عُرض مؤخراً فيلم "الملحد" في دور السينما المصرية، بعد مسار رقابي متعثر، وفترة طويلة ظل خلالها حبيس المنع والتأجيل، يُعلن خلالها عن موعد عرضه، ثم يُعاد إلى الرف، في دورات متكررة صنعت حوله هالة من القلق والجدل تفوق كثيراً ما يحمله العمل نفسه من محتوى دافع للصدام أو جرأة حقيقية.
هذا المسار لا يمكن قراءته باعتباره قراراً رقابياً تقنياً واضح الأسباب، أو نابعاً من معايير قانونية أو فنية معلنة، بقدر ما يبدو نتاجاً لحالة تخوف رقابي تجاه ردود الفعل الاجتماعية.
في هذا السياق لا يصبح "الملحد" مجرد فيلم عن الإيمان والإلحاد، بل حالة كاشفة لطبيعة عمل الرقابة على السينما المصرية في السنوات الأخيرة، رقابة تتحرك بوصفها وسيطاً قلقاً من الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي، تسعى إلى تجنب الصدام لا إلى تنظيم المجال الفني.
بيت تحت سلطة الدين
فيلم "الملحد" من تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، وبطولة أحمد حاتم، حسين فهمي، محمود حميدة، صابرين، ونجلاء بدر.
تدور أحداثه حول يحيى (يجسّد شخصيته أحمد حاتم)، وهو شاب ينتمي إلى عائلة سلفية متدينة، يعلن إلحاده داخل البيت، فتتحول العائلة إلى ساحة صدام فكري وأخلاقي.
يبدأ الفيلم بمشهد يفصح عن قواعد هذه الأسرة التي يحكمها الأب "حافظ" (يؤدي شخصيته محمود حميدة) بالحديد والنار، مطوّعاً سلطة الدين كوسيلة ليسوس بها أفراد عائلته، عندما يهرع يحيى إلى المنزل محاولاً إيقاف زواج أخته القاصر من شاب يكبرها عمراً، وهي المحاولة التي تبوء بالفشل، فيصدم الجميع بخبر إلحاده.
لا يصبح "الملحد" مجرد فيلم عن الإيمان والإلحاد، بل حالة كاشفة لطبيعة عمل الرقابة على السينما المصرية في السنوات الأخيرة، رقابة تتحرك بوصفها وسيطاً قلقاً من الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي، تسعى إلى تجنب الصدام لا إلى تنظيم المجال الفني
ينقلب توازن الأسرة بالكامل فور إعلان يحيى موقفه، فحافظ لا يتعامل مع إلحاد ابنه بوصفه "أزمة" فكرية أو إنسانية، بل خروجاً على الدين، يُلزمه كأب بتطبيق "حد الردة" على أكبر أولاده، فيمنحه مهلة للاستتابة قبل قتله، باعتبار أن القتل هو النهاية المنطقية لفعل يحيى.
قبل تنفيذ هذا المسار، يلجأ الأب إلى شقيقه كارم (يجسّد الشخصية حسين فهمي)، باعتباره محاولة أخيرة للإنقاذ، يمكنه أن يعيد الابن إلى دائرة الطاعة، غير أن كارم لا يؤدي دور الوسيط فقط، بل يتحول سريعاً إلى نقيض فكري مباشر للأب؛ فهو يمثل نموذجاً مغايراً للتدين: رجل يؤدي الشعائر الدينية لكنه يعمل في صناعة التماثيل لأغراض سياحية، وهي المهنة التي يراها حافظ محرّمة، وامتداداً لعبادة الأصنام.
هذا التناقض لا يضع كارم في موقع المهادن، بل ينقله إلى خط الصراع، إذ يجسد تصوراً للتدين يقوم على التسامح ويمنح العقل والقلب أولوية، فتتحول الشخصية إلى البديل الأخلاقي والفكري الممكن بين التشدد الذي يمثله حافظ والإلحاد الذي يمثله يحيى.
ومن هذه النقطة، ينزلق الفيلم إلى سلسلة مطولة من الحوارات، بين يحيى وعمّه ووالده والمجموعة التي تقوم باستتابته، أو مديرته في العمل وزميلته، حوارات يُفترض بها مناقشة أسئلة الإيمان والإلحاد والعلاقة بين الدين والعقل وبين النص والتأويل، إلا أن هذه النقاشات، على مستوى المعالجة السينمائية، تتحول إلى خطابات مباشرة أقرب إلى محاضرات فكرية، حيث يتكلم طرف مطولاً بينما يكتفي الطرف الآخر بانتظار دوره في هذه المناظرة.
صراع السلطة لا صراع الإيمان
كُتبت شخصية يحيى بوصفها شاباً مثقفاً وقارئاً ومطلعاً، يحمل الكثير من الأسئلة الوجودية والفلسفية، لكن السيناريو يفرغ الشخصية من بعدها الإنساني، فيصبح مجرد حامل لبعض الأفكار المجردة، بأسئلة جاهزة وردود محفوظة، ولا يمر خلال الفيلم بتحول داخلي ملموس يوازي حدة الصراع التي يُفترض أن يعيشها.
في المقابل، تبدو شخصية الأب أكثر تماسكاً من الناحية الدرامية، فعلى الرغم من قسوتها وتطرفها، إلا أنها شخصية متسقة مع ذاتها ومع منطقها الخاص، ولا تقدم على فعل لم يكن النص قد مهّد له مسبقاً، ما يجعلها أكثر إقناعاً من الشخصية التي يُفترض أنها مركز الصراع.
في الأجزاء الأخيرة من "الملحد"، يُكشف عن جزء مظلم من ماضي يحيى ووالده، ويقود ذلك، من حيث لا يبدو الفيلم واعياً له تماماً، إلى نتيجة لافتة، فالصراع الذي يخوضه يحيى لا يتجه نحو "الإله"، أو فكرة الإيمان بحد ذاتها، بقدر ما يتجسد في مواجهة مباشرة مع الأب بوصفه السلطة المطلقة التي تحتكر تعريف الدين وتمارسه باعتباره أداة قهر.
الإلحاد هنا لا يُطرح كتجربة فكرية نابعة من شك وجودي عميق، أو رحلة تساؤل فلسفي معقدة، بل يظهر غالباً كفعل احتجاجي على نموذج أبوي ظالم، يختزل الدين في الطاعة والعقاب، ويغلق أي مساحة للحوار أو الاختلاف.
بهذا المعنى لا يبدو أن يحيى في صراع حقيقي مع الدين ذاته، بقدر ما هو صراع مع صورة مشوهة له، يمثلها الأب بوصفه مرجعية نهائية لا تقبل النقاش.
الإيمان والإلحاد لا يتواجهان كمنظومتين فكريتين متكافئتين، بل يتحولان إلى أدوات داخل صراع سلطوي بين أب وابنه، وهو ما يفرغ القضية من عمقها الفلسفي، ويحولها إلى نزاع عائلي مغلف بخطاب ديني، حيث يصبح الإلحاد رد فعل على القمع لا سؤالاً وجودياً مستقلاً.
وإن كان الصراع في الفيلم لا يتمحور فعلياً حول الدين، فإن طبيعة هذا الصدام تجعله قابلاً للاستبدال بسهولة، فالمواجهة القائمة بين يحيى ووالده كان من الممكن أن تُبنى داخل أي إطار فكري آخر: شيوعية في مواجهة رأسمالية، تفكير علمي مقابل آخر تقليدي، أو حتى أسلوب حياة حديث في مواجهة آخر محافظ. الدين هنا لا يعمل بوصفه جوهر الأزمة، بل كغلاف رمزي لصراع أعمق أساسه تمرد الابن على السلطة لا اعتراضه على الإيمان ذاته.
على عكس الصورة التي صُنعت حول الفيلم قبل عرضه، لا يمكن اعتبار فيلم "الملحد" عملاً صدامياً مع الدين، لا في طرحه ولا في مساره الدرامي، فالفيلم لا يسعى إلى تفكيك فكرة الإيمان أو مساءلتها من الأساس، بل على العكس، تقود أغلب مساراته السردية البطل نحو دوائر الإيمان ذاتها، سواء عبر شخصيات تمثل التدين المعتدل، أو من خلال إعادة التأكيد المستمر على البعد الأخلاقي والإنساني للدين.
لدينا شخصيات مثل العم كارم أو الطبيبة إلهام (تؤدي شخصيتها شيرين رضا)، مديرة يحيى في العمل، التي تصر على أن أزمة الأخير تعود إلى شعوره بالاكتئاب. وتالياً لا يُقدَّم الإلحاد هنا بوصفه موقفاً معرفياً متكاملاً أو بديلاً فلسفياً قائماً بذاته، بل حالة مؤقتة، أقرب إلى أزمة شخصية منها إلى قناعة فكرية، أو صرخة تمرد من شاب ضد والده.
من هنا يصبح من الصعب فهم حجم القلق الرقابي الذي أحاط بالفيلم، إذ إن العمل لا يهدم يقيناً، ولا يفتح أفقاً صدامياً مع المقدسات، بل يعيد توجيه الصراع بعيداً من الإيمان ذاته، نحو السلطة التي تتحدث باسمه، أي أشخاص قد يصيبون ويخطئون، وهو ما يجعل الجدل المسبق حول الفيلم أكبر بكثير مما يحتمله نصه فعلياً، ويمهد لقراءة أزمة المنع بوصفها نتاج خوف من مجرد الاقتراب من الموضوع لا من مضمونه الحقيقي.
لا يكشف فيلم "الملحد" أزمة إيمان بقدر ما يعري أزمة السلطة الأبوية، ولا يطرح الإلحاد كسؤال فلسفي بقدر ما يقدمه كعرض جانبي لصراع عائلي خانق
يعود جزء معتبر من تخوفات الرقابة المحيطة بفيلم "الملحد" إلى القلق من ردود الفعل المجتمعية المحتملة، لا إلى مضمون الفيلم ذاته، ردود فعل قد تأتي من دون حتى مشاهدة الفيلم، بمجرد قراءة العنوان.
ففي سياق ثقافي تميل فيه القضايا الدينية إلى التحول سريعاً من نقاش فني إلى محاكمة أخلاقية، يصبح العمل الفني معرضاً للتحميل بما يتجاوز نصه، ويصبح صنّاعه عرضة للوصم الشخصي.
هذا المناخ يفسر، إلى حد كبير، الحذر الرقابي المفرط، الذي لا يسعى فقط إلى ضبط ما يُعرض على الشاشة، بل إلى تجنب تبعات اجتماعية قد تمتد خارج إطار الفيلم نفسه.
في المحصلة، لا يكشف فيلم "الملحد" أزمة إيمان بقدر ما يعري أزمة السلطة الأبوية، ولا يطرح الإلحاد كسؤال فلسفي بقدر ما يقدمه كعرض جانبي لصراع عائلي خانق.
وبين الرقابة الرسمية، ورقابة مجتمعية أكثر قسوة وسبقاً في إصدار الأحكام، يتحول الفيلم من عمل فني إلى اختبار لحساسية المجال العام نفسه. اختبار لا يسأل: ماذا يقول الفيلم؟ بقدر ما يكشف إلى أي حد ما زال مجرد الاقتراب من بعض الأسئلة كافياً لإشعال الخوف، حتى حين لا يحمل النص في داخله كل هذا الخطر المتخيل.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



