"أنا الرقم واحد"... ماذا تقول "الأنا" عن نجومية المشاهير؟

حياة نحن والحرية

الخميس 8 يناير 20267 دقائق للقراءة

"أنا أشهر شخص في العالم. اذكر لي شخصاً واحداً أشهر مني"، هكذا قال كريستيانو رونالدو، بينما صرّح محمد رمضان: "أنا الرقم واحد، والأشهر في الشارع"، أما كانييه ويست فقد أعلن: "أنا الفنان الأكثر تأثيراً في جيلي".

تثير هذه التصريحات عاصفة من الجدل إذ يبرز طابعها الاستثنائي في خروجها عن النهج السائد بين المشاهير الذين غالباً ما يحرصون على تقديم تصريحات متزنة ويتجنبون المقارنة مع نظرائهم في المجال عينه، مهما بلغوا من تميّز وتفوّق.

في آخر ظهور لنجم كرة القدم كريستيانو رونالدو في "Piers Morgan Uncensored"، برنامج الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، أطلق النجم البرتغالي تصريحات لافتة قارن فيها نفسه بنجوم عالميين آخرين مثل ديفيد بيكهام وليونيل ميسي من حيث الموهبة والشهرة، مما أعاد إلى طاولة النقاش الأسباب التي قد تكون وراء تواتر التصريحات المثيرة من طرف النجوم.

"الأنا" لحماية الذات من النقص

في حديثها مع رصيف22، توضح أستاذة علم النفس، جيهان النمرسي، أن علم نفس الأنا (Ego Psychology) يساعد في تفسير بعض التصريحات المغرورة والنرجسية للمشاهير عبر فهم الحيل الدفاعية التي يستخدمها "الأنا" لحماية الذات من النقص.

"هذه الكلمات من طرف المشاهير التي تتسم بالغرور قد تكون درعاً للأنا ضد الشعور بالضعف، خصوصاً إذا جاءت من طفولة مليئة بالتحديات، كأنهم يعوضون عن ماضٍ لم يمنحهم الثقة الكافية، بعيداً من أضواء الشهرة والمال"

وتضيف النمرسي: "من أبرز النظريات المفسرة لهذه التصريحات هي ميكانيزمات الدفاع، مثل ''التعويض الزائد'' (Overcompensation)، إذ يحاول الفرد (النجم) إنكار شعوره بالنقص أو التعويض عنه بصورة مبالغ فيها، وذلك ما تشرحه نظريات فرويد ويونغ حول تأثير خبرات الطفولة واللاوعي على سلوك الأنا وتشكيل التصرفات المغرورة''.

وتختم بالقول: "هذه الكلمات من طرف المشاهير التي تتسم بالغرور قد تكون درعاً للأنا ضد الشعور بالضعف، خصوصاً إذا جاءت من طفولة مليئة بالتحديات، كأنهم يعوضون عن ماضٍ لم يمنحهم الثقة الكافية، بعيداً من أضواء الشهرة والمال".

ومن بين الأبحاث البارزة حول هذا الموضوع، دراسة أجراها الباحثان مارك يونغ ودرو بينسكي، على مدى عشرين شهراً شملت 200 من المشاهير (142 ذكراً و58 أنثى) بمتوسط خبرة 12 عاماً، ظهروا كضيوف في برنامج (Loveline) الإذاعي.

وقد استخدمت الدراسة مقياس الشخصية النرجسية التي كشفت أن المشاهير أكثر نرجسية بشكل ملحوظ من عامة الناس، بينما سجل نجوم تلفزيون الواقع أعلى الدرجات، يليهم الكوميديون ثم الممثلون والموسيقيون.

وبحسب هذه الدراسة، لا توجد علاقة بين النرجسية وسنوات الخبرة، مما يشير إلى أن بعض المشاهير يمتلكون سمات نرجسية قبل دخول المجال، وليست الشهرة سبباً في نرجسيتهم.

وعليه، ما يوصف بالتصريحات المغرورة والنرجسية من طرف بعض المشاهير ليس بالضرورة عفوياً أو زلة لسان، إنما قد يرجع لأسباب نفسية دفينة، لكن الأمر لا يقتصر على هذا العامل فقط، بل يرتبط أيضاً بعملية التواصل من طرف المشاهير.

تواصل المشاهير العرب... مدروس أم عفوي؟

يختار المشاهير العرب تواصلهم بطرق مختلفة، سواء من حيث كثافة أو فتور الحضور الإعلامي، واللجوء لمستشارين في التواصل.

في حديثه مع رصيف22 حول اتهام بعض الفنانين العرب بالغرور في تواصلهم الإعلامي، يشير الناقد السينمائي، ضياء مصطفى، إلى أنه على الرغم من استعانة العديد من هؤلاء الفنانين بمتخصصين في إدارة الأعمال أو اعتمادهم على مستشارين أو حتى وجود أصدقاء لهم في المجال الصحافي والإعلامي يقدمون لهم الاستشارات غير الرسمية في مجال التواصل، إلا أن ذلك لا يمنع صدور تصريحات عفوية أو مثيرة للجدل: "يُطلق بعض الفنانين العرب تصريحات تبدو عفوية لكنها مقصودة، بهدف الرد على اتهامات معيّنة أو إثارة الجدل لجذب الأضواء وفتح فرص عمل جديدة، وقد تكون هذه نصيحة بعض المقربين منه".

"ما قد يبدو غروراً من الفنانين في منشوراتهم هو أحياناً مجرد رد، فمثلاً وصف محمد رمضان لنفسه بأنه الرقم واحد جاء كرد على من لم يثق فيه في بداياته ولم يمنحه الفرصة"

ويضيف: "يفضل البعض تجنب التصريحات في المهرجانات لطابعها السريع والعفوي، مقابل المقابلات التلفزيونية التي تتيح مساحة أكبر للتحضير والتركيز أكثر على الإجابات، بخاصة البرامج الترفيهية"، مشيراً إلى أن النجاح في التواصل يعتمد على ثقافة الفنان وإتقانه لمجاله ومهاراته في التعبير.

وعن رأيه في تأثير بروز شبكات التواصل الاجتماعي على تواصل المشاهير العرب، يوضح ضياء أن مواقع التواصل أصبحت بالنسبة إلى الفنانين بديلاً من الصحافة التقليدية، خصوصاً من طرف الفنانين الشباب، من أجل ترسيخ صورة أكثر حقيقة عن الفنان كإنسان.

ويستدرك بالقول: "ما قد يبدو غروراً من الفنانين في منشوراتهم هو أحياناً مجرد رد، فمثلاً وصف محمد رمضان لنفسه بأنه الرقم واحد جاء كرد على من لم يثق فيه في بداياته ولم يمنحه الفرصة".

"فرق بين السماء والأرض"

للوقوف على الفارق بين تواصل المشاهير العرب ونظرائهم في دول أخرى، يشارك الإعلامي المغربي سيمو بنبشير، الذي غطى مهرجانات عربية وعالمية من بينها حفل الأوسكار، ملاحظاته حول الاختلاف الذي لمسه بين هوليوود والعالم العربي، ويقول لرصيف22: "الفرق ما بين السماء والبحر لأن في هوليوود، يعتمد النجوم على استراتيجية معيّنة وفرق احترافية متكاملة تضم مسؤولي العلاقات العامة ووكلاء الأعمال، حيث يُحضّر كل تفصيل مسبقاً قبل أي مقابلة، من المحاور التي ستُطرح إلى الملابس التي سيرتديها النجم. أما في عالمنا العربي، فكثيراً ما يوكل بعض المشاهير هذه المهام الحساسة لأفراد من دائرتهم الشخصية، من دون استثمار حقيقي في بناء مهن تواصلية احترافية بأجور تعكس أهمية الدور، وهو ما ينعكس بالسلب على جودة التواصل الإعلامي لهؤلاء النجوم".

ويؤكد بنبشير أن هذه الفوارق تتجلى عموماً في اختلاف مفهوم النجومية وتدبيرها بين هوليوود والعالم العربي، إذ تتجسد في هوليوود في صرف جزء من الأرباح الكبيرة للفنانين كاستثمار لخدمة صورتهم كماركة (براند) وليس أشخاصاً فقط.

استراتيجية "ترويج الذات"

بعيداً من المقابلات الإعلامية التقليدية، تُظهر وسائل التواصل الاجتماعي بُعداً آخر لأسلوب تواصل المشاهير.

فقد أجرى الباحث خالد شاكر جاويش، من جامعة القاهرة، دراسة تحليلية لـ485 منشوراً في إنستغرام لاثني عشر فناناً عربياً من ستة بلدان خلال ثلاثة أشهر.

كشفت النتائج أن استراتيجية "ترويج الذات" تصدرت بنسبة 59.8% من المنشورات تليها تلك التي تضم "المجاملة والتودد" بـ10.7%.

ليست كل التصريحات المثيرة للمشاهير دليل غرور بقدر ما هي انعكاس لسيكولوجية معقدة واستراتيجيات تواصل متباينة الاحترافية، في عصر أصبحت فيه الشهرة صناعة تتطلب إدارة واعية ومستمرة لصورة المشاهير

بحسب الدراسة، استهدف الفنانون رسم صور ذهنية ترتبط بالجدارة والموهبة والجمال والنجاح والحياة العائلية الناجحة.

وتعدّ الفنانات، بحسب البحث، أكثر استخداماً لترويج الذات (68.3%)، بينما يتفوق الفنانون الرجال في المجاملة، كما أن الفنانين الأصغر سناً يميلون لترويج الذات بينما الأكبر سناً يفضلون المجاملة.

في نهاية المطاف، ليست كل التصريحات المثيرة للمشاهير دليل غرور بقدر ما هي انعكاس لسيكولوجية معقدة واستراتيجيات تواصل متباينة الاحترافية، في عصر أصبحت فيه الشهرة صناعة تتطلب إدارة واعية ومستمرة لصورة المشاهير.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

من 12 سنة لهلّق، ما سايرنا ولا سلطة، ولا سوق، ولا تراند.

نحنا منحازين… للناس، للحقيقة، وللتغيير.

وبظلّ كل الحاصل من حولنا، ما فينا نكمّل بلا شراكة واعية.


Website by WhiteBeard
Popup Image