شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
و

و"قفْ على دكّة خمّار يسقينا"... بطولة اليورو تتحوّل إلى حفلة بيرة طويلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 3 يوليو 202411:08 ص

يحكى أن أدولف هتلر، ذهب لزيارة المارشال رومل، بعد عودته مهزوماً من معركة "العلمين"، فوجده مستلقياً على الأرض، باسطاً ذراعيه في الفناء، وأكواب الخمر والجعة تملأ جنبات المكان. لم يعلق الفوهرر على هذا المنظر العجيب، ولكنه أخرج ورقة من جيب سترته العسكرية، وكتب فيها هامشاً إلى وزير إعلامه: "عزيزي جوبلز؛ اليوم تبين لي بشكل قاطع أن روميل يخون الدولة والحزب، بل ويخالف أوامري منذ زمن بعيد، هل كنت تعلم أنه يعاقر الخمر؟ نعم؛ إنه (خمورجي) من طراز فريد، وهذا يوضح السبب الحقيقي خلف مناوراته الجنونية في ميدان المعركة، ولكن كما تعلم فـ (الخمورجي) ليس نازياً بالفطرة، ولذلك يجب علينا التخلص منه في أسرع وقت؛ مع كامل تحياتي، أدولف هتلر".

بعد سنوات، عندما علمت أنجيلا ميركل بتلك القصة، قرّرت إطلاق اسم روميل على أكبر ميادين برلين، وأكبر مزارع الكروم في ميونخ، معللةً ذلك بأن من يعاقر الخمر بتلك الطريقة بالتأكيد ليس نازياً بالفطرة، ولكنه على الأقل يظل ألمانياً بالفطرة.

بالنسبة للعديد من المشجّعين الألمان، فإن كرة القدم والبيرة يتمازجان معاً، تماماً مثلما يتمازج دخان الحشيش مع صوت سلطان الطرب جورج وسوف

لا تَسقني سرّاً

بالنسبة للعديد من المشجّعين الألمان، فإن كرة القدم والبيرة يتمازجان معاً، تماماً مثلما يتمازج دخان الحشيش مع صوت سلطان الطرب جورج وسوف، الاستثنائي، حيث تعتمد أندية الدوري الألماني في رعايتها على مصانع البيرة، كما تعد شركة "Bitburger" لصناعة الجعة من الركائز الرئيسية في رعاية الدوري الألماني وبطولة اليورو الحالية، إذ تزود البارات الموجودة في قاعات الانتظار حول الملاعب بمنتجاتها حصرياً. على سبيل المثال، بالنسبة للمباريات التي تقام في ملعب Allianz Arena، تقدّم للجماهير مشروب "Pils" و"Radler"  مقابل 7 يورو لكل 500 مل، أما بالنسبة للمباريات التي تقام في ملعب "كولونيا"، فتقدم مشروب "Kolsch"، وهي بيرة حلوة تُقدم عادةً في أكواب أسطوانية صغيرة، ومن المعروف أيضُا أن ملعب "فيلتينس أرينا" في شالكه، يحتوي على خط أنابيب بطول 5 كيلومترات يربط الملعب بمصنع جعة محلي.

ولذلك؛ فمع بدء بطولة اليورو، بدا أن هناك فرصة عظيمة، خاصّة لأصحاب المزاج العالي، لدمج تجربة المشاهدة مع تذوّق بعض أنواع البيرة الاستثنائية في ألمانيا، حيث أفادت التقارير أن هناك ثلاثة ملايين شخص استخدموا خدمة السكك الحديدية والطيران الداخلي بين يومي 14 (عندما انطلقت البطولة) و19 حزيران/يونيو، مع شرب 44.588 لتراً من البيرة، إضافةً إلى وجودها في المدرجات بلا ضوابط، فلا توجد حدود للكمية التي يمكن للناس شراؤها أو شربها في أي مكان داخل الملعب، مع وجود استثناءات بالطبع؛ ففي مباراة إنجلترا ضد صربيا في دور المجموعات، على سبيل المثال، قُدّمت البيرة التي تحتوي على 2% فقط من الكحول، مقارنة بنسبة 4.8% المعتادة.

وتكشف البيانات أيضاً أنه في الأيام القليلة الأولى من مرحلة المجموعات، زادت نسبة بيع "النقانق" بما يقارب 63%، باعتبارها "مَزَّة" الشاربين، حيث أقامت "شركة دويتشه بان" للقطارات، عقد شراكة مع "ستارنبرجر براوهاوس"، في بافاريا، لتقديم زجاجات خاصة من مشروب "شتارنبرجر هيل" على متن القطار، مع ساندويتشات نقانق بصوص المايونيز، إضافة إلى وجود البيرة في عربة الطعام، حيث يكلّف سكب 500 مل من مشروب "بيتبرجر بريميوم" ما يقرب من 4.60 يورو، كما يُسمح للمسافرين أيضاً بإحضار المشروبات الكحولية الخاصة بهم واستهلاكها داخل القطار، بلا أدنى مشكلة.

عندما لعبت فرنسا ضد هولندا في مرحلة المجموعات، كان على أنطوان غريزمان أن يهرب من وابل أكواب البيرة عند تنفيذ أي ركلة ركنية، أما في مباراة ألمانيا ضد سويسرا، فقد تعرّض توني كروس لقصف مماثل في الشوط الأول

ليلة السكاكين الطويلة

تلك "المَليطة" الحضارية، جعلت الكثير من المباريات تصنف على أنها عالية الخطورة من الناحية الأمنية، حيث غُرّمت ثلاث دول، حتى الآن، بسبب قيام المشجّعين برمي أكواب بيرة بلاستيكية، "من طراز كؤوس الشمبانيا سعة 255 مل"، وعندما لعبت فرنسا ضد هولندا في مرحلة المجموعات، كان على أنطوان غريزمان أن يهرب من وابل أكواب البيرة عند تنفيذ أي ركلة ركنية، أما في مباراة ألمانيا ضد سويسرا، فقد تعرّض توني كروس لقصف مماثل في الشوط الأول، وحتى جاريث ساوثجيت، مدرّب إنجلترا، عندما حاول الاقتراب من المدرجات بعد التعادل مع سلوفينيا، ردّ عليه المشجعون بصيحات الاستهجان والأكواب و"رشرشة" بقايا البيرة على شعره المنسدل.

كما صنفت الشرطة الألمانية مباراة إنجلترا والدنمارك في فرانكفورت بأنها "عالية الخطورة"، ويؤدي هذا التصنيف إلى زيادة تواجد الشرطة، كما كان الحال في مباراة إنجلترا الافتتاحية ضد صربيا، حيث قال بيورن ثيس، كبير مفتشي شرطة ولاية هيسن: "لقد صنفت الشرطة تلك المباراة على أنها عالية المخاطر، إلا أننا مستعدون جيداً، سواء من حيث عدد الزملاء المنتشرين أو المعدات الحديثة"، ورغم كل تلك التجهيزات، كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية عن وجود هتافات مسيئة خلال الشوط الأول من المباراة، ضد لاعبي إنجلترا من أصحاب البشرة السمراء، فيما قال الاتحاد الأوروبي إنها نتيجة لانتشار الكحوليات بشكل مبالغ فيه، هذه هي نفس المباراة التي خُفّضت فيها نسبة الكحول من 4.8%، إلى 2% فقط. 

وقبل نفس المباراة، اندلعت أعمال عنف شارك فيها نحو 150 من مشجعي إنجلترا وصربيا بالقرب من الملعب، حيث قُبض على أحد مشجّعي إنجلترا، وتقدمت الشرطة بطلب الحصول على أمر بمنعه من حضور المباريات للسنوات الثلاث المقبلة، وما مُحصلة ذلك؟ إن البطولات الدولية التي عهدناها مهرجانات لكرة القدم، أصبحت تشبه مهرجانات موسيقى "الروك" الصاخبة، بكؤوس البيرة البلاستيكية ذات العنق الطويل، والتماهي التام مع فترات السُكر الطويلة، تحت أي ظرف، وفي كل مكان.

يأتي الناس في 23 نيسان/إبريل من كل عام، لقرع الأنخاب في وقت واحد، في مجتمع تملؤه البرودة والصرامة، مجتمع تخلّص من النازية بعد مقتلة استمرّت سنوات طويلة وتبنّى نازية أخرى، وربما لم يجد أنيساً يذكّره بإنسانيته الضائعة إلا كأس البيرة الشقراء

اليوم خمر وغداً خمر أكثر

ولكن حتى نكون منصفين، كل ذلك كان متوقعاً، نظراً لتغلغل "ثقافة البيرة" داخل المجتمع الألماني، وتمتّع المشجعون هناك بمستوى مختلف من الحرية فيما يتعلق بالسكر في الأماكن العامة، ولتخمير البيرة أيضاً تقليد طويل في ألمانيا، يمارس بشكل مستدام منذ 800 قبل الميلاد، حيث أُدخلت الطريقة الأكثر أصالة في العالم لإنتاج البيرة إلى ألمانيا عن طريق مصر، عبر شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الأيبيرية ثم فرنسا، في وقت كان فيه الشعب الجرماني مهتماً بالصيد دون زراعة المحاصيل.

وبحلول القرن السادس، استخدم الراهب البوذي هيلدي لوجارت نبات "الجنجل" لأول مرة كعشب خاص لتصنيع البيرة، وفي وقت مبكر من القرن السابع، زرعت يوغوسلافيا كمية كبيرة من هذا النبات في جنوب ألمانيا، ومع استخدامه بكثرة في تخمير البيرة، أدرك الناس تدريجياً أن له طعماً مريراً منعشاً وخاصاً، يمكن أن يمنع فساد البيرة ويطيل فترة الحفظ، ومنذ ذلك الحين، أصبح نبات "الجنجل" عشباً طبيعياً يُستخدم في تخمير البيرة الألمانية.

وفي عام 1516، اقترح ويليام الرابع، ملك بروسيا بين عامي 1840-1861، "قانون نقاء البيرة"، حيث كان من المطلوب أن تُصنع البيرة من الجنجل والشعير والخميرة والماء فقط، ودون أي إضافة أخرى مثل السكر الأبيض، ولا يزال هذا القانون محمياً من قبل الحكومة الألمانية حتى يومنا هذا، حيث تُطبع على جميع أنواع البيرة المنتجة في ألمانيا عبارة "بناءً على قانون نقاء البيرة الألماني".

أصبحت البيرة هي الرفيق الأول، سواء تعلّق الأمر بمشاهدة المسرح أو السينما، أو مجرّد الاسترخاء مع الأصدقاء، وبالطبع في ملاعب كرة القدم، حيث الزحام الشديد والمرح والعصبية والقبلية وكل مظاهر الجنون والخبل البوهيمي والعشوائي، كما أن هناك نوعاً موسيقياً شائعاً جداً يُدعى "Schlager"، يطال قلوب المخمورين تحديداً، فيصبحون أكثر استعداداً للرقص على أنغامه، تماماً مثلما يمسّ وجود الكرة في قدم رونالدينهو شغاف قلب كل مؤمن، حيث تنحصر موضوعات هذا النوع غالباً في "الحب"، و"الحب المفقود"، و"كيفية العثور على الحب"؛ أو "الحب" بشكل عام، ما يترك أثراً كبيراً في قلوب المخمورين.

ولذلك فقد حشدت الحكومة الألمانية -ما بعد النازية لأن هتلر كان من أعداء هذا التقليد- كل جهودها من أجل إشباع هذا النهم، فأصبحت ألمانيا من بين أكبر خمس دول منتجة للبيرة في العالم، مع أكثر من 5500 علامة تجارية، كما قرّرت أيضاً تخصيص يوم للاحتفال بهذا المشروب النوراني، فيأتي الناس من كل حدبٍ وصوب، في 23 نيسان/إبريل من كل عام، لقرع الأنخاب في وقت واحد، أنخاب تقرع بأيادٍ ملوثة، في مجتمع تملؤه البرودة والصرامة، مجتمع تخلّص من النازية بعد مقتلة استمرّت سنوات طويلة وتبنّى نازية أخرى، وربما لم يجد أنيساً يذكّره بإنسانيته الضائعة إلا كأس البيرة الشقراء.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard