي، بل يصف الاستعمار صراحةً بأنه جريمة، مع الإشارة الدقيقة إلى الممارسات الممنهجة، مثل: المجازر، وعمليات الإحراق بالدخان (الإنفوماد)، والترحيل القسري، ونهب الممتلكات، والاعتداءات الثقافية، والجرائم ضد الإنسانية.
كما يهدف إلى إضفاء طابع مؤسساتي على الذاكرة، عبر ترسيخها في القانون والتعليم والسياسات العمومية، لمنع أي تمييع أو إعادة كتابة للتاريخ، على حد وصفه.
ويتابع جوزي أن نص هذا القانون اعتراف قوي، لافتاً إلى أن "الاعتراف شرط لا غنى عنه لأي مسار لاحق. فهو يفتح أيضاً المجال لآليات عملية، بخاصة في مجالات البحث التاريخي، وحفظ الأرشيف".
وعن إمكان ملاحقة فرنسا قانونياً بموجب هذا القانون، يقول جوزي إن القانون لا يهدف مباشرةً إلى إطلاق ملاحقات قضائية فورية، لكنه يضع أساساً قانونياً وتاريخياً واضحاً يمكن بالاستناد إليه، وعلى المدى البعيد، أن يدعم أي مسعى قانوني مستقبلي، وطنياً كان أو دولياً، إذا توافرت الشروط القانونية والدبلوماسية لذلك دون نزعة انتقامية.
إلى ذلك، يرى جوزي أن مسألة الحصول على التعويضات "معقّدة"، ولا تقتصر على الجانب المادي فقط حيث يركّز النص على تعويضات رمزية أساسية، مثل: الاعتراف الرسمي، وحفظ ذاكرة الضحايا، وتثمين مواقع المقاومة، ونقل التاريخ بأمانة إلى الأجيال القادمة، مردفاً بأن تحديد المسؤولية التاريخية بشكل واضح يوفّر الأسس الضرورية لنقاش مستقبلي هادئ ومسؤول حول أشكال محتملة من التعويض، في إطار احترام القانون الدولي وكرامة الضحايا.
تساؤلات حول الفاعلية والجدوى
في غضون ذلك، أُثيرت تساؤلات حول جدوى هذا القانون وفاعليته. وفي حديثه إلى رصيف22، وبينما يثمّن خطوة التصديق على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، يقول المناضل السياسي براهيم بن عوف إن أهميته "لا تقاس فقط بلحظة تمريره بل بمساره الطويل والمتعثر".
يرى بن عوف أن القانون قد يكون خطوة سيادية حقيقية، لكنه يظل ناقصاً إن لم يُدرَج ضمن رؤية شاملة لحماية الذاكرة الوطنية، مشيراً إلى أن الذاكرة لا تُصان بالنصوص وحدها بل بـ"سياسات عمومية واضحة في التعليم، والبحث التاريخي والأرشيف وبخطاب دبلوماسي ثابت"
ويضيف بن عوف: "غياب الإرادة السياسية الواضحة حال دون ترجمته إلى قانون فعلي طوال أكثر من عقدين. هذا التأخّر يعكس إشكالاً أعمق يتمثّل في غياب مشروع سياسي متكامل للتعامل مع ملف الذاكرة والاكتفاء بإدارته ظرفياً بدلاً من جعله خياراً إستراتيجياً ثابتاً".
من جهة أخرى، يرى بن عوف أن القانون يمكن أن يكون خطوة سيادية حقيقية، لكنه يظل ناقصاً إن لم يُدرَج ضمن رؤية شاملة لحماية الذاكرة الوطنية، مشيراً إلى أن الذاكرة لا تُصان بالنصوص وحدها بل بـ"سياسات عمومية واضحة في التعليم، والبحث التاريخي والأرشيف وبخطاب دبلوماسي ثابت"، مشدّداً على أن "الإرادة الشعبية موجودة ولم تكن يوماً محل نقاش غير أن المشكلة تكمن في غياب مشروع سياسي قادر على ترجمتها بشكل عقلاني ومستدام، بعيداً من ردود الفعل أو الحسابات الظرفية".
أما القيادي في حزب اتحاد القوى الديمقراطية والاجتماعية، سمير بن العربي، فيقول لرصيف22 إن إصدار القانون "مفخرة" لكل الجزائريين والجزائريات، شارحاً "بعد ربع قرن من معارضته من طرف لوبي جزائري خادم وحامي للمصالح الفرنسية في الجزائر، تم أخيراً تمرير القانون بقرار سياسي سيادي استكمالاً للسيادة الشعبية واستقلال الجزائر في وقت مهم جداً في تاريخ العلاقات الجزائرية - الفرنسية".
ويوضح بن العربي أن القانون لا يمكن أن يبقى حبراً على ورق، فالمطلوب استمرار النضال لتحقيق بنود القانون مثل التعويضات، وتقديم خرائط القنابل المغروسة في كثير من مناطق البلاد، وحقوق ضحايا تجارب القنبلة النووية، لافتاً إلى أن تمرير القانون والمصادقة عليه محطة فقط في انتظار محطات أخرى.
الذاكرة في مقابل التوظيف السياسي
بالعودة إلى بن عوف، فإنه يبرز ملف الذاكرة كأحد أكثر القضايا عرضة للتوظيف السياسي، سواء داخل الجزائر أو خارجها، مستدركاً بأن التوظيف لا يقتصر على طرف واحد… داخلياً، استُخدم ملف الذاكرة أحياناً كأداة في الصراعات السياسية أو كبديل من نقاشات اجتماعية واقتصادية أكثر إلحاحاً. وفي فرنسا أيضاً، توظِّف أطراف من الطبقة السياسية ملف الذاكرة الاستعمارية والجالية الجزائرية في صراعاتها الداخلية وهو ما تقر به حتى بعض أصوات المعارضة الفرنسية. هذا التوظيف المتبادل يفرغ الذاكرة من بعدها التحرّري ويحولها إلى ورقة سياسية آنية".
وعن مواقف الأحزاب والقوى السياسية من القانون، يرى سمير بن العربي أن الأحزاب الجزائرية تدعم هذا القرار، مما يحمّلها اليوم مسؤولية متابعة تطبيقه. في المقابل، يعتبر بن عوف أن أغلب المواقف الحزبية لم تُبن على قناعة ورؤية سياسية واضحة بل جاءت في كثير من الأحيان في سياق مرافقة الأحداث أو ركوبها، مردفاً بأنه من النادر أن نجد نقاشاً عميقاً داخل الأحزاب حول الذاكرة باعتبارها ملفاً سيادياً طويل النفس وهو ما يكشف عن أزمة أوسع تتمثّل في غياب مشاريع سياسية حقيقية والاكتفاء بردود فعل ظرفية بدل بناء تصورات إستراتيجية.
اختبار آخر للعلاقات الجزائرية الفرنسية؟
في عام 2017، قام الرئيس الفرنسي، ماكرون، بزيارة الجزائر في إطار حملته الانتخابية، ووصف الاستعمار، في حوار صحافي، بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مما أثار جدلاً واسعاً آنذاك. لكن ذلك لم يحدث تغييراً حقيقياً في الخطاب الرسمي الفرنسي تجاه ماضيه الاستعماري، بعد تولي ماكرون الحكم وإلى الآن، إذ بقيت في إطار تصريحات انتخابية هدفت ربما إلى استقطاب أصوات الجالية الجزائرية الكبيرة المقيمة في فرنسا.
أما ردّ الفعل الفرنسي على قانون تجريم الاستعمار، فجاء كما هو متوقّع، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الفرنسية أن اعتماد الجزائر هذا القانون هو خطوة تأتي بنتيجة عكسية وتمس بـ"إرادة استئناف الحوار الفرنسي - الجزائري، وتعرقل معالجة القضايا التاريخية بهدوء".
يعتقد بن العربي أن "فرنسا الاستعمارية سنّت منذ سنوات قانون تمجيد الاستعمار، وحان وقت تجريم هذا الاستعمار، وفرض العدالة لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم"، مضيفاً "المصادقة على القانون لها تأثير بالغ على مستقبل العلاقة بين البلدين في جميع المجالات"
وفي شأن إمكان تأثير هذا القانون بالسلب على العلاقات الجزائرية - الفرنسية التي تشهد تدهوراً وتوتراً منذ شهور طويلة، يقول بن عوف إن "العلاقات بين الدول لا تُبنى على النسيان ولا على إنكار التاريخ، الاعتراف بالحقيقة لا يضعف العلاقات بل يضعها على أسس أكثر توازناً ووضوحاً. الإشكال ليس في الذاكرة بل في غياب إستراتيجية واضحة للعلاقات الخارجية تجعل من هذا الملف عنصراً ثابتاً في السياسة الخارجية الجزائرية لا ورقة تستعمل عند الأزمات فقط سواء مع فرنسا أو مع غيرها من الدول".
ومن جهة أخرى، يعتقد بن العربي أن "فرنسا الاستعمارية سنّت منذ سنوات قانون تمجيد الاستعمار، وحان وقت تجريم هذا الاستعمار، وفرض العدالة لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم"، مضيفاً "المصادقة على القانون لها تأثير بالغ على مستقبل العلاقة بين البلدين في جميع المجالات". يشير بن العربي بذلك إلى إقرار البرلمان الفرنسي، في شباط/ فبراير 2005، قانوناً يعترف بـ"الدور الإيجابي للاستعمار".
في المحصّلة، يبقى قانون تجريم الاستعمار لحظة تاريخية فارقة في تاريخ الجزائر بالرغم من الانتقادات الموجهة إليه، فهو خطوة تشكّل رسالة للأجيال المقبلة لصون الذاكرة، وفق ما ذكر المؤرخ محمد أرزقي فراد، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويله إلى سياسات ملموسة تحمي الذاكرة الوطنية، وتحقق العدالة للضحايا، وتؤسس لعلاقات سليمة مع فرنسا، بعيداً من الحسابات والمناورات السياسية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



