"ساحات لترويج الإرهاب"؟… الإمارات توقف المِنح الدراسية لطلابها في بريطانيا

سياسة نحن والتطرف

الأربعاء 14 يناير 202610 دقائق للقراءة

غالباً ما شكّلت الجامعات البريطانية منبعاً للفكر والمعرفة للطلاب من دول العالم كافة، ومنها تخرّج كثيرون حُسبوا على النخب، ومنظّرون شكّلت أفكارهم النواة لتغيرات مفصلية في تاريخ شعوبهم، لكن يبدو أن الأمور تغيرت أخيراً، أو على الأقل هذا ما تراه دولة الإمارات العربية المتحدة.

قرّرت الإمارات تقييد التحاق الطلاب بالجامعات البريطانية خشية تعرّضهم للتطرّف، وذلك بتقليص برنامج المنح الدراسية، إذ تعتقد أن الطلاب هناك مستهدفون من الجماعات الإسلامية، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، التي تُصنّف كجماعة إرهابية في الإمارات.

وبناءً على هذا القرار، سيتم التوقف عن تقديم المنح الدراسية التي تغطي الرسوم الدراسية والإقامة وغيرها من النفقات للطلاب الراغبين في الدراسة في المملكة المتحدة. ولا تفرض الإمارات حظراً شاملاً على الدراسة في البلاد، ولا يزال بإمكان الراغبين في دفع تكاليف تعليمهم على نفقتهم القيام بذلك.

وكانت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، ذكرت أن دولة الإمارات العربية المتحدة استبعدت المؤسسات البريطانية من قائمة الجامعات المؤهلة للحصول على منح دراسية حكومية، في ظل تدهور العلاقات بين الحليفين التاريخيين في السنوات الأخيرة.

ففي يونيو/ حزيران 2025، نشرت وزارة التعليم العالي الإماراتية قائمة بالجامعات العالمية التي ستُعتمد منحها الدراسية وتُصدّق على مؤهلاتها، وذلك ضمن إصلاحات حدّت من التمويل المخصص للمؤسسات الأفضل أداءً. وشملت القائمة جامعات في دول، من بينها الولايات المتحدة وأستراليا وإسرائيل وفرنسا، لكنها لم تشمل المملكة المتحدة التي تضم عدداً من أفضل المؤسسات الأكاديمية في العالم، علماً بأن هناك مؤسسات تعليمية رائدة، مثل جامعة مانشستر وجامعة هيريوت وات في إدنبرة، اتخذت من دبي مقراً لها. ويرتبط استبعاد الجامعات البريطانية بالقلق في الإمارات إزاء ما تعتبره خطراً من التطرّف الإسلامي في الجامعات البريطانية.

قرار سيادي لحماية المبتعثين

ويربط المتحدث الرسمي باسم حزب الاستعادة الفرنسي، الدكتور جون مسيحة، في حديثه لرصيف22، هذا القرار بموقف الإمارات السياسي من الإسلام السياسي "الإسلاموية" بسبب ما "عانته" من جماعة الإخوان المسلمين في السابق، يقول: "كان من بين من نفّذوا اعتداء 11 سبتمبر/أيلول 2001 من يحملون الجنسية الإماراتية. والإمارات تكافح هذا السمّ الذي يغيّب عقول الشباب ويدفعهم إلى ممارسات خاطئة، ويُسيء إلى مفهوم الدين واستخدامه لوسائل عنيفة وتشويه الدين الإسلامي".

ترى أبوظبي أن بريطانيا تفتقر للخبرة في مواجهة الإسلام السياسي، ولا تميّز بين الدين وتوظيفه سياسياً، ما سمح بتغلغل جماعات متشددة في جامعاتها. لذا قامت بشطب الجامعات البريطانية من برامج المنح الحكومية

ويرى مسيحة أن أوروبا غائبة عن الوعي والخبرة في التعامل مع الجماعات الإسلامية المتطرّفة، ولا تفرّق بين الإسلام كدين، والجمعيات الإسلامية التي تتستّر بالدين لتحقيق أهداف سياسية، سواء في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أو غيرها. ويؤكد أن تلك الجماعات التي تمثّل الإسلام السياسي تتوغّل في الجامعات والمؤسسات والمدارس والهيئات الرياضية والنوادي في المجتمعات الغربية، وأن بريطانيا أصبحت قطباً للإسلام السياسي، وبخاصة في الجامعات، مضيفاً: "من حق الإمارات ألّا يتعرّض طلابها المبتعثون لهذا الخطر".

من جانب آخر، يقول أستاذ العلوم السياسية في دولة الإمارات الدكتور عبد الخالق عبد الله، في حديثه لرصيف22: "دولة الإمارات اتخذت قرارها السيادي بعدم إرسال أبنائها وبناتها إلى الجامعات البريطانية بسبب تغلغل تيار ظلامي في المؤسسات التعليمية في بريطانيا". ويضيف أن الإمارات سبق أن عبّرت عن مخاوفها للحكومة البريطانية، التي لم تتفاعل مع مخاوفها المشروعة لحماية طلابها من هذا الفكر المتشدّد، الذي يُعدّ مصدراً من مصادر العنف والإرهاب. لكنه يشير، في المقابل، إلى أن هناك جهات أخرى في بريطانيا تتفهم هذا الموقف، كأحزاب سياسية في المعارضة، ولا سيما حزب "The Reform Party".

أما الحقيقة المقلقة، بحسب وجهة نظر الكاتب والباحث السياسي الإماراتي هاني مسهور في حديثه لرصيف22، فهي أن "الغرب لم يُدرك، إلا متأخراً، أن الفكر المتطرّف لم يعد ظاهرة هامشية قادمة من الأطراف، بل انتقل واستوطن في عمق مجتمعاته، متخفياً في خطاب الحقوق، ومتسللاً عبر ثغرات الحرية المفتوحة بلا ضوابط وعي. وحين انفجرت هذه الظاهرة من الداخل، اكتشف الغرب أن أدواته التقليدية لم تكن كافية، بل أسهمت أحياناً في توسيع المشكلة بدل احتوائها".

ويضيف: "في هذا السياق، برز الدور الإماراتي بوصفه دوراً مختلفاً وغير تقليدي داخل منظومة التحالفات الدولية. لم تتعامل الإمارات مع التطرّف باعتباره ملفاً أمنياً صرفاً، بل فهمت مبكراً أن جوهر المعركة فكري قبل أن يكون أمنياً. ومن هنا أعادت تعريف معنى التحالف الحقيقي: ليس تبادل سلاح ومصالح فقط، بل تبادل وعي، ونقل خبرة في فهم بنية التطرّف وكيفية تفكيكه من الجذور. لذلك، فإن تحصين الشباب من تسلّل الأفكار المتطرّفة يستوجب عملاً استباقياً يضمن عدم تسلّل هذه الأفكار عندما يتم ابتعاثهم للخارج للحصول على قيمة تعليمية تفيد المجتمع".

مقاربة خاطئة وغير صائبة بأي حال من الأحوال

من جانب آخر، يقول الكاتب والمحلل السياسي البريطاني جلال الورغي في حديثه لرصيف22، إن هناك مبالغة كبيرة في تضخيم دور الجماعات الإسلامية في بريطانيا، لأن بريطانيا دولة قانون تتصرّف وفق الأنظمة والقوانين السارية فيها، ولا يوجد تأثير كبير وواضح لجماعة الإخوان المسلمين في الجامعات البريطانية.

ويضيف أن ما حصل في الجامعات البريطانية خلال العامين الماضيين يشبه الحراك الشبابي العالمي المنتفض والثوري واليساري المتضامن مع الشعب الفلسطيني، ولم يكن مقتصراً على جامعات بريطانيا فقط، بل شمل جامعات العالم كافة.

معارضو القرار يعتقدون أن هناك "تضخيم" لخطر الجماعات الإسلامية في الجامعات البريطانية، وأن ما جرى يندرج ضمن التحفظ على حراك طلابي عالمي متضامن مع فلسطين.

ويرى الورغي أن هناك حساسية مضخمة، ودفعاً نحو تجريم نشاط طلابي معتاد يطمح للمشاركة في الشأن العام ويميل إلى تبنّي الفكر اليساري والفكر المقاوم. ويعتقد أن الإمارات التقطت ما حدث في الولايات المتحدة، خاصة ما يتعلّق بالمسلمين وعلاقتهم بالملف الفلسطيني، لكن ذلك لا يعني أن بريطانيا والدول الأوروبية ستجاري ترامب، الذي يمتلك مقاربة مختلفة لا يمكن تعميمها. بل على العكس، هناك قلق أوروبي رسمي من النزعة الشعبوية لترامب التي تجرّم حرية التعبير والنشاط السلمي. ومن هنا، فإن مقاربة الإمارات، برأيه، مقاربة خاطئة وغير صائبة بأي حال من الأحوال، وقد تخلق على المدى القصير والمتوسط نخبة طالبية تعاديها في المستقبل، مما يستوجب مراجعة هذا التوجه وهذه السياسات.

ويضيف أن هذا القرار تصعيدي تجاه بريطانيا، ويعود إلى سببين أساسيين: أولهما التباين في الموقف الإماراتي البريطاني من تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، إذ ضغطت الإمارات عبر حملة علاقات عامة مع برلمانيين وسياسيين ووسائل إعلام بريطانية لدفع الحكومة إلى تصنيفهم كذلك، لكن الحكومة البريطانية رفضت هذا المطلب. أما السبب الثاني، فهو تصاعد العداء داخل الجامعات البريطانية ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث قادت حركات طلابية حملات انتقاد للتطبيع الإماراتي مع إسرائيل، ما دفع الإمارات إلى اعتبار الجامعات مراكز لتغذية التطرّف.

ويردف الورغي أن هناك تقاطعاً، أي التقاطاً إماراتياً لبعض التوجهات الأمريكية، لكن لا يمكن الحديث عن تحالف أمريكي إماراتي للضغط على بريطانيا واستهدافها. ويؤكد أن هذا السيناريو غير وارد وغير متخيّل أصلاً، إذ لا يمكن لدولة مثل الإمارات الدخول في اشتباك مع دولة أوروبية حليفة كبريطانيا بناءً على تخمينات بوجود نشاط إسلامي متطرّف. ويخلص إلى أن فكرة التحالف الأمريكي الإماراتي ضد بريطانيا مبالغ فيها ولا أساس لها على أرض الواقع، كما أن محاولة فرض موقف عربي من جماعة الإخوان داخل المشهد الأوروبي يخدم اليمين المتطرّف ويقوّض اندماج المسلمين، ويشكّل خطراً على تلك المجتمعات، لأن مواجهة التطرّف تكون بالاحتواء، وبريطانيا تمتلك برامج احتواء قائمة.

إشادة أمريكية ومن اليمين البريطاني بقرار الإمارات

ويردف هاني مسهور أن إشادة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بالمقاربة الإماراتية تؤكد هذا التحول في الوعي الغربي، معتبراً أنها ليست مجاملة دبلوماسية، بل إقرار دولي بالنهج الاستشرافي للإمارات في حماية العقل الجمعي وتحصينه من الأفكار المتطرّفة قبل تحوّلها إلى تهديد أمني.

حصل القرار الإماراتي على إشادة أمريكية، على اعتباره "يركّز على الوقاية الفكرية قبل المعالجة الأمنية". كما استُخدم داخل من قبل بعض تيارات اليمين داخل بريطانيا بوصفه مادة للنقاش السياسي حول الجامعات، والهجرة، ودور المؤسسات التعليمية

ويقول: "تعكس إشادة فانس إدراكاً أمريكياً متنامياً بأن ما حققته الإمارات ليس مجرد استقرار داخلي، بل نموذجاً قابلاً للاقتداء في عالم اكتشف متأخراً أن التطرّف لم يعد خطراً خارجياً يُصدَّر، بل تحدياً داخلياً يمس بنية المجتمعات نفسها. وهنا تتجلّى قيمة التجربة الإماراتية بوضوح: تحصين العقل قبل ملاحقة الفكرة بعد انفجارها. فالإمارات لا تُصدّر مقاربات أمنية فقط، بل فهماً عميقاً لمعنى الدولة في مواجهة التطرّف: دولة تحمي التعدّد، لكنها لا تساوم على سيادتها الفكرية، وتنفتح على العالم دون أن تترك فراغاً تتسلّل منه الأيديولوجيات الهدّامة. ومع انتقال الخطر إلى عقر الدار الغربية، بات هذا النموذج مرجعاً لا استثناءً".

من جانب آخر، يقول عضو الحزب الجمهوري الأمريكي مالك فرنسيس في حديثه لرصيف22، إن اليمين البريطاني يستغل هذا المناخ المشحون لتضخيم حالات فردية داخل بعض الجامعات، ووصمها زوراً بأنها مراكز للتطرّف الإسلامي، في محاولة لتحويل الجامعات والجاليات العربية والإسلامية إلى أدوات تخويف انتخابي. ويرى أن هذا الخطاب لا يخدم الأمن ولا التعايش، بل يعمّق الانقسام ويقوّض قيم التعدّد التي طالما تباهت بها بريطانيا.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي البريطاني (م. م)، في حديثه لرصيف22، يأتي قرار الإمارات ضمن سياق الموجة الغربية الواسعة لتسييس الجامعات بوصفها ساحات أمن وهوية وهجرة. ويؤكد أن أحزاب اليمين، ولا سيما حزب نايجل فاراج، استغلت القرار الإماراتي لتحويله إلى شهادة ضد سياسات الحكومة، وقدّمته دليلاً على وجود موجة راديكالية داخل الجامعات البريطانية.

ويضيف أن خطاب نايجل فاراج وحزبه يسعى إلى ربط هذا الملف بقضية الهجرة والطلبة الأجانب، لتشديد الرقابة على التأشيرات الطلابية، وتصوير الجامعات بوصفها بوابة هجرة أو مساحة تهاون، والدفع نحو سياسات أكثر تشدداً تجاه الجمعيات والاتحادات الطالبية ذات الطابع الإسلامي والعربي، في سياق توظيف سياسي يسعى إلى تحقيق مكاسب انتخابية والوصول إلى السلطة على حساب الحزبين الكبيرين، المحافظين والعمال.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image