هل تهزّ الحميات الكيميائية عرش حِقن

هل تهزّ الحميات الكيميائية عرش حِقن "مونجارو" و"أوزمبيك"؟

حياة نحن والحرية

الجمعة 16 يناير 20267 دقائق للقراءة

لوهلة كدت أفشل في التعرف إلى يوسف عندما صادفته في محل الجزارة، بعد ستة أشهر تقريباً عن رؤيتي له آخر مرة، لكن الكيلوغرامات الـ35 التي فقدها، الثقة والمرح اللذان كان يتحدث بهما مع زبائنه، أشعرتني أنني أمام رجل مختلف تماماً.

وبينما كنت أدوّر في رأسي الاحتمالات التي يمكن أن تسبب له هذا التغير الجذري، ابتسم لي قائلاً: "حمية كيميائية".

حمية صارمة

تقوم الحميات الكيميائية على مبادئ كيمياء الأغذية الذي يقوم على دراسة المكونات البيولوجية الأساسية للغذاء، بما في ذلك التفاعلات والعمليات التي تشمل الدهون والكربوهيدرات والبروتينات.

يقول يوسف (36 سنة) من صافيتا السورية، عن نظام الحمية الكيميائية الذي يتبعه: "كنت أقصد مركز الاختصاصي كل أسبوع، حيث كان يقيس وزني ويسألني عمّا إذا هناك تأثيرات جانبية، ثم يعطيني نظام الأسبوع التالي".

عندما نتحدث عن خسارة الوزن السريعة، ترد إلى أذهاننا عمليات تكميم المعدة وحقن مونجارو وأوزمبيك التي باتت "ترند" هذه الأيام رغم كلفتها الباهظة وآثارها الجانبية، ولكننا قلّما نسمع بمصطلح الحمية الكيميائية، رغم أنها الأقل كلفة والأكثر أماناً إذا تمت تحت إشراف المختصين/ات

ويشرح يوسف، الذي يعمل كلحام، أن النظام الأسبوعي عبارة عن ثلاث أو أربع وجبات يومية تتضمن كميات مدروسة من أنواع محددة من الطعام عالية البروتين وفيها الكثير من الخضار، إضافة إلى شرب كوب من الماء كل ساعة ونصف ساعة تقريباً والمشي نحو نصف ساعة يومياً والامتناع عن الكحول والمشروبات الغنية بالسكر: "شعرت بالجوع الشديد في الأيام الثلاثة الأولى ثم بدأ جسمي يعتاد الأمر وكمية الطعام القليلة".

ويضيف: "الحمية صارمة جداً، حبة تمر واحدة تعتبر مخالفة ومخرّبة للنظام"، كاشفاً أنه خلال الـ6 أشهر تقريباً خسر نحو 35 كيلوغراماً من وزنه.

لا تحتوي الحميات الكيميائية على أي نوع من الأدوية أو العقاقير، إنها نمط من أنماط التغذية العلاجية Nutritional Therapy المعرفة وفق الرابطة البريطانية للتغذية والطب النمطي للحياة BANT على أنها "نهج شخصي قائم على الأدلة يستخدم علم التغذية وتغييرات نمط الحياة للوصول بالصحة إلى المستوى الأمثل ومعالجة مشكلات صحية محددة. يتضمن ذلك تقييماً شاملاً لنظام غذاء الشخص وتاريخه الصحي ونمط حياته وأعراضه بهدف إنشاء خطة مفصّلة ومصممة خصيصاً له، وقد تشمل هذه الخطة تعديلات غذائية، أو مكملات غذائية، أو توصيات أخرى متعلقة بنمط الحياة، ويُعتبر هذا النوع من العلاج علاجاً مكملاً يعمل جنباً إلى جنب مع الطب التقليدي، وليس بديلاً منه".

بدورها، تتحدث ريما (33 سنة) من دمشق، عن تجربتها مع هذا النوع من الحميات: "بعد الإنجاب اكتسبت وزناً اضافياً وقمت بالتواصل من طريق الانترنت مع مركز اختصاصي التغذية للحصول على حمية لخفض الوزن، طُلب مني بادئ الأمر ملء استمارة تتضمن معلومات شخصية مثل العمر، الأدوية المزمنة، نمط العمل، جودة النوم، الاضطرابات الهرمونية، التدخين، اضطرابات الغدة، الحمل والإرضاع وتفاصيل أخرى، ثم أُرسلت إليّ صورة تتضمن أشكالاً متنوعة لتموضع الدهون في الجسم لأختار أقربها إلى شكل جسدي، وطلب مني أيضاً إجراء بعض التحاليل، وبعد ذلك أرسل إليّ رابط فيديو يشرح فيه الاختصاصي معلومات هامة عن هذا النوع من الحمية، ثم أُرسل إليّ نظام الأسبوع الأول".

وتتابع بالقول لرصيف22: "نظامي كمرضعة كان عبارة عن خمس وجبات في اليوم، تتنوع بين البيض واللحوم والألبان والخضار والفواكه والمكسرات، علاوة على شرب المياه بشكل منتظم، وفي صباح اليوم السادس من كل أسبوع أرسل وزني وأبلغ عن أي أعراض جانبية شعرت بها ثم يصلني مساء نظام الأسبوع التالي".

وعن النتائج، تقول ريما التي تعمل كموظفة: "بفضل الحمية، خسرت عشرة كيلوغرامات (من 76 إلى 66 كلغ) خلال تسعة أسابيع دون أي أعراض جانبية".

وحول وجود أدوية أو مستحضرات في نظام الحمية الكيميائي، تجيب ريما: "تم التأكيد من المركز على ضرورة ابلاغ الطبيبة التي تتابع حالتي الصحية باتباعي الحمية والالتزام التام بالأدوية التي وصفتها لي، ولم يوصف لي أي دواء إضافي باستثناء بعض المليّنات لمعالجة حالات الإمساك العرضية".

إرادة عالية للإلتزام

عندما نتحدث عن خسارة الوزن السريعة، ترد إلى أذهاننا عمليات تكميم المعدة وحقن مونجارو وأوزمبيك التي باتت "ترند" هذه الأيام رغم كلفتها الباهظة وآثارها الجانبية، ولكننا قلّما نسمع بمصطلح الحمية الكيميائية، رغم أنها الأقل كلفة والأكثر أماناً إذا تمت تحت إشراف المختصين/ات.

إن مدرسة الحميات الكيميائية هي واحدة من مدارس خفض الوزن الكثيرة، وهي خلاصة مزج علمي كيمياء الأغذية والتغذية العلاجية، ورغم أنها تنتمي إلى الطرق الفاعلة والموثوق بها لخسارة الوزن إذا ما تمت بإشراف المختص إلا أنها قد لا تناسب الكثيرين، فهل ستهزّ عرش "نونجارو" و"أوزمبيك" ضمن خيارات الباحثين عن رشاقة أسرع؟

ولعلّ السبب في عدم شهرتها هو أنها من الطرق الصارمة وعديمة المرونة، فضلاً عن كونها تحتاج إرادة عالية للالتزام، والأهم من ذلك أنها يجب ألا تتبع إلا من طريق مختص في التغذية العلاجية، لأن خسارة الدهون باتباع الحميات الكيميائية لا تكون بسبب قطع الشهية وتخفيف الجوع أو تقليل الامتصاص، إنما بالسير ضمن باقتين متكاملتين: باقة غذائية يكون الاختصاصي/ة مسؤولاً عنها حين يعطي فعلاً غذائياً ويراقب رد الفعل الفيزيولوجي، وأخرى سلوكية يقوم بها الشخص أثناء الحمية وبعدها تضمن تصحيح العادات الغذائية الخاطئة التي أوصلت صاحبها أساساً إلى البدانة، مثل ضبط مواعيد الوجبات وكمياتها ونوعيتها، التركيز على شرب المياه بكميات وافية، الأكل والشرب جلوساً، والحصول على نوم كافٍ، وغيرها من السلوكيات الصحية التي يضمن الالتزام بها الحفاظ على استقرار الوزن بعد انتهاء الحمية.

تقول ندى (30 سنة) من طرطوس: "جربت الحمية الكيميائية منذ نحو 8 سنوات وخسرت 12 كيلوغراماً تقريباً، إلا أنني عاودت اكتساب الوزن بسبب الحمل والرضاعة والعودة لنمط الحياة الفوضوي".

وتضيف لرصيف22: "جربت مدارس أخرى لخسارة الوزن لكنني لم أستطع الالتزام بها، لهذا ترددت كثيراً قبل أن أتوجه إلى الاختصاصي مرة أخرى، لأنني أعرف أن عدم الدخول في هذه الحمية أفضل بكثير من الدخول ثم عدم الالتزام. مضى شهر على إعادة الالتزام بدأت بوزن 80 كلغ وخسرت حتى الآن نحو 7 كيلوغرامات".

مخاطر الحميات الكيميائية

في المقابل، تتحدث اختصاصية التغذية، هبة عبد الرحمن، لرصيف22 عن مخاطر الحميات الكيميائية: "إن تسمية الحميات الكيميائية ملغومة، إذ يروج لها على أنها أطعمة بنظام معين تحدث تفاعلات داخل الجسم فتسبب انخفاضاً سريعاً في الوزن، ولكن في الحقيقة لا يوجد في علم التغذية شيء كهذا، الريجيمات التي تسمى كيميائية ورائجة عبر الانترنت مثل ريجيم الماء أو التمر أو التفاح لا تستهدف دهون الجسم، بل تسبب خسارة في الكتلة العضلية وهذا ما ينتج منه لاحقاً ضعفاً في الاستقلاب، وأيضاً تستنفد مخازن الجسم من الفيتامينات والعناصر الغذائية مسببة الضعف والوهن".

"الحمية الأفضل هي تلك التي يمكن أن تتحول إلى نمط حياة"

وتتابع: "هناك العديد من الخطوط العريضة الغذائية والسلوكية التي يمكن لأي إنسان أن يتبعها ليحافظ على وزن صحي، أما في حال علاج السمنة فمن الضروري التوجه إلى مركز اختصاصي تغذية فكل جسم هو حالة خاصة، وحتى في حال الإشراف المختص على عملية استهداف الدهون لا يحبذ أن تكون الخسارة سريعة، لأنها ستكون مبنية على التجويع والحرمان وتالياً ستكون ردة الفعل هي العودة لتناول الطعام بشراهة ومعاودة اكتساب الوزن".

وتختم حديثها بالقول: "الحمية الأفضل هي تلك التي يمكن أن تتحول إلى نمط حياة".

إن مدرسة الحميات الكيميائية هي واحدة من مدارس خفض الوزن الكثيرة، وهي خلاصة مزج علمي كيمياء الأغذية والتغذية العلاجية، ورغم أنها تنتمي إلى الطرق الفاعلة والموثوق بها لخسارة الوزن إذا ما تمت بإشراف المختص إلا أنها قد لا تناسب الكثيرين، فهل ستهزّ عرش "نونجارو" و"أوزمبيك" ضمن خيارات الباحثين عن رشاقة أسرع؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard
Popup Image