شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
المنمنمات الإسلامية الإيروتيكية... ما لم تذكره الكتب عن عشق الأصفهانيات والاستلاب للغلمان

المنمنمات الإسلامية الإيروتيكية... ما لم تذكره الكتب عن عشق الأصفهانيات والاستلاب للغلمان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

السبت 15 يونيو 202410:59 ص

ما يبدو الآن قاعدة أساسية للجنس والجنسانية وخصوصًا العلاقات المثلية في المنطقة واعتبارها مواضيع سرية لا يمكن النقاش أو الحديث عنها، لا يعطي إلا الرؤية المتأخرة من تاريخ المنطقة بعد تأثير الاستعمار عليها.

فلو رجعنا في التاريخ قليلًا إلى حقب قبل الاستعمار الغربي للمنطقة، وإلى الدول الإسلامية في المنطقة، كالدولة الصفوية والعثمانية والقاجارية وحتى الهندية، لوجدنا الموضوع يختلف اختلافًا جذريًا عما هو عليه اليوم.

رغم اشتهار الدولة العباسية والأندلسية بالانفتاح الجنسي وخصوصًا في فترة العصور الذهبية لبغداد والأندلس، لم يصلنا من هذا الانفتاح إلا القصص والنثر والأبيات الشعرية لغزل الغلمان، ولم يكن هناك وجود للفن البصري الذي يحتوي على الجنس المثلي، واقتصر ظهور هذا النوع من البورنوغرافي على الدول الإسلامية المتأخرة. 

الدول الإسلامية المتأخرة والعلاقات المثلية

في الدول الإسلامية الشيعية التي كانت في بلاد فارس كالدولة الصفوية والقاجارية، لم يتم التغاضي عن المثلية الجنسية، وهو ما نستلهمه من الشعر الفارسي، فخلال حكم الدول الإسلامية شكلت الإثارة الجنسية المثلية الموضوع الغرامي الوحيد تقريبًا للغزليات الفارسية (كلمات قصيرة تشبه السوناتة)، والموضوع الرئيسي لكثير من شعر الحب الفارسي.وفي الدولة الصفوية التي أسسها إسماعيل الصفويّ (1501-1723) كانت بيوت الدعارة المثلية معترفاً بها قانونيًا وتدفع الضرائب للدولة. 

رغم اشتهار الدولة العباسية والأندلسية بالانفتاح الجنسي وخصوصًا في فترة العصور الذهبية لبغداد والأندلس، لم يصلنا من هذا الانفتاح إلا القصص والنثر والأبيات الشعرية لغزل الغلمان، ولم يكن هناك وجود للفن البصري الذي يحتوي على الجنس المثلي، واقتصر ظهور هذا النوع من البورنوغرافي على الدول الإسلامية المتأخرة 

لم تكن المثلية كسلوك جنسي شيئًا جديدًا في الدول الإسلامية الفارسية، فلو رجعنا بالتاريخ إلى الدولة البويهية التي كانت عدوة الدولة العباسية، لوجدنا أن المثلية كانت منتشرة جدًا، حتى أن بعض الخلفاء كانوا مثليين مثل الخليفة عز الدولة بن بويه.

يذكر ابن كثير في كتابه البداية والنهاية أحداث سنة 367 هجري، جانبًا من لهو عز الدولة وتعلقه بالغلمان، وعدم استطاعته فراق "أمرد" يعشقه، سُلب منه في إحدى المعارك، وفداه بأموال طائلة، يقول ابن كثير: "ولما كسره ابن عمه ببلاد الأهواز، كان في جملة ما أخذ منه أمرد كان يحبه حبًا شديدًا لا يهنأ بالعيش إلا معه، فبعث يترفق له في رده إليه، وأرسل إليه بتحفٍ كثيرة وأموالٍ جزيلة وجاريتين عوادتين لا قيمة لهما، فرد عليه الغلام المذكور، فكثر تعنيف الناس له عند ذلك، وسقط من أعين الملوك، فإنه كان يقول: ذهاب هذا الغلام مني أشد علي من أخذ بغداد من يدي، بل وأرض العراق كلها.".

كان القبول الاجتماعي للإثارة الجنسية المثلية كبيرًا لدرجة أن كاي كافوس، أمير طبرستان (في ملحمة الشاهنامة الشعرية) كتب في مرآته الشهيرة للأمراء، والمعروفة باسم قابوس نامه، خلاصة وافية لقصص الأمراء. نصيحة لابنه جيلانشاه، لا توافق على "الشذوذ الجنسي" بين الذكور فحسب، بل يجب أن تقترح أفضل طريقة لممارستها، على الرغم من أنه بكل المقاييس رجل تقوى، ملتزم بإملاءات الدين. في فصل عن "الاستمتاع بالعلاقات الجنسية" (تمتع كردان، الفصل 15). 

لم يكن الأمر مقتصرًا على الرجال، فيتحدث أقا جمال خوانصاري عن ممارسة في شكل عهد تقطعه امرأتان فيما بينهما. حسب النساء الإصفهانيات الخمس الخبيرات في الثقافة الدارجة، والتي يمثلها هو، فإنه يجب أن يكون لكل امرأة مثل تلك الأخت، حين يصف تلك العلاقات بلغة مليئة بالحميمية والانبهار، وبأنها "صداقات رومانسية". رغم أن مصطلح "الأخت المتبناة" كان يستخدم ليصف تلك الصداقات، إلا أنه أصبح فيما بعد يستخدم كناية عن المثلية بين النساء في الأدب الفارسي الحديث. 

في الدولة الصفوية التي أسسها إسماعيل الصفويّ (1501-1723) كانت بيوت الدعارة المثلية معترفاً بها قانونيًا وتدفع الضرائب للدولة.  

إذا اتجهنا نحو الغرب قليلاً إلى الدولة العثمانية السنية لوجدنا أن الأمر لا يختلف كثيرًا عما كان يحدث في بلاد فارس، حيث تعتبر الدولة العثمانية قد سبقت باقي دول العالم بإلغائها لتجريم المثلية وذلك في عام 1858م، وكذلك عرف عن الكثير من السلاطين العثمانيين ميولهم المثلية وولعهم بالرجال. كان السلاطين العثمانيون يقومون بالعديد من الحفلات الخاصة للرجال والغلمان، كما انتشر فن المنمنمات الإسلامية المثلية تحت ظل حكم الدولة العثمانية.

أما إذا توجهنا شرقًا نحو الدول الإسلامية في شبه القارة الهندية وبلاد ما وراء النهر، فنرى أن هناك اختلافًا بسيطًا، كون الثقافات في الدول الهندية قد احتوت على مثل هذه الأنواع من الفنون حتى قبل الإسلام. فمثلاً كان كتاب كاما سوترا يحتوي على العديد من التفاصيل المكتوبة والمرسومة التي تتحدث عن الحب والجنس، ولكنه كان في غالبيته العظمى حول العلاقات الجنسية الغيرية. أما الاختلاف الذي حصل بعد الإسلام والاحتلال المغولي للهند فهو ازدياد المنمنمات التي تصور العلاقة الجنسية المثلية.

البورنوغرافي المثلي والمنمنمات الإسلامية

يعرف الفن الإباحي بأنه تصوير السلوك الجنسي في الكتب والصور الفوتوغرافية والتماثيل والأفلام السينمائية وما إلى ذلك، على نحو يستهدف إثارة الشهوة الجنسية.

المنمنمات الإسلامية عبارة عن لوحات على الورق وعادة ما تكون رسومًا توضيحية للكتب أو المخطوطات ولكنها أيضًا أعمال فنية منفصلة في بعض الأحيان. تعود أقدم الأمثلة إلى حوالي 1000 بعد الميلاد، مع ازدهار الشكل الفني من حوالي 1200 بعد الميلاد. ينقسم هذا المجال من قبل العلماء إلى أربعة أنواع: العربية والمغولية (الهندية) والعثمانية (التركية) والفارسية.

المنمنمات الفارسية... مثليّة علنية

لم يحظر فن المنمنمات تحت راية الإسلام تصوير الشكل البشري بشكل تام. في تقليد المنمنمة، يُعتبر تصوير الشخصيات أمرًا مركزيًا وغالبًا ما يكون بأعداد كبيرة. يعود ذلك بشكل جزئي إلى أن المنمنمة هي نموذج خاص يجري الاحتفاظ به في كتاب أو ألبوم وتُعرض فقط لأولئك الذين يختارهم الملك، لذلك كان لا بد لها من أن تتمتع بحرية أكبر من اللوحات الجدارية أو الأعمال الأخرى التي كان يراها جمهور أوسع. لا يُعرف القرآن والأعمال الدينية البحتة الأخرى بهذه الطريقة، على الرغم من أن التاريخ والأعمال الأدبية الأخرى قد تتضمن مشاهد ذات صلة دينية، بما فيها تلك التي تصور النبي محمد بعد 1500 عادة دون إظهار وجهه. 

لهذا السبب لا يُستغرب وجود العديد من المنمنمات التي يكون موضوعها الوحيد هو تصوير الفعل الجنسي المثلي وكيفية القيام به، مع وجود العديد من المنمنمات التي اهتمت بالجانب العاطفي المثلي فقط دون التطرق للجانب الجنسي منها. ربما من أشهرها هي المنمنمة الإسلامية التي تُظهر الشاه عباس الصفوي مع محبوبه، حيث تصورهما وهما يتفاعلان ويشتركان في النبيذ، والتي تعود لعام 1627. الصورة الحميمة حيث تُحمل قارورة النبيذ منتصبة باتجاه المنشعب الخاص بالشاه وتكاد تحتضنه. تشير الحروف العربية الصغيرة الموجودة على الجانب الأيمن إلى نعيم النبيذ والعشاق، حيث تقول: "لتمنحك الحياة كل ما تريد من شفاه ثلاث: شفاه حبيبك، والنهر، والكأس.".

قد تكون هذه الأشياء الثلاثة موجودة إذا كان وضع الشجرة في الواقع بالقرب من النهر. تقدم هذه المنمنمة أيضًا إشارة إلى رؤية القرآن للجنة بكل نعيم الحياة من القصيدة بلباقة، وهذه المنمنة موجودة الآن في متحف اللوفر. 

سبقت الدولة العثمانية باقي دول العالم بإلغائها لتجريم المثلية وذلك في عام 1858م، وكذلك عُرف عن الكثير من السلاطين العثمانيين ميولهم المثلية. كان السلاطين العثمانيون يقومون بالعديد من الحفلات الخاصة للرجال والغلمان، كما انتشر فن المنمنمات الإسلامية المثلية تحت ظل حكم الدولة العثمانية  

في حين تظهر هذه المنمنمة الصفوية التي رسمها رضا عباسي المتوفى 1635 رجلين وهما يتعانقان بشكل حميمي، كما أن عنوان هذه المنمنمة هو (الحبيبان)، وهي موجودة الآن في متحف الفن في نيويورك. 

كما تعد المنمنمات القاجارية الفارسية امتدادًا وتطويرًا للمنمنمات الصفوية، كون الدولة القاجارية جاءت بعد الدولة الصفوية في بلاد فارس. يلاحظ أن المنمنمات القاجارية امتازت بشكل العين والوجوه المميزة، وكذلك تسريحات الشعر والملابس الفارسية، وكثرة التفاصيل والنقوش في الملابس أو الخلفية. تعد المنمنمات القاجارية هي آخر مرحلة من تطور المنمنمات الفارسية قبل أن يندثر هذا الفن تقريبًا.  

وتالياً نرى منمنمة غير معروفة، فارسية او هندية، تعود الى القرن السابع عشر لنساء يمارسن الجنس معاً باستخدام قضيب صناعي. 

المنمنمات العربية... تدمّر معظمها 

لم تهتم الدول الإسلامية في المنطقة العربية بفن المنمنمات، بل صُب اهتمامها على أنواع أخرى مثل الفنون الكتابية كالشعر والنثر. ولم تزدهر المنمنمات في العالم العربي إلا في نهاية القرن الثاني عشر، على الرغم من أن العديد من الأعمال ربما دمرت. ولكن هناك بعض المنمنمات المثلية التي وصلتنا.

نشاهد في الصورة التالية منمنمة عربية تُظهر وداع أبي زيد والحارث قبل الرجوع إلى مكة. يظهران في المنمنمة بشكل حميمي متقابلان الوجه وشفتاهما تتلامسان تقريبًا، وخلفهما رسم على شكل قلب. وتظهر هذه المنمنمة في كتاب مقامات الحريري وتعود لعام 1240م.  

المنمنمات العثمانية... تفاصيل دقيقة 

أما المنمنمات العثمانية، فلم تختلف كثيرًا في تصويراتها الجنسية، ولكنها اختلفت عن المنمنمات الأخرى بطريقتها الفنية. امتازت المنمنمات العثمانية بكون الأشكال والرسومات فيها أكثر بساطة في الرسم، من خلال استخدام الأشكال والمنحنيات الواضحة، مع تقليل تفاصيل الخلفية في أغلب الأحيان. الصورة التالية هي لمنمنمة عثمانية تُظهر مجموعة من الرجال أثناء ممارسة الجنس الجماعي تعود لعام 1773 م.

وتالياً منمنمتان عثمانيتان على الأرجح في إسطنبول، القرن الثامن عشر، مشهدان مثيران، منسوبان إلى عبد الله البخاري، كلاهما موقعان، أحدهما مؤرخ في 1743 ميلادي. 

وتالياً نرى منمنمة عثمانية من كتاب صواريخ المناقب تُصور ممارسة الجنس بين رجلين، ويمكن إيجاد هذه المنمنمة في الكتاب المتوفر في العديد من المكتبات مثل مكتبة مورغان في مدينة نيويورك.

لم تكن جميع المنمنمات العثمانية تُصور العلاقة الجنسية المثلية بشكل إيجابي، بل صورتها بعض المنمنمات كأنها فضيحة أو شيء سيء مثل المنمنمات التي تعود لعام 1772م، والتي تُظهر واحدة منها مجموعة من الأشخاص قد هجموا على رجلين كانا يمارسان الجنس في مكان خاص.  ويبدو واضحًا في هذه المنمنمة الخوف في وجه الشخصين اللذين تم إمساكهما وهما يمارسان الجنس المثلي. 

المنمنمة العثمانية التالية تصور شابًا يستخدم لممارسة الجنس الجماعي (من صواريخ المناقب)؛ تعود إلى عام 1850.

المنمنمات الهندية... تلاقي الهويات البصرية 

أما المنمنمات المغولية الهندية فتُعتبر امتدادًا للفنون البصرية الهندية، والتي كانت موجودة حتى قبل الوجود الإسلامي في الهند. تتميز هذه المنمنمات باختلافها عن باقي المنمنمات الأخرى، بأن الهوية الهندية طاغية عليها حتى أكثر من الهوية الإسلامية فيها. يعود السبب في ذلك إلى كونها كانت موجودة أصلاً وتطورت تحت ظل الحكم المغولي للهند. 

عند الأصفهانيات، كان هناك عهد تقطعه امرأتان فيما بينهما، إذ يجب أن يكون لكل امرأة مثل تلك الأخت، حيث يصف بعض المؤرخين تلك العلاقات بلغة مليئة بالحميمية والانبهار، وبأنها "صداقات رومانسية".

تالياً نشاهد منمنمة لامرأتين تتشاركان لحظة حميمة. تليها منمنمة أخرى لرجل يمارس الجنس مع الشيطان في الهواء الطلق. 

لا فرق بين السنة والشيعة في هذا المقام

وبهذا يظهر أن تاريخ الدول للمذهبين الشيعي والسني لم يختلف كثيرًا في تعامله مع مواضيع الحب من نفس الجنس، حيث كان يتم الاحتفاء بها في مختلف الفنون. ولكن ما يُعد طفرة وثورة فنية في الموضوع هو فن البورنوغرافي المثلي، الذي اشتهر كثيرًا في تلك الفترة قبل أن يأتي الاستعمار للمنطقة ويغير المفاهيم الثقافية والاجتماعية لهذه الشعوب، وكذلك قيامه بإيقاف وإلغاء تطور الفن الإسلامي الجنسي المثلي، الذي لو لم يتدخل به الاستعمار لاستمر في التطور إلى الآن، ليُعطي واحدًا من أعرق فنون المنطقة التي اندثرت الآن تقريبًا.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard