شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
تقطير ماء الزهر... تراث أندلسي يتجدّد مع كل فصل ربيع في المغرب

تقطير ماء الزهر... تراث أندلسي يتجدّد مع كل فصل ربيع في المغرب

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والنساء نحن والتنوّع

الأربعاء 17 أبريل 202410:41 ص

في موسم الربيع تفوح الشوارع المغربية بزهور أشجار النارنج (البرتقال المر) في أغلب شوارع وبساتين وبيوت المدن العتيقة كمراكش وفاس والرباط وتطوان، لما تحظى به هذه الشجرة من قدسية عند العائلات المغربية العريقة. 

يرتبط موسم النارنج عند المغاربة بعادة تقطير الزهر، ليستخرجوا منه ماء أو روح الزهر، وهي عادة قديمة توارثتها النساء المغربيات جيلاً بعد جيل، إذ يحرصن خلال موسم فصل الربيع على إحياء هذا الموروث السنوي والحفاظ عليه.

طقوس تقطير الزهر

تمر عملية تقطير رحيق زهور النارنج وتحويلها إلى ماء عطر الزهر بعد قطفها بعناية من أشجار النارنج بطقوس عديدة، يغلب عليها طابع الروحانية، وفي هذا الصدد تتحدث لرصيف22 مي رقية (65 عاماً) التي تقطن في أحد المنازل التقليدية المغربية في مدينة فاس الإدريسية، والتي تتضمن مجموعة من أشجار النارنج التي تزين فناءها الداخلي.

دأبت رقية على تقطير الزهر كمثيلاتها من النساء المغربيات في بيتها برفقة بناتها وأحفادها، وبالطريقة التقليدية التي ورثتها عن أمها، وتورثها لابنتها. تقول: " تقطير الزهر أو تقطار الزهر هي عادة سنوية ربيعية قديمة عندنا في فاس، وقد جرت العادة عندي خلال موسم كل سنة أن تجتمع كل العائلة بصغيرها وكبيرها ونتجند جميعاً لجني زهر النارنج من بستان البيت، حيث تنطلق عملية جني الزهر وقطفه في الصباح الباكر بعناية فائقة، فنفرش قطعة قماش تحت الأشجار من أجل جمع الزهور، وتصاحب العملية زغاريد وأناشيد دينية تصدح بذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله". 

يرتبط موسم النارنج عند المغاربة بعادة تقطير الزهر، وهي عادة قديمة توارثتها المغربيات، ولا زلن يحرصن على إحياء هذا الموروث في كل ربيع.

بعد جمع الزهور تأتي مرحلة تجفيفها وتنقيتها ووضعها في مكان لا تلامسه أشعة الشمس لمدة يومين حتى تذبل البتلات، وقبل الشروع في التقطير تتوضأ النساء ويصلين ويلبسن أبهى ما لديهن من ملابس تقليدية، ثم يقمن بتنظيف مكان التقطير وتبخيره بـ"سرغينة "، وهي عبارة عن نوع من البخور، مع إسدال ستار من الثوب يكون بمثابة حاجز على مكان التقطير للحفاظ على قدسية المكان وحمايته من العين.

تقول رقية: "يبدأ أول الطقوس بعد صلاة الفجر، في جو من الإيمان والدعاء والطهارة والصلاة على النبي من حين لآخر، وارتداء ملابس تقليدية تتمثل في القفطان المغربي باللون الأبيض كرمز على الطهارة والنقاء مع تبخير مكان التقطير وتعطيره بأجود البخور التي تحتوي على عود القماري والمسكة الحرة وروح الزهر، وذلك بهدف تطهير مكان (التقطار) وتعطيره تحسباً من أن يمتزج أي شيء غير مرئي مع قطرات الزهر، وأيضاً نقوم بإسدال ستار أبيض على مكان التقطير من أجل حجب المكان وحماية عملية التقطير من أعين الناظرين". 

أداة تقطير الزهر التقليدية

في السياق ذاته تصف السيدة مليكة العبادي المتحدرة من مدينة مراكش وهي أستاذة متقاعدة لعلوم الحياة والأرض وعضوة بجمعية منية مراكش لحماية وصون التراث الثقافي المغربي. والأهم أنها خبيرة في عملية التقطير.

تقول لرصيف22: "خطوات التقطير دقيقة جداً، وتتطلب الجهد والصبر والإتقان، حيث تعتمد عملية التقطار على أدوات وتقنيات خاصة، تتمثل بالأساس على أداة القطارة، وهي من الأواني المغربية النحاسية التراثية، وتأتي في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول السفلي و يسمى (البرمة) يملأ بالماء، ثم الجزء الثاني وهو وعاء ذو ثقوب صغيرة ويدعى بـ(الكسكاس) يتوسط القطارة، وتوضع فيه الزهور وبعض حبات النارنج، ثم يوضع الوعاء بإحكام فوق (البرمة)، ثم وعاء ثالث يسمى (قبة القطارة)، وهو الجزء العلوي الذي يوضع كغطاء فوق (الكسكاس)، ويُملأ بالماء البارد، وله فتحتان مزودتان بأنبوبين، الأول منخفض لاستخلاص قطارة ماء الزهر والثاني عال يتوفر على صنبور للتخلص من ماء التبريد عندما يسخن، ثم يغلق الكل بإحكام مع سد الفرغات بين أجزاء القطارة حتى لا يكون هناك أي تسرب للبخار، وتوضع القطارة على نار متوسطة ما بين 70 و 80 درجة". 


بعد جمع الزهور تُجفف وتوضع في مكان لا تلامسه الشمس ليومين، وقبل الشروع في التقطير تتوضأ النساء ويصلين ويلبسن الملابس التقليدية، ثم يقمن بتنظيف مكان التقطير وتبخيره مع إسدال ستار من الثوب يكون بمثابة حاجز على المكان للحفاظ على قدسيته وحمايته من العين

وتقول العبادي إن هذه تستغرق هذه العملية حيزاً من الزمن حسب كمية الزهر التي ترتفع كلما زادت الكمية، إذ يستغرق كيلوغرام واحد من الزهر قرابة الساعة من الوقت، ويمكنه أن يعطينا ليترين خالصين من "ماء الزهر".

"ماء" المناسبات المغربية

تمر عملية التقطير بثلاثة مستويات فيما يعرف بـ"التقطيرات الثلاث"، حيث يستخرج من التقطيرة الأولى أو ما يسمى "برأس القطارة" وهو ماء زهر مركز ذو رائحة قوية ّ وجودة عالية، يستعمل في العطور ومواد التجميل ويوضع داخل "المرشات" ويستعمل خلال المناسبات الأعراس والجنائز والأعياد الدينية واستقبالات الضيوف.

أما التقطيرة الثانية فتستعمل في إعداد الحلويات المغربية (كعب غزال ، بريوات ، الشباكية...) والسلاطات، وكمنكهة للمشروبات، والأخيرة تكون خفيفة تستعمل كمعطر للأفرشة والملابس. 

عند الانتهاء يُحتفظ بقارورات الزهر المقطر لمدة 40 يوماً، ويجب أن تكون مغطاة في مكان نظيف مظلم لا تصله أشعة الشمس حتى يتجانس الخليط ويصبح صالحاً للاستعمال. 

وتشدد العبادي على ضرورة وأهمية التخلّص من الماء السّاخن من "قبة القطارة" خلال مراحل التقطير والذي يُستغل فيما بعد في استحمام واغتسال أفراد العائلة، تقول لرصيف22: "يجب أن تحرص النساء خلال عملية التقطير على مراقبة وتجديد ماء قبة القطارة العلوي باستمرار، ليكون هذا الأخير بارداً حتى لا تتلف الزهور، وبذلك تبقى العملية مستمرة حتى آخر قطرة. وتُستغل هذه المياه الساخنة التي يتم تغييرها في استحمام واغتسال جميع افراد العائلة".

وتلفت إلى أنه من الضروري جداً عند الانتهاء من عملية التقطير أن يُحتفظ بقارورات الزهر المقطر لمدة 40 يوماً، وأن تكون مغطاة في مكان نظيف مظلم لا تصله أشعة الشمس حتى يتجانس الخليط ويصبح صالحاً للاستعمال. 


موسم "زهرية مراكش"

تحتفي مدينة مراكش خلال ربيع كل سنة، وتحديداً في الشهر الثالث بهذه الزهرة العطرية، من خلال تنظيم تظاهرة ثقافية لموسم تقطير الزهر تحت عنوان "زهرية مراكش"، والتي تنظمها "جمعية منية مراكش" التي تأسست في العام 2006، بهدف صون هذا التراث والمحافظة عليه وتثمينه والتعريف به وتلقينيه للأجيال الشابة.

يقول رئيس الجمعية جعفر الكنسوسي أن هذه التظاهرة أتت في نسختها الـ12 بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومجلس جماعة مراكش، فضلاً عن عدد من الفاعلين والمثقفين، مضيفاً أن الجمعية عملت على استخلاص المراسم العائلية المتعلقة بتقليد تقطير ماء الزهر، وجعلت منها حدثاً ثقافياً يعزز الحضور الثقافي والحضاري لمدينة مراكش الحمراء. 

عادة تقطير ماء الزهر قدمت إلى المغرب من بلاد الأندلس كما تقول البحوث التاريخية، وحالياً تسعى جمعية "منية مراكش" إلى إدراج هذا الطقس في لائحة منظمة اليونيسكو للتراث اللامادي

وتأتي تظاهرة "زهرية مراكش" لترسيخ الأجواء والتقاليد المرتبطة بعملية تقطير ماء الزهر، ويتابع الكنسوسي: "هذا الحدث الثقافي عرف حضور وازناً بين الشباب من الجنسين، وتخللت هذه التظاهرة الثقافية طيلة أيامها مجموعة من الأنشطة، أهمها تقديم ورشات تكوينية حول كيفية تقطير ماء الزهر على الطريقة التقليدية المغربية تحت إشراف النساء الخبيرات".

يقول الدكتور عبد العاطي لحلو الخبير في التراث لدى اليونيسكو والباحث في الأنثروبولوجيا لرصيف22 إن عادة تقطير ماء الزهر قدمت إلى المغرب من بلاد الأندلس الذين حلوا بالمغرب ونقلوا إلى المغاربة طرق تقطير أزهار النارنج حتى أصبحت من التقاليد المغربية العريقة التي ينبغي إحياؤها وتمريرها للأجيال لتظل صامدة في وجه الاندثار والضياع.

وتسعى جمعية منية مراكش إلى إدراج طقس تقطير ماء الزهر ضمن لائحة التراث الثقافي غير المادي الوطني لدى وزارة الشباب والثقافة، وصولاً إلى لائحة منظمة اليونيسكو.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard