شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
غرفة الدرس

غرفة الدرس

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والطفولة

السبت 22 يونيو 202411:37 ص


يسمع كل يوم أنهم انتهوا من تجهيز أوراق الملجأ لأطفال غرفة "الدرس". يطيل وقت بقائه في الغرفة حتى يقارب الساعتين من ساعات عمله الخمس في الوحدة التي تسلّم تكليفه بها مؤخراً. ينتهي من تحضير الأدوية المخصصة لباقي حديثي الولادة، ثم يتجه مباشرة للغرفة الواقعة في نهاية العنبر.

تتكون الغرفة من فراشين حديدين، ينام داخلهما أطفال مجهولو النسب والأسماء. لا يعرف عنهم سوى القشور. أحدهم والداه مسجونان، آخر أمه ماتت أثناء إنجابه، والأخير هربت أمه من المستشفى بعد ولادته مباشرة.

لم يعد يحمل "حنتيرة"؛ فقد تعلّم المشي مؤخراً، وصار يتنقّل بحرية في كل أنحاء العنبر، مرتدياً الكوتشي الذي ابتاعته له "ميس نسرين". سمع  شائعات في الوحدة حول رغبتها في تبنيه. فكّر أن يسألها عن حقيقة الأمر في إحدى المرات، لكنه تراجع حين سمع شكواها المستمرّة من أولادها.

يحاول "بودة"، شريك "حنتيرة" في الفراش، اللحاق به. يمسك أطراف الفراش الحديدي، ويلقي بثقل جسده عليه فيقف. يخرج لسانه بسعادة لنجاحه، فيطعمه موزة بعد أن يقسمها لقطع صغيرة، كما علمته الممرضة المقيمة معهم في الغرفة. ينتهي من إفطاره مع "بودة"، ثم يأتي أحد نواب العنبر الذي يحب الطفل، ممسكاً بالعمود المخصّص لتعليق المحاليل. يرفع بودة ويثبته فوق العجل ثم يدفعه للأمام بحرص، ويخرج به من غرفة الدرس.

يتجه حينها إلى الفراش الثاني. يوجد به طفلان: "بطاطس" كما أطلق عليه لتشابه شكل رأسه مع الثمرة، والفتاة التي لم يعرف لها اسماً. أسماها في البداية "سفروتة" لصغر حجمها مقارنة بعدد الشهور التي عاشتها. عرف من الممرضة أنها ولدت قبل موعدها بشهرين. لم يتبنَّ أحد هذا اللقب فأهمله.

سأل الممرضة عن قصّتها، فأخبرته أنها لا تعرف سوى أن أمها اغتُصبت في حديقة الشلالات القريبة من المستشفى، وماتت أثناء ولادتها. سألها عن أبيها، فأخبرته بأنه في الأغلب لا يعرف بوجودها... مجاز

لم يفضل حملها في البداية. تجنّبها كثيراً، حتى قالت له "ميس رحمة" في أحد الأيام: "متشيلها يا دكتور... ده مفيش حد بيمشيها في العنبر". طالما فضّل رفع "بطاطس" المحدق في اللاشيء أكثر منها، لثباته وعدم حركته. حين حملها لأول مرة كاد يفلتها. رفست بقدمها بحماس، ربما من سعادتها، وحرّكت يدها في كل الاتجاهات، فنالت من نظارته وأوقعتها على الأرض.

ضحك كل من بالغرفة حينها، فشعر بالحرج مما جرى والخوف على تلك الرضيعة إن أفلتت من يده. أشعره هذا بالعجز، لكن الممرضة المسنّة ألبسته نظارته، بعد أن نظفتها، وأطلقته بالرضيعة خارج الغرفة قائلة: "خلِّ بالك من ذكرى". تحرّك بها في العنبر ذهاباً وإياباً، فهدأت حركتها رويداً رويداً.

شعر برأسها تتحرك فوق كتفه في فضول. تكتشف العالم الموجود خارج غرفة الدرس التي لم تخرج منها منذ أتت لهذا العالم عن طريق أمها القاصر كما يخمّن. رفعها ولاعبها عند مكتب التمريض الموجود في نهاية العنبر، فلم تمانع. ضحكت له بفمها الخالي من الأسنان. اكتشف مفاتيح إضحاكها مع مرور الأيام. يمر بأصابعه على باطن قدميها، يأكل بطنها أو يلقي بها في الهواء، فينفرج فمها عن تلك الضحكة التي أسرته ببراءتها.

سأل الممرضة عن قصّتها، فأخبرته أنها لا تعرف سوى أن أمها اغتُصبت في حديقة الشلالات القريبة من المستشفى، وماتت أثناء ولادتها. سألها عن أبيها، فأخبرته بأنه في الأغلب لا يعرف بوجودها.

لم تعرف "ذكرى" أباها مثله. اندثرت صورة أبيه من ذاكرته مع الوقت. يجمعه بأبيه مشهد واحد؛ عنصراه حذاء وحزام جلدي ينهالان على جسده. لا يفقه السبب، لكنه يسمع صوت صراخ أمه ومحاولاتها المستميتة في إيقاف تلك العلقة.

لم يعد يحمل أي رضيع آخر سواها. التصقت به وعرفته. صارت تربّت على كتفه في امتنان كلما حملها، فتدمع عيناه. يتساءل إن فعل أبوه معه المثل يوماً ما. يسير بها في العنبر. يسمع التعليقات الدائرة حولهما. أطلق عليها زملاؤه لقب "ابنته"، وارتبط ظهورها في العنبر بها.

ابتاع لها "تتينة" جديدة بدلاً من الملصق الذي كانوا يضعونه على فمها لتكف عن البكاء، خوفاً عليها من أي التهاب قد يصيبها. سأل أصدقاءه عن أية ملابس لرضع يمتلكونها ويرغبون في التبرّع بها، فأحضر لها فساتين عدّة تليق بها بدلاً من الملابس المتهدلة التي ترتديها.

نصحه أحدهم مازحاً بأن يخطفها في حقيبته بعد انتهائه من الشيفت. كاد يخبره أنه خطط لذلك بشكل جدي، لكنه تراجع إثر خوفه من اختناقها في حقيبة ظهره حتى بلوغه باب القسم. رغب في تبنيها، لكن لم تسمح قدرته المادية أو سنّه بذلك. أيقظت ذكرى بداخله حلم الأبوة الذي يتيقن أنه لن يبلغه أبداً.

*****

زارته في أحلامه. يحملها بين ذراعيه في مكتب السكرتارية. يحتفلون بمرور عام على ولادتها. تربّت على كتفه بقوة وسط البلالين وزغاريد الممرّضات لسبب مجهول. يرى أمه واقفة عند باب الغرفة تبتسم له وتتجه نحو العنبر. يخرج ليلحق بها و"ذكرى" بين ذراعيه، فيصمت كل شيء من حوله فجأة.

نصحه أحدهم مازحاً بأن يخطفها في حقيبته بعد انتهائه من الشيفت. كاد يخبره أنه خطط لذلك بشكل جدي، لكنه تراجع إثر خوفه من اختناقها في حقيبة ظهره حتى بلوغه باب القسم... مجاز

 لا يوجد أثر لشخص في الممر الطويل المظلم. ينادي عليها، فلا يجيبه أحد. يتبعه صوت خطوات فيزيد من قبضته حول الطفلة. تسرع الخطوات وراءه، فيعدو وقلبه ينبض. لا يدرك متى صارت الطرقة بهذا الطول. إنها لا تنتهي.

تتقطع أنفاسه ولا يبلغ الباب. تبكي "ذكرى" إثر قوته. يخشى أن يرخي قبضته من حولها فيفقدها للأبد. يبلغ الباب، فيجده مغلقاً. يطرق ويهبد ولا يجيبه أحد. تقترب الخطوات في الظلام نحوه. يرتبك ولا يدري ما يجب عليه فعله. تختطف الطفلة من يده، ويضاء العنبر حينها، فيرى وجه أبيه منتصراً.

*****

يذهب للعمل في اليوم التالي وعيناه منتفختان. ينتهي من عمله بسرعة ويذهب إلى غرفة الدرس. تتبعه نظرات الممرضات في حسرة. يلقي عليهم: "صباح الخير"، فيُجبنه بحزن. يدخل غرفة الدرس، فلا يجد سوى فراشاً واحداً به "بطاطس" ورضيعة جديدة.

يرتبك حين تخبره "ميس رحمة" بأنهم نقلوها البارحة إلى أحد الملاجئ. تربت على كتفه في حنان، ويخرج فاهماً سبب تسميتهم لتلك الغرفة بـ "الدرس".

يذهب لغرفة السكرتارية لمعرفة عنوان الملجأ، فيكتشف أنه خارج المحافظة. يسعى للوصول إلى رقمه. يتصل ليطمئن عليها ويرتب موعداً لزيارتها، فيجيبه صوت متقطع أنه تم تبنيها البارحة. يغلق الخط غير عالم إن كان عليه أن يسعد للبنت أم يحزن لفقدانها للأبد.

يعود إلى غرفة الدرس. يحمل "بطاطس" السارح دوماً. يرنّ هاتفه قبيل مغادرته المستشفى. توصيه أمه بعدم نسيان إحضار حذاء أبيه من عند الإسكافي في طريق عودته للمنزل.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard