شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
عن التي بَكَت بحرقة في مطار دمشق... ثم ضحكَتْ قبل العاشرة بخمس دقائق

عن التي بَكَت بحرقة في مطار دمشق... ثم ضحكَتْ قبل العاشرة بخمس دقائق

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الخميس 27 يونيو 202412:16 م
Read in English:

The girl who cried bitterly at Damascus airport, before laughing through her tears

"لا يمكنكِ المغادرة على متن الرحلة المُقررة من دون الحصول على تأشيرة خروج"، هذا ما أخبرني به ضابط أمن المطار.

في البداية لم أستوعب ما قاله. كنت قد أنهيت للتو مشكلة الوزن الزائد بمساعدة صديقي الذي أقلّني إلى المطار وأقرضني بقية المبلغ المطلوب بالعملة السورية، وكنت قد وصلت إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة خَتْم الجواز عندما طلب مني الموظف المسؤول تأشيرة الخروج، فأجبته أنني لا أملك تأشيرة وأن أحداً لم يخبرني أنني بحاجة إلى تأشيرة خروج. 

خطأ غبي 

تحت تأثير الصدمة وكما هي العادة في الظروف المشابهة التي تحدث معي، بدأت بالبكاء وتحولت في ثوانٍ إلى طفلة صغيرة تنهمر دموعها بحرقة دون أن تُعير انتباهاً للضابط الجالس أمامها والذي بدا مندهشاً من سخاء السماء في عينيها، طفلة لا تريد حليباً ولا ألعاباً، هي تريد فقط أن ينفعها هذا البكاء في هذه اللحظة وأن يأتي بنتيجة ما. 

"لا يمكنكِ المغادرة على متن الرحلة المُقررة من دون الحصول على تأشيرة خروج"، هذا ما أخبرني به ضابط أمن المطار. بدأت بالبكاء وتحولت في ثوانٍ إلى طفلة تنهمر دموعها بحرقة، ضعيفةٌ أنا الآن ومُربكةٌ وخائفة، ولم يعد في رأسي سوى صورة العودة من المطار وأنا أجرّ تلك الحقيبة المُعبأة بأغراضٍ سيعلم من يفتحها أنها تعود لفتاة سورية

ضعيفةٌ أنا الآن ومُربكةٌ وخائفة، ولم يعد في رأسي سوى صورة العودة من المطار وأنا أجرّ تلك الحقيبة المُعبأة بأغراضٍ سيعلم من يفتحها أنها تعود لفتاة سورية، وسيعلم عندما يرى محتوياتها حجم القلق الذي خَبَّأته تلك الفتاة قبل أن تُسلّم مفتاح منزلها في دمشق وتُغلق الباب متجهةً إلى المطار.

أخذتْ معها كل شيء كي لا تضطر إلى شراء أي شيء طوال الفترة الأولى من وصولها إلى البلد الجديد، ولم تنسَ سوى فيش الكهرباء الثلاثي الذي أوصتني صديقتي أن ألتقطه في طريقي وأنا أغادرُ منزلها كمحطةٍ أخيرة قبل السفر ونسيت طبعاً التقاطه.

هل تعرف معنى أن لا أغادر اليوم؟ سألتُ الضابط الجالس خلف مكتبه وأنا أبكي

نعم أعلم. أجابني.

بدا الضابط متعاطفاً معي لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً سوى أن يُنفِّذ القانون.

يا حضرة الضابط... 

لن أطير اليوم إذن، فكّرت، كيف سأخبر أبي وأمي بذلك؟ شهور مضت وأنا أعمل بصمت من أجل هذه اللحظة. وقبل موعد إقلاع الطائرة بساعتين أكتشف أنني ارتكبت خطأً أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه غبي، وهذا الخطأ يمكن تدارُكه بأن تُؤجل الرحلة يومين إلى أن أحصل على التأشيرة من مكان عملي وتنتهي المشكلة، وهذا ما حاول الضابط أن يُفهمني إياه في بادرةٍ منه لتخفيف حِدة ما أنا فيه وإيصال فكرته بأن الأمر بسيط جداً ولا داعي لكل هذا العويل وهذه المبالغة. 

لن أطير اليوم إذن، كيف سأخبر أبي وأمي؟ شهور مضت وأنا أعمل بصمت من أجل هذه اللحظة. وقبل موعد إقلاع الطائرة بساعتين أكتشف أنني ارتكبت خطأً أقل ما يُقال عنه بأنه غبي. 

أنا لا أبالغ يا حضرة الضابط، الأمر في نظرك لا يتعدّى حدود الأربع وعشرين ساعة، لكنه بالنسبة لي مختلف تماماً وهو أكبر وأوسع وأهم من دائرة تلك الساعات المعدودة، الأمر مرتبط بسنوات الانتظار التي خبأتها لهذا اليوم تحديداً، الثامن والعشرين من أيار/مايو. 

غداً أو بعد غدٍ، ستكون الرحلة مُيسرة حتماً، فتأشيرة الخروج قد أصبحت في جيبي وحفظت إجراءات الوصول والتفتيش والوزن وأرقام البوابات ولن يكون أمامي سوى انتظار لحظة الصعود إلى الطائرة، لكنه سيكون يوماً خالياً من أية عواطف أو مشاعر، لا أطلب منك أن تُعجب بكلامي، أنا فقط أطلب منك أن تفهمني.

منذ حجزت لهذا اليوم وأنا أخبّئ أدعية أبي وأمي، هذه الأدعية هي التي تخبرني أنني سأسافر اليوم وفي الموعد المحدد للرحلة، رغم أن كل شيء الآن يقول بأنني لن ألمح بوابة الطائرة، هي الأدعية التي على أساسها خرجت بمبلغ زهيد جداً لا يُقدِم عليه سوى شخص مجنون على حد تعبير إحدى صديقاتي وبدون أن أشعر للحظة بالقلق أو الخوف من المجهول.

وأي مجهولٍ ذاك الذي سيكون أقسى من المجهول الذي كنت فيه، مكانٌ لا أملك فيه فرصةً واحدةً للمضي خطوة إلى الأمام؟ مكان لا يعلم فيه شقيقي عنوان سكني مع أننا نسكن في نفس المدينة، هل ستكون الغربة أو المجهول أقسى من هذه الحقيقة الفاقعة والمؤلمة؟ لا أعتقد ذلك، كثيرة هي القصص التي رُويت لي عن الغربة وعن قسوتها، وأنني لن أجد هناك من يقف بجانبي، لكن هذا كله حدث بالفعل معي وفي بلدي.

لن أقول لك كل شيء أيها الضابط، فالقصة طويلة، وتفاصيلها لن تنفعك أو تهمك في شيء، المهم كما ترى أنا ولدت في سوريا، وكنت كآخرين كُثر مرتبطين بهذه البقعة الجغرافية ومشدودين لها بطريقة غريبة لا بل بطريقة مريضةٍ ومُرهِقة، لكنني اليوم لم أعد مشدودة، إذ يبدو أن الحبل قد ارتخى وأنني اقتلعت الأوتاد، ولا أفكر الآن إلا في غرس هذه الأوتاد في مكان آخر، حيث أنا متجهة الآن. 

قبل العاشرة بخمس دقائق 

منذ الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة العاشرة إلا ربعاً والاتصالات لم تتوقف بين الإدارة في عملي وبين مسؤولي أمن المطار من دون جدوى. وقبل العاشرة بخمسِ دقائق، وكانت دموعي قد توقفت ونَفْسْي قد هدأت وصديقي قد اقترب من إقناعي بفكرة العودة وتأجيل الرحلة، جاء الاتصال ومعه التيسير، بسرعة، اتجهي إلى بوابة الطائرة، البوابة ستغلق، القائمون على الرحلة بدأوا بالصراخ، أين هي المسافرة؟ ماذا كنت تفعلين؟ لماذا هذا التأخير؟. 

قبل العاشرة بخمسِ دقائق، كانت دموعي قد توقف واقتربت من الاقتناع بفكرة العودة وتأجيل الرحلة، جاء الاتصال ومعه التيسير، بسرعة... اتجهي إلى بوابة الطائرة، البوابة ستغلق

لا وقت للشرح أرجوك، بدأت الركض وأنا لا أعرف ماذا أفعل، كنت أضحك وأبكي، اجتزت البوابة ودخلت إلى الطائرة ولم أكن في حاجة لأحد أن يقودني إلى مقعدي، فمقاعد الطائرة ممتلئة جميعها باستثناء مقعدي والكل ينظر لي باستغراب وتعجّب، رميت أغراضي وجلست، أجريت آخر اتصال مع شقيقتي أخبرها أنني سأحلّق الآن، وضعت حزام الأمان، أرخيت ظهري إلى الوراء وأغمضت عينيّ وتنفّست.

في اليوم التالي أرسلتْ لي شقيقتي مقطعاً صوتياً لها وهي تبكي تخبرني فيه أنها عادت واتصلت بي بعد ثوانٍ من اتصالي بها فكان رقمي قد أصبح خارج التغطية، كانت تخبرني كم كان شعوراً صعباً وقاسياً بالنسبة لها، حقيقة هو شعور صعب وقاسٍ ومؤلم، لكن للأسف بات أحد أكبر أحلامنا كسوريين أن نصبح خارج نطاق التغطية، وتحديداً تغطية الوطن.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard