شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
كيف لمّع اليمين المتطرف الفرنسي صورته؟

كيف لمّع اليمين المتطرف الفرنسي صورته؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والمهاجرون العرب

الجمعة 21 يونيو 202401:32 م
Read in English:

How did the French far right polish its image?

وضعت نتائج الانتخابات الأوروبية التي أعلنت الأسبوع الماضي، حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في مقدمة الأحزاب الفائزة بأصوات الفرنسيين، خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخطاب متلفز بدا فيه محتقناً، وأعلن حل البرلمان الفرنسي. وقد فاجأ هذا القرار جميع أقطاب المشهد السياسي الفرنسي، بما فيه أعضاء حركة "النهضة" التي يقودها ماكرون نفسه.

مباشرة، بعد قرار ماكرون، تفجر المشهد السياسي الفرنسي، فالتقت أحزاب اليسار تحت ضغط مظاهرات الشارع التي طالبتها بالاتحاد، وبعد يوم واحد أعلنت تشكيل الجبهة الشعبية التي توحد أطيافها، منتقدةً الزمن القصير الذي أتاحه الرئيس لتنظيم الصفوف واختيار المرشحين.

خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بخطاب متلفز بدا فيه محتقناً وأعلن حل البرلمان الفرنسي. وقد فاجأ هذا القرار جميع أقطاب المشهد السياسي الفرنسي، بما فيه أعضاء حركة "النهضة" التي يقودها ماكرون نفسه

ورأى كثير من اليساريين أن المهلة المتاحة قبل توجه الفرنسيين للاقتراع في الثلاثين من الشهر الجاري هي الأقصر تاريخياً لتحضير حملة انتخابية، فيما بدا حزب التجمع الوطني الذي تقدمت قائمته برئاسة جوردان بارديلا، مرتاحاً لقرار الرئيس بحكم الدفعة القوية التي حصلها بانتصاره في الانتخابات الأوروبية، لكن المفاجآت تتابعت في المعسكر اليميني، فأعلن رئيس الحزب الجمهوري إيريك سيوتي تحالف حزبه مع التجمع الوطني، ليخرج أعضاء حزبه على الإعلام ويعلنوا أن هذا التحالف لم يناقش داخل الحزب ويطالبوا بطرد رئيس الحزب.

كما أعلنت ماريون ماريشال ،قريبة لوبن، التي كانت تحالفت مع إيريك زمور في الانتخابات الأوروبية وترأست قائمة حزبه انسحابها من التحالف مع زمور، رغم فوز قائمتهم الوليدة غير المتوقع بمقاعد في البرلمان الأوروبي.

في ظل كل هذه الظروف، لا يمكن التكهن بنتائج الانتخابات البرلمانية المستعجلة القادمة، ولكن معظم المحللين يتوقعون أن يحصد اليمين المتطرف مزيداً من المقاعد وأن يتراجع حزب النهضة وأصوات كتلة الوسط التي من الواضح أن الرئيس ماكرون يعوّل على إقناع الناخبين بالتصويت لها لتحصل على الأغلبية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: "كيف تجاوزت نسبة التصويت للتجمع الوطني الثلاثين في المئة بينما لم ينجح بتحصيل مقعد في البرلمان الأوروبي إلا في العام 1984؟".

أعتقد أن للإجابة وجهين أساسيين، الأول متعلق بالوضع المعيشي الذي يتراجع باستمرار، والثاني هو بالضرورة تغيير الصورة الذي عمل عليه التجمع منذ مطلع الألفية الحالية.

بدأ العمل على "غسيل اليمين المتطرف"، لتغيير الصورة التي كانت ثابتة في عقول كثيرين عن تياره السياسي، بتغيير اسم الحركة التي يمثلها، ففي العام 2018 غيرت الجبهة الوطنية اسمها إلى التجمع الوطني، وفي العام 2021، انتخب جوردان باديللا رئيساً للحزب بدل مارين لوبن، التي يحمل اسمها بصفتها ابنة جان ماري لوبن الذي كان أحد قادة اليمين المتطرف لسنوات طوال تاريخ هذه العائلة.

كانت صورة اليمين المتطرف مرتبطة أولاً بتاريخ من التعامل مع حكومة فيشي، برئاسة الجنرال بيتان خلال الحرب العالمية الثانية، وبالتالي بالعمالة للنازية، وبخطاب معاد للآخر، كاره للمهاجرين واليهود، وبتوجه للانعزالية والانفصال عن المحيط.

يبدو أن مارين لوبن، أدركت أن تلك الصورة ستبقي هذه الحركة على هامش المشهد السياسي في جمهورية بني تاريخها على نضال اشتراكي طويل الأمد من أجل العدالة الاجتماعية.

تخلى التجمع تدريجياً عن أفكار كانت مركزية، كفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي والتخلي عن عملة اليورو، ولم يعد منذ انتخابات البرلمان الأوروبي في العام 2014، يذكر شعار "الفريكسِت" المعادل الفرنسي للبريكست البريطاني، وبدأ يطرح شعارات إصلاح الاتحاد الأوروبي من الداخل.

تخلى حزب التجمع الوطني تدريجياً عن أفكار كانت مركزية، كفكرة التخلي عن عملة اليورو، ولم يعد يذكر شعار "الفريكسِت" المعادل الفرنسي للبريكست البريطاني.

غيرت مارين لوبن نفسها طريقتها، ويمكن مشاهدة التغير في الفروق بين حملتها الانتخابية للرئاسة في العام 2017 والعام 2022، ولم يطل التغيير أفكارها التي أصبحت تكبح تطرفها وتعبر عنها باعتدال وإنما طال أيضاً طبقة صوتها ولغة جسدها في الحوار. ولا بد من الإشارة إلى أن ظهور إيريك زمور على يمين حركتها، جعل المستمع إلى خطاب لوبن يجده أكثر اعتدالاً بكثير من خطاب زمور الذي يكاد يضحك من شدة تطرفه.

يضاف إلى حملة تغيير الصورة ظهور جوردان بارديللا، كبديل لرئاسة الحركة، فهو شاب وسيم، يحظى بالقبول لدى فئات الشباب بمقابل رؤساء الحركات الأخرى الأكبر سناً، لديه حضور واضح وتأثير على شبكات التواصل الاجتماعي.

وقد استطاع اجتذاب فئة الشباب التي كانت تنقسم بين ممتنعين ومصوتين لأقصى اليسار في السابق.

يعتمد خطاب التجمع وحملاته الانتخابية على مسألة أساسية تشغل الفرنسيين اليوم، وهي القدرة الشرائية للمواطن، ويربط التجمع هذه المسألة بموقف الحكومة الحالية من حرب أوكرانيا والمساعدات التي يتم ضخها لدعم المقاومة الأوكرانية والإجراءات البيئية المتشددة، ويعد أنه بمجرد استلامه لزمام الأمور، ستنخفض أسعار الطاقة والوقود بشكل جذري، كما يربط بين الضائقة التي يشعر بها الفرنسيون وتدفق اللاجئين والمهاجرين إلى فرنسا، مدعياً أن وقف استقبال اللاجئين وقطع المساعدات عن الوافدين سيحسن حياة الفرنسيين فوراً.

يقدم اليمين المتطرف أفكاره بخطاب شعبوي يسهل تلقيه، يتوجه إلى الأرياف، مدعياً أنه صوت العمال والفلاحين الذين شكلوا تاريخياً جسم النضال اليساري في البلد. لكن اللافت أن رهانه رغم نجاحه في الأرياف، فشل في المدن الكبرى، التي تتجمع فيها القوى السياسية الأخرى، وينحو خطابها السياسي نحو النخبوية، وتعمل على المدى الطويل وتستجيب للمطالب بالأرقام والدلائل على ما هو ممكن.

يبدو نجاح اليمين المتطرف الأساسي معتمداً على أن الناخب الفرنسي لم يعد يتحرج من التصويت له كما كان في السابق، إذ لم يعد مقبولاً في ظل انتشاره في طول البلاد وعرضها اتهام كل من يصوت للحزب بأنه فاشيّ وعنصري

يبدو اليوم أن نجاح اليمين المتطرف الأساسي، والذي يرفض تسميته بالمتطرف من ضمن عملية الغسيل، هو أن الناخب الفرنسي لم يعد يتحرج من التصويت له كما كان في السابق، إذ لم يعد مقبولاً في ظل انتشاره في طول البلاد وعرضها اتهام كل من يصوت للحزب بأنه فاشيّ وعنصري، ولعل انتصاره الأكبر هو التركيز على فشل سياسات الوسط في إقناع الناخب الفرنسي الذي صوت لماكرون مرتين متتاليتين في الرئاسة كي يمنع وصول لوبن إلى السلطة وتراجع تأثير التيارات اليسارية في الأرياف والمناطق النائية.

يبقى المشهد السياسي الفرنسي يغلي بالتطورات خلال هذا الشهر ومطلع الشهر المقبل، وقد يشهد تغييراً حكومياً مباشرة قبل استضافة الألعاب الأولمبية المرتقبة، ولا يبدو بأي حال من الأحوال أن الانتخابات البرلمانية ستوجد إجابات عن القلق السياسي وعدم الاستقرار، بل ربما ستكون نقطة انطلاق لمزيد من التعقيد والارتباك.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

"نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المهجر/ الشتات/ المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard