شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
سندس شبايك... أول منسقة مشاهد حميمة في الوطن العربي تحطم التابوهات

سندس شبايك... أول منسقة مشاهد حميمة في الوطن العربي تحطم التابوهات

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الاثنين 20 مايو 202412:59 م

في شباط/ فبراير 2020، أدانت محكمة نيويورك المنتج الأمريكي هارفي واينستين، في قضايا عدة منها اغتصاب الممثلة الأمريكية جيسيكا مان والاعتداء عليها جنسياً في العام 2013، والاعتداء الجنسي على مساعدة الإنتاج السابقة ميمي هالي في العام 2006، وحُكم عليه بالسجن 23 عاماً، وذلك بعد ثلاث سنوات من اتهامه من قبل الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو لواينستين بالتحرش بها جنسياً والاعتداء عليها، لتنطلق العشرات من نجمات هوليوود في الإفصاح عن الانتهاكات التي تعرضن لها من قبل المنتج هارفي واينستين.

في أثناء مشاركتها في برنامج تلفزيوني، عُرضت صورة المخرج المصري خالد يوسف على الفنانة ميس حمدان، فذكرت اتهامه إياها بالإساءة إلى الفن لرفضها تمثيل مشاهد تتضمن قُبلات وأحضاناً في فيلمه "ويجا" من إنتاج العام 2005، وروت حمدان تفاصيل مقابلتها المخرج في مكتبه بحضور بطل العمل، حيث حاصرها بالاتهامات والتدليل على احترام فنانات زمان وعدم رفضهم تقديم هذه المشاهد، فطالبته بمُهلة للتفكير والرد عليه للخروج من الموقف، ورفضت بعدها الدور، وحين علمت الصحافة ونُشر الخبر، أجرى المخرج اتصالاً هاتفياً بها وبّخها فيه واتهمها بالسعي إلى الشهرة على حسابه وعبر لصق اسمها باسمه.

كانت المخرجة المصرية سُندس شبايك، تتابع مثل هذه القصة بعين مختلفة. لم تكن الشابة الإسكندرانية تعلم أن رحلتها من كلية الإعلام إلى العمل الصحافي ومنه إلى المسرح وصولاً إلى السينما حيث عملت في مجال الإخراج والتأليف ثم كمدربة تمثيل، وما عايشته مع أصحاب قصص الاعتداءات في الحياة الطبيعية أو في أثناء التصوير، سيقودانها إلى مهنة جديدة استحدثتها حملة فضح الاعتداءات الجنسية على نجمات هوليوود، لتصير أول مُنسّقة مشاهد حميمة في الوطن العربي.

تصوير علاء القمحاوي

كيف بدأت بمهنة تنسيق المشاهد الحميمة وهي مهنة لم يمتهنها أحد في العالم العربي من قبل؟

كنت أعمل مُدربةً للممثلين/ ات، وخلال الورش ومشاريع الأفلام كنت أسمع من الممثلين/ ات قصصاً عن الاعتداءات والتحرشات في مواقع التصوير. ولخبرتي السابقة في العمل مع "بصي"، واهتمامي بقضايا الجندر بشكل عام، كنت أسأل نفسي: كيف تكون مواقع التصوير آمنةً؟ وقبل سنوات قليلة، قرأت عن مهنة تنسيق المشاهد الحميمة على الإنترنت، وبدأت بالبحث عن كيفية امتهانها، فاكتشفت أن ذلك يستلزم تدريباً مخصصاً كلفته مرتفعة جداً.

"كنت أسعى إلى إيجاد طريقة آمنة لصنع المشاهد الحميمة، أو المشاهد التي تحكي الانتهاكات والتحرش، بعيداً عن النظرة الذكورية، لأن غالبية هذه المشاهد تُصنع من منظور ذكوري. وكنت أتمنى أن أكون جزءاً من هذه الصناعة لأساعد في تغيير الصور النمطية التي اعتدنا عليها كمشاهدين/ات"

من الذي دعمك في بداياتك؟

لعبت الصدفة دوراً كبيراً. فقبل ثلاث سنوات، كنت أشارك في مهرجان ورشة سيناريو لتطوير فيلمي، واكتشفت أن واحدةً من فريق المستشارين في الورشة تعمل منسقةً للمشاهد الحميمة ومخرجةً في جنوب إفريقيا، فطرحت عليها كل ما يدور في ذهني من أسئلة حول المهنة. بعد فترة، سألتني إن كنت أرغب في المشاركة في تدريب تنظمه نتفليكس لمنسقي المشاهد الحميمية، فتقدمت للحصول على المنحة وتم اختياري، وما زالت المخرجة تدعمني حتى الآن، وأنا أعمل حالياً في شركة تملكها وتضم أعضاء من دول أخرى كإنكلترا وإيطاليا، على تدريب مجموعة من منسقي المشاهد الحميمة، وأكبر داعم لي الشركة وفريقها بسبب مرورهم بالتجربة ذاتها، فضلاً عن أسرتي وأصدقائي.

ما سبب اختيارك هذه المهنة؟

اختياري هذه المهنة جاء لسببين: الأول أني كنت أسعى إلى إيجاد طريقة آمنة لصنع المشاهد الحميمة، أو المشاهد التي تحكي الانتهاكات والتحرش، بعيداً عن النظرة الذكورية، لأن غالبية هذه المشاهد تُصنع من منظور ذكوري. وكنت أتمنى أن أكون جزءاً من هذه الصناعة لأساعد في تغيير الصور النمطية التي اعتدنا عليها كمشاهدين/ات، كما قررت أن أكون جزءاً من تغيير يحدث في هذه الصناعة.

ذكرتِ في حديثك أنك سمعتِ قصصاً عن التحرش والاعتداء في أماكن التصوير. أين حدث ذلك؟

الاعتداءات تحدث في كل مكان. ولدي الكثير من القصص من مصر والبلاد العربية، وهناك صعوبة شديدة في الكشف عن الأمر. الخوف هو المحرّك الأساسي هنا. الخوف من عدم السماح بالتواجد في المجال أو تقليص الفرص، فهناك إشكاليات كثيرة لها علاقة بقدرة الممثل/ ة على الإفصاح عما وقع له/ ا. ولا يقتصر الخوف على الفنانين/ ات في مصر أو الوطن العربي فحسب، فالأمر صعب أيضاً في السينما الغربية.

هل هناك قصة محددة دفعتك لخوض تجربة تنسيق المشاهد الحميمة؟

جميع القصص سيئة إذ جعلتني أشعر بأنني أريد التدخل لتغيير ما يحدث. لكني حتى الآن لم أعمل في مصر، وتالياً ليست لدي الصلاحية للتدخل هناك. لكن كنت كلما تعاملت مع ممثلات من مصر من خلال ورش تدريب، أحدّثهنّ دائماً عن حقوقهنّ، وأوضح لهنّ أشكال التحرش التي قد تتعرض لها الفنانة من عدد من الأفراد، وليس من الممثل فقط، فمن الممكن أن يكون المتحرش هو مصفف الشعر أو المايك آب أرتيست... وهناك فنانات يرفضن التواجد في مكان التصوير بمفردهنّ، خاصةً إن لم تكن نجمةً معروفةً، لأنها تكون أكثر عرضةً للاستهداف من غيرها.

تصوير محمد الحديدي

حدّثينا أكثر عن عملك كمنسقة مشاهد حميمة؟

دور منسّقة المشاهد الحميمة يبدأ قبل التصوير، أي في أثناء فترة التحضير للإنتاج، ويُنصح بوجودها في أثناء كتابة المشاهد الحميمة أو المشاهد التي فيها نوع من أنواع العنف المبني على النوع الاجتماعي. ما يحدث هنا أن المُنسّق يقرأ المشروع ويقوم بتحليله وتقييم المخاطر المتوقعة، ويضع إرشادات ونصائح، ثم نعقد لقاءات فرديةً مع الممثلين/ ات نشرح دورنا في عملية صناعة المشاهد، ونحاول أن نفهم منهم/ نّ حدودهم/ نّ الشخصية. بعد ذلك تكون هناك بروفا على المشاهد نضع خلالها تصميماً لكيفية تصوير المشهد بشكل يتماشى مع الرؤية الفنية للمخرج/ ة، وحدود الممثلين/ ات، كذلك نتواجد وقت التصوير لمراعاة تنفيذ التصميم ومراعاة حدود الممثلين/ ات. ومسموح أن تتغير هذه الحدود في أي لحظة، في ظل وجود مُنسّق.

من الجهة المسؤولة عن تكليف مُنسّق المشاهد الحميمة؟

شركات الإنتاج بشكل أساسي، وأحياناً المخرجون/ ات في الإنتاج المستقل.

أيُمكن أن يُمثّل المنسّق عبئاً فنياً على العمل، كأن يكون مُقيِّداً لحركة المخرج في بعض المشاهد؟

بل على العكس تماماً. في السينما الغربية يعمد المخرج حالياً إلى التعاون مع مُنسق مشاهد حميمة لضمان تيسير العمل الفني وسهولته. صناعة المشاهد الحساسة أو الحميمة تُمثل عبئاً. وجود شخص مسؤول عن الممثلين/ ات وعن حمايتهم/ نّ من أي انتهاك، وعن التعامل مع أي مشكلات تحدث في أثناء التصوير، يُسهّل عمل المخرج/ ة، وبالطبع بعض المخرجين يشعرون بتهديد بسبب وجود المنسّق/ ة، لكن المخرج المُنفتح على العمل مع منسق المشاهد الحميمة يُدرك في نهاية العمل مدى أهمية دوره، وأنه يلعب دور المُنقذ، ويتحدث عن ذلك.

"دور منسّقة المشاهد الحميمة يبدأ قبل التصوير، أي في أثناء فترة التحضير للإنتاج، ويُنصح بوجودها في أثناء كتابة المشاهد الحميمة أو المشاهد التي فيها نوع من أنواع العنف المبني على النوع الاجتماعي. ما يحدث هنا أن المُنسّق يقرأ المشروع ويقوم بتحليله وتقييم المخاطر المتوقعة، ويضع إرشادات ونصائح"

كيف يتقبل المُخرج دورك كمنسّقة للمشاهد الحميمة؟

يتقبل المخرج دور المنسق حين يفهم أنه جاء ليدعم رؤيته الفنية لا ليعانده، فوظيفتي ليست تصميم مشهد من خيالي، بل تصميم يُتفق عليه لمشهد موجود بالفعل في العمل الفني، وأول شخص ألتقيه بعد شركة الإنتاج هو المُخرج/ ة، وأسأله/ ا عن رؤيته/ ا، وكيف يريد إظهار المشهد على الشاشة، وكيف يمكنني أن أدعم تحقيق هذه الرؤية. سأعطيك مثالاً على ذلك؛ في مشهد ضرب سيدة لزوجها بعد انفعاله عليها، يريد المخرج أن يشاهد امرأةً قويةً تخرج عن شعورها وقت الانفعال. هنا دوري أن أُقدّم اقتراحات لتصميم المشهد بشكل يتماشى مع رؤية المخرج وحدود الممثلين فأكون بين المخرج والممثل، لذا وجودي يُسهّل صناعة المحتوى ويدعم صناعته بشكل فني ذي جودة عالية، وحقيقي "ميبقاش شكله بيضحك أو غريب"، وتلك أزمة غالبية المشاهد الحميمة، فأحياناً يعاني كاتب المشاهد من الخجل وقت كتابتها أو يكتبها بشكل غير واضح، والتعامل معها دائماً فيه إشكالية. وجودي هنا لتسهيل مهمة المخرج/ ة.

تصوير محمد الحديدي

شبّهتِ منسق المشاهد الحميمة بمنسق المعارك. فكيف ترين ذلك؟

وظيفة تنسيق المشاهد الحميمة شبيهه جداً بتنسيق المعارك، فمنسّق المعارك دوره أن يُظهر الحركة في مشاهد القفز أو المعارك بشكل حقيقي، لكنها ليست حقيقيةً في الواقع. على المنوال نفسه يكون دور منسق المشاهد الحميمة في أن يُصمم المشاهد بحيث تظهر عند مشاهدتها من الخارج وكأنها حقيقية دون أن يكون ذلك حقيقياً بالفعل، بتصميم معيّن للمشهد والحركة داخله، وباستخدام عوازل يرتديها الممثلون للفصل بين الجسدين ومنع التواصل الجسدي المباشر، حتى إذا كان المشهد حميماً بين زوجين في غرفة النوم، ويمارسان العلاقة الجنسية، فهناك عازل بينهما والمتعارف أن هناك ثلاثة عوازل؛ عازل لكل ممثل أسفل ملابسه، وعازل ثالث بينهما.

حسب ما فهمت لا يقتصر دور المنسق على الحماية الجسدية؟

جزء من تدريبنا يقوم على الإسعافات الأولية للصحة النفسية، بحيث يمكننا مساعدة أي شخص من طاقم العمل وقت التصوير. ففي حالة تصوير مشهد لتحرش جنسي مثلاً، يمكن أن يتأذى الممثل/ ة، والمصوّر/ ة، ودورنا هنا الدعم، بمعنى أوضح، دورنا دعم المحتوى الحميم أو الحسّاس تقنياً وفنياً ونفسياً.

في رأيك ما سبب عدم الاستعانة بالمنسّق في الوطن العربي حتى الآن؟

السبب أن المهنة حديثة تماماً، وهي ليست منتشرةً، والصنّاع الذين يعتمدون عليها عددهم قليل يمكن عدّهم على أصابع اليد. لكني أرى أنها مسألة وقت وسيكون وجودنا ضرورياً، فالتحديات في مصر أو أي دولة عربية أخرى كبيرة، فالصناعة في مصر مثلاً تُعاني والاعتماد فيها يكون على الوظائف الضرورية التي لا يستغني عنها الإنتاج. وجود هذه الوظيفة في أمريكا بدأ مع اعتماد إستوديوهات كبيرة وشركات إنتاج كبيرة لها، وباتوا يعدّونها جزءاً من التحضير لأي عمل، مثل نتفليكس وغيرها، وذلك لضمان عدم تكرار فضائح كالتي كشفتها حملة METOO"".

برأيي، ستنتشر هذه المهنة في بلاد كثيرة كردّ فعل لتجنّب الانتهاكات التي تؤدي إلى فضائح، غير أن التحدي هو إنكار وجود مشاهد حميمة، والمشكلة هنا هي عدم الوعي بماهية المحتوى الحميم، كذلك أزمة الرقابة فكثيرون يفضّلون إنكار المحتوى الحميم حتى لا يصطدم بالرقابة التي تفرضها الدولة والمجتمع بشكل كبير، وكلها شبيهه بالتحديات التي قابلت المهنة في الدول الأخرى.

"في حالة تصوير مشهد لتحرش جنسي مثلاً، يمكن أن يتأذى الممثل/ ة، والمصوّر/ ة، ودورنا هنا الدعم، بمعنى أوضح، دورنا دعم المحتوى الحميم أو الحسّاس تقنياً وفنياً ونفسياً"

ما هي أكثر المشاهد المصرية التي تمنّيت لو شاركتِ في تنسيقها؟

سؤال صعب، لكن فيلم "احكي يا شهرزاد" هو أول ما بدر إلى ذهني بمشاهده كلها.

هل من الممكن أن تذكري لنا مواقف طريفةً أو صعبةً واجهتك في أثناء العمل؟

كلها مواقف طريفة، فحين أصل إلى موقع التصوير أبدأ بشرح مهنتي لكل العاملين/ ات من إضاءة وتصوير وغيرهما، وفور معرفتهم/ نّ بطبيعة العمل يسألون عن دراستي وفي الغالب تكون مواقف مضحكة، أما عن المواقف الصعبة فكنت أشارك في تصوير مشهد عن الإجهاض، وبرغم أن المشهد لا يظهر فيه أي جزء من جسد الفتاة المُعرّضة للإجهاض إلا أن الفكرة وتجربتها كانتا مرهقتين نفسياً للممثلة ولصنّاع العمل كلهم.

ما هي مشاريعك القادمة؟

أتواجد حالياً في القاهرة وسأبقى فيها حتى آخر الشهر الجاري، للمشاركة في ندوة مفتوحة في مهرجان منصات عن تنسيق المشاهد الحميمة والحساسة في سينما زاوية يوم 31 أيار/ مايو الجاري.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

نؤمن بأن للإنسان الحق في التفكير وفي الاختيار، وهو حق منعدم في أحيانٍ كثيرة في بلادنا، حيث يُمارَس القمع سياسياً واجتماعياً، بما في ذلك الإطار العائلي، حيث أكثر الدوائر أماناً، أو هكذا نفترض. هذا الحق هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات ديمقراطية، فيها يُحترم الإنسان والآخر، وفيها يتطوّر وينمو بشكل مستمر. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard