إشكاليات قانون الانتخابات في لبنان… كيف يصبح أكثر عدالةً في التمثيل؟

إشكاليات قانون الانتخابات في لبنان… كيف يصبح أكثر عدالةً في التمثيل؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 22 ديسمبر 202510 دقائق للقراءة

نحو أربعة أشهر تفصلنا عن موعد الانتخابات النيابية اللبنانية المقرّرة في أيار/ مايو 2026. وعلى الرغم من ضبابية المشهد في ما يخصّ إجراء الانتخابات أو تأجيلها، فإن هذا الاستحقاق سيُجرى وفق قانون الانتخاب النسبي الذي سبق أن خَبرَهُ اللبنانيون في الانتخابات السابقة، خلال دورتيّ 2018 و2022.

ويُقسّم القانون الانتخابي، الذي أُقر في حزيران/ يونيو 2017، لبنان إلى 15 دائرة انتخابية كُبرى، وتنقسم بدورها إلى دوائر صغرى باعتبارها أقضية، وتراوح أعداد المقاعد في كُل دائرة بين خمسة و13 مقعداً، في حين بقي العدد الإجمالي للمقاعد النيابية 128 مقعداً، مقسّمة مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين ونسبياً بين المذاهب.

مع ذلك، تبقى هناك إشكاليات عدة متصلة بتطبيق هذا القانون، وإصلاحات واجبة ليصبح قادراً على إفراز انتخابات (وبالتبعية برلمان) أكثر تمثيلاً للبنانيين، وهو ما نناقشه في هذا التقرير.

الخلفية السياسية للقانون الانتخابي

إقرار القانون الانتخابي الحالي، الذي اعتمد النظام النسبي بدلاً من الأكثري لأول مرة في تاريخ لبنان، جاء في إطار تسوية بين الأحزاب السياسية التقليدية بما يتناسب مع مصالحها ويُكرّس سطوتها على المجالس النيابية.

عدم المساواة في قيمة الأصوات الانتخابية، وعدم الحسم ضد المال السياسي، وتجميد مقاعد المغتربين… عن إشكاليات قانون الانتخابات الحالي في لبنان وتأثيرها في عدالة التمثيل في البرلمان القادم

ويُشير أمين عام الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات "لادي"، عمار عبود، في حديث إلى رصيف22، إلى أن هذا القانون جاء نتاج مفاوضات بين ستة أحزاب، هي: "التيار الوطني الحر" والقوات اللبنانية وتيار المستقبل و"حزب الله" وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، مضيفاً "لقد راعى معظم متطلباتها. فعلى سبيل المثال، جاء الصوت التفضيلي كمطلب للأحزاب المسيحية (التيار والقوات)، إذ إنها أقلّية وتريد من خلال الصوت التفضيلي تجيير أصواتها لتصبح مؤثّرة حتّى في الدوائر الإسلامية".

ويلفت عبود إلى أن "هذه الأحزاب، ولا سيّما "حزب الله" وحركة أمل، لم تكن تريد النظام النسبي لأن ذلك من شأنه أن يخسرها مقاعد في طائفتها، لذا تحايلت على النظام النسبي من خلال توزيع المقاعد الشيعية على الدوائر مع حاصل انتخابي عالٍ، وهذا ما يُعزز من عدم القدرة على خرق لوائحها". أما بالنسبة إلى الحزب التقدمي الاشتراكي، فيشرح عبود أنه "جرى تحقيق مطلبه بضم دائرتيّ الشوف وعاليه ذواتي الأغلبية الدرزية في دائرة واحدة. وفي ما يتعلّق بتيار المستقبل، فقد استفاد من تقسيم الدوائر الانتخابية لتكون مناسبة جداً له مثل جمع دائرتي صيدا وجزين وفصل قضاء الزهراني ذي الأغلبية الشيعية عنها".

خصائص القانون الحالي

حاولت القوى السياسية أن تُظهر أنها قدّمت قانوناً إصلاحياً، فأدخلت النظام النسبي بدلاً من الأكثري ولكنها أفرغته من مضمونه من خلال ربطه بالصوت التفضيلي. هكذا، يختار الناخب اللائحة المُقفلة التي يُريدها، وكذلك يمكنه اختيار أحد المرشحين ليعطيه صوته التفضيلي على أن يكون مرشحاً ضمن الدائرة الصغرى التي ينتخب فيها. بمعنى أنه إذا حصلت اللائحة على أربعة مقاعد من أصل سبعة، يفوز أوّل أربعة مرشحين حصدوا أعلى نسبة أصوات تفضيلية ضمن اللائحة نفسها.

ويقول عبود إن "الصوت التفضيلي هو صوت تقسيمي باللائحة إذ إنه يُقسّم الحزب الواحد ويؤدّي إلى الشرخ بين المرشحين إذ يسعى كل منهم للحصول عليه"، مردفاً "هذا ما يُفسّر عدم انتشار الصور الجماعية للوائح إذ إن معظم الصور التي تنتشر في الشوارع خلال الانتخابات هي لمرشحين أفراد".

من جانبه، يرى الخبير الدستوري سعيد مالك، في حديث إلى رصيف22، أن "القانون الانتخابي الحالي مقارنة بالقوانين الأخرى شكّل الأفضل والأكثر تمثيلاً لكافة الشرائح"، مستدركاً بأن "هذا يعني أن هذا القانون لا توجد فيه شوائب وثغرات عدة والتي يفترض أن يُصار إلى البحث فيها". وهو يضرب مثالاً لذلك: "هناك نواب وصلوا إلى مجلس النواب بأصوات قليلة لا تتعدّى العشرات وهناك مرشحون ينالون آلاف الأصوات ولا يفوزون".

يقول مالك إن البحث في إشكاليات قانون الانتخابات الحالي لا ينبغي أن يكون في الوقت الراهن وإنما يجب أن يكون على جدول أعمال مجلس النواب القادم، إذ لا يجب تعديل أو تبديل قانون ونحن على مشارف الانتخابات

ورغم أن القانون نسبي إلا أنه ارتكز على التوزيع الطائفي للمقاعد، وهذا ما أدّى إلى فوز النائب جميل عبود بعد حصده 79 صوتاً تفضيلياً فقط في انتخابات عام 2022. كما فاز أربعة نواب بأقل من ألف صوت وهم غسان سكاف، وسينتيا زرازير، وأحمد رستم وشربل مسعد. ويلفت مالك إلى أن "البحث في شوائب القانون لا ينبغي أن يكون في الوقت الراهن وإنما يجب أن يكون على جدول أعمال مجلس النواب المقبل، إذ يجب عدم تعديل أو تبديل قانون ونحن على مشارف الانتخابات".

لا مساواة في قيمة الصوت الانتخابي

وفق القانون الحالي، تنال كل لائحة عدد مقاعد بحسب عدد الحواصل الانتخابية التي تحصدها. ويُحتسب الحاصل الانتخابي بناء على معادلة عدد المقترعين في كل دائرة، مقسومة على عدد مقاعدها. فنجد مثلاً أنه إذا بلغ عدد المقترعين في دائرة ما 50 ألف مصوِّتاً فعلياً، والدائرة تضم خمسة مقاعد، يكون الحاصل فيها خمسة آلاف صوتاً.

هذه المعادلة المتصلة بنظام الصوت التفضيلي ينتج منها خلل جوهري يتمثّل في عدم المساواة بين الناخبين وبين قيمة أصواتهم. ويؤكد عمار عبود، من "لادي"، أن "هذا الأمر يُظهر لا مساواة إذ إن عدد المقاعد مختلف في كل دائرة، وهذا ما يعني أن الحاصل متحرّك ومرتفع جداً مقارنةً بدول أخرى". وهو يُشير أيضاً إلى أن ذلك يؤثِّر في قيمة الصوت الانتخابي، مدلّلاً على ذلك بأنه بالاستناد إلى عدد الناخبين "تحتاج إلى نحو 18 ألف صوت لكل مقعد في دائرة كسروان - جبيل في حين أنك تحتاج إلى 48 ألف صوت لكل مقعد في صور - الزهراني، أي أن كل ناخب في كسروان - جبيل يُعادل صوته صوتيّ ناخبين في صور – الزهراني".

قصور القانون تجاه المال السياسي

إلى ذلك، عجز القانون الانتخابي الحالي عن منع استخدام المال السياسي في التأثير على الناخبين حيث لم يُلزم برفع السرية المصرفية عن المرشحين وإنما اكتفى بالنص على ضرورة فتح حساب مصرفي لحملة المرشح الانتخابية، مما جعل حسابات المرشح الأخرى وحسابات أفراد عائلته بلا مُراقبة.

كما أن الفقرة الثانية من المادة 62 من القانون تُعطي ميزة لبعض المرشحين على حساب مرشحين آخرين، إذ إنها تنص على التالي: "لا تعتبر محظورة التقديمات والمساعدات المقدمة من مرشحين أو مؤسسات وجمعيات يديرها مرشحون أو أحزاب درجوا على تقديمها بذات الحجم والكمية بصورة اعتيادية ومنتظمة منذ ما لا يقل عن ثلاث سنوات قبل بدء فترة الحملة الانتخابية".

فضلاً عن ذلك، فإن مدة عمل هيئة الإشراف على الانتخابات سنة واحدة، مقسّمة إلى ستة أشهر قبل الانتخابات وستة أشهر بعدها. وهذا ما يعني أن ثمة غياباً واضحاً لأي آلية قانونية لتتبّع حجم الأموال التي قد ينفقها المرشح.

اقتراع المغتربين وغياب الآلية

أحد الإصلاحات المهمة التي تضمنها هذا القانون هو السماح للمغتربين بالاقتراع، إلا أن هذه الخطوة كانت منقوصة، مما أدّى إلى نشوء جدل سياسي حولها بين القوى السياسية. تُشير المادة 122 من القانون إلى تخصيص ستة مقاعد للمغتربين إلا أنه جرى تعليق العمل بها خلال استحقاقيّ 2018 و2022 الانتخابيين، ليصبح الصوت الاغترابي يُحتسب وفق الدوائر التي ينتمي إليها المغتربون.

وعن ذلك، يقول عبود: "المشكلة أن القانون لم يُشر إلى كيفية توزيع المقاعد الستة على القارات ولا طائفة المقاعد ولا إذا كان الناخب المغترب سيصوت لمقعد قارته أو للمقاعد الستة"، مضيفاً "تخصيص ستة مقاعد للمغتربين يُعزز اللامساواة في قيمة الصوت الانتخابي، ونحن نُطالب باحتساب أصوات المغتربين وفق دوائرهم".

يُشير القانون أيضاً إلى أنه لا تجري انتخابات في بلد ما إلا إذا كان عدد المسجلين يفوق الـ200 ناخب. في المقابل، يدعو عبود إلى "خفض هذا العدد إلى 75 ناخباً. فمثلاً، لم يتمكن اللبنانيون في أرمينيا من المشاركة في العملية الانتخابية لأن المسجلين كانوا أقل بقليل من 200 ناخب".

لا دستورية تأجيل الانتخابات

ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي برلماني، يبدأ الحديث عن تأجيل الانتخابات لأسباب مُختلفة. وكان لبنان قد شهد تمديداً للمجلس النيابي عامي 2013 و2014 بحجة الأوضاع الأمنية غير المستقرة. وكان لافتاً تصريح الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، في 11 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، في مقابلة تلفزيونية، بأن الانتخابات "قد تؤجل إلى تموز (يوليو)" عام 2026.

يقترح عبود ثلاثة إصلاحات ضرورية للقانون، تبدأ بالميغاسنتر والفرز الجماعي للأصوات، فضلاً عن استخدام كافة الصلاحيات ضد المخالفين لبنود القانون من الهيئة المشرفة على الانتخابات

ويوضح الخبير الدستوري، مالك، أن "التمديد لمجلس النواب يجب أن يستند إلى تبريرات، واليوم لا توجد مبرّرات مُقنعة يمكن أن تسمح بإصدار قرار بالتمديد، وأعتقد أن أي قانون يمكن أن يصدر في هذا الاتجاه سيكون مصيره الطعن أمام المجلس الدستوري". ويلفت إلى أن هذا الأمر "يتوقّف على القرار السياسي، بمعنى أنه في حال كان التمديد تقنياً لمدة شهر أو اثنين، باعتبار أن إجراءها في فصل الصيف يسمح لأكبر عدد من المغتربين بالمشاركة في الاقتراع، فمن من الأطراف السياسيين سيذهب للطعن في هذا القانون؟ فهذا الموضوع يخضع للحسابات والقراءة السياسية".

ويخلص مالك إلى أنه "من الناحية الواقعية والدستورية فإن أي تمديد هو مخالف لأحكام الدستور، بصرف النظر عن المدة خصوصاً أنه لا يوجد مبرر للتمديد التقني كحدوث اعتداء إسرائيلي يتسبب في تأخّر إجراءات إنجاز الاستحقاق الانتخابي في موعده".

إصلاحات ضرورية

مما سبق، يتضح أن هناك عدة إصلاحات ضرورية في القانون الانتخابي كي يكون أكثر عدالةً في تمثيل اللبنانيين في برلمانهم. ويقترح أمين عام "لادي"، عبود، ضرورة أن تكون الإصلاحات على ثلاثة مستويات: "الأوّل هو الميغاسنتر الذي يسمح للمواطنين بالتصويت لدائرتهم من مكان سكنهم، والمستوى الثاني يتمثّل في تنظيم يوم الاقتراع لناحية عدم فرز الصناديق بشكل مستقل وإنما جمع جميع صناديق المركز الانتخابي ومن ثمَّ فرزها، مما من شأنه أن يُعزز من سرية الاقتراع، وكذلك تنظيم طريق الانتخاب بحيث يصبح الناخب بعيداً من تأثير الماكينات الانتخابية التي تنتشر أمام مراكز الاقتراع وغيرها من الإصلاحات المتعلّقة باليوم الانتخابي".

أما الإصلاح الثالث والأخير الذي يقترحه عبود، فيتمثّل في "دفع هيئة الإشراف على الانتخابات لاستخدام كافة صلاحياتها، مثل نشر التقارير المالية للمرشحين. ففي انتخابات 2022، هناك 222 مرشحاً لم يصرّحوا عن نفقاتهم الانتخابية وبعض هؤلاء فاز وأصبح نائباً".

*أُنتج هذا التقرير بالتعاون مع فريدريش إيبرت - مكتب لبنان FES.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard
Popup Image