شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
عائلة المهرّجين التي اختطفتني

عائلة المهرّجين التي اختطفتني

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 6 أبريل 202411:29 ص


 

ماذا أريد

أو بمعنى أوضح: كيف نبتت كل هذه الأحلام في فمي؟

ورغماً عن كل شيء

بدأت مؤخراً

أجزّ على أسناني

كي أحتفظ بها لأطول وقت

قبل أن أحطمها.

كوابيس عائلية

منذ صغري، كنت أتخفّف من جذوري. لا أركن كثيراً إلى أصالة عائلتي، أو الوقع المُنغّم للقبها القديم الذي فقد سحره بمرور الزمن والضغائن، وأكل جوهره الشتات والفقر والاغتراب، وجعله مهشّماً وهشّاً؛ مجرّد أن تفتح باب الذكريات وتتجوّل داخله، تطير في وجهك الوثائق الممزقة، الصور، الثياب والنظرات الباهتة حتى بصمات الأصابع تلطخ عنقك؛ تحاول أن تبدي أسباباً مقنعة لخنقك أو الاحتفاظ بك رهن قبضتها، إلى أن تنتهي مثل كومة رماد.

لا تكتفي هذه الأشياء بالطيران حولك فقط؛ بل تطاردك في صحوك مثل الكوابيس التي لن تعرف نهايتها، لأن شخصاً ما، سخيفاً ربما، ترفق بصراخك وقرّر فجأة أن يوقظك، فيما قدمك تتدلّى والأخرى ترتجف فوق جسر رفيع بين غمازتين في وجه مهرج عملاق.

لا تكتفي هذه الأشياء بالطيران حولك فقط؛ بل تطاردك في صحوك مثل الكوابيس التي لن تعرف نهايتها، لأن شخصاً ما، سخيفاً ربما، ترفق بصراخك وقرّر فجأة أن يوقظك، فيما قدمك تتدلّى والأخرى ترتجف فوق جسر رفيع بين غمازتين في وجه مهرج عملاق... مجاز

يؤلمني أحياناً

أنني تصورت أن حياتي مجرد حلم

بحلول الربيع قد أفيق منه.

يمر أكثر من مارس

أكثر من قناع ملون

ووجهي محتفظ بحزنه القديم مثل حجارة معبد

تدين بالولاء لأول رب متعب

أراد أن يبني لنفسه بيتاً

يحميه من نظرات الجوعى

وصراخ المعذبين.

الهالات حول العيون... أيضا ذكريات

أنا لا أخاف المهرّجين، على العكس تماماً، تبدو وجوههم أليفة وواثقة، كأنها لعائلتي التي نزحت من قريتنا قبل ولادتي إلى العاصمة الرمادية، هجرت الحقول الملونة والابتسامات المليحة المجعّدة، إلى الأحلام الكبيرة. ليس في المال والاستقرار فقط، بقدر ما كان العمل الشاق مطلوباً، فيصير للقمة الخبز مذاق العرق البارد، الذي يلطف المعدة الفارغة للفقراء.

نسهر على حواف المدن في دوائر حول الذكريات، نحرقها واحدة واحدة؛ لنعطي الضوء القادم شيئاً من الألفة والدفء. تركت ذكرى تحترق ببطء، كانت عن زهرات صغيرة تتمايل بجذل بين أعواد البرسيم. هذه البراءة التي من أجلها نرفع قلوبنا إلى السماء، ونتأكد من وجود الرب.

ننصت إلى موال حزين تتكوّر فيه الغربة على نفسها في عربة نقل، ترتجف من البرد ومن حيرة الأسئلة عن الوجهة الأكثر أمناً في أصوات الأمهات، هل كانت في كلمات الوداع المقتضبة أم في الأغنيات الناعسة فوق جبين الأطفال المحمومين؟ هكذا كنا نكسر الذكريات العنيدة، ونرميها كل ليلة في النار.

نفيسة هي الحياة التي تتسرب من الأقنعة؛

قطرة منها

تساوي وقوفك عارياً

بين ظلين

أحدهما يجهل اسمك

والآخر يهرب من حريق.

أنا لا أخاف المهرّجين، على العكس تماماً، تبدو وجوههم أليفة وواثقة، كأنها لعائلتي التي نزحت من قريتنا قبل ولادتي إلى العاصمة الرمادية... مجاز

قناع لديه وجهة نظر

أول التنازلات التي قدّمنها قرباناً إلى المدينة، بجانب ذكرياتنا، كان وجوهنا. اعتدنا وضع أقنعة فوق بشرة المدينة، أقنعة من ابتسامات ملونة، ثقيلة ومجانية، أمام المارة، خلف مكاتب العمل، على المقاهي وتحت أسقف الشقق المشتركة، وبين الفتارين التي احتفظت بلمعة عيوننا ما تحمله جيوبنا من سراب، حتى أمام المرايا، كانت الابتسامة تتسع لتبتلع كل ما نعرفه عن أنفسنا، من خوف ورهبة للأماكن المغلقة والأحاديث الشحيحة، ومحاكاة الغرباء في التودّد إلى النوم بوضع غمامة دكناء على القلب قبل العينين.

على الهامش، نكافح لنبقي على اليوم طيّعاً ليناً، مثل قاطرة تتمايل على القضبان ولا تخرج عنها، احتكاكها العنيف بالأرض هو ما يجعلنا نراقب الحياة، بحياد أحياناً، وفي أحيان أخرى ننزلق إلى الغضب مثل عود ثقاب يتحمّم في النيران قبل أن يسقط بين رماده، وحوله يتبدّد الصراخ، وقد نراقب الحياة بصورة أفضل تتمشى فوق شريط النوافذ بين المحطات، كأنها لطخات فرشاة ملونة تحط فوق عيون عمياء قبل أن تطير إلى عيون تستحق.

أفكر في تربية شجرة في حجرة نومي

أضع لها فتات الشمس مع دلو ماء

وعصفورين

يؤلمني أحياناً
أنني تصورت أن حياتي مجرد حلم
بحلول الربيع قد أفيق منه

على الشجرة أن تبدّل أسماءها أمامي

وترتدي أقنعتها بصمت

وعليّ أن أكنس أوراق عمرها

وأبادلها الأمل

وانتظار حكمة الحطاب.

أحياناً علينا أن نراقب بحياد ودأب

كيف تنمو الأشياء داخل الأقفاص؛

لأن هناك رباً صغيراً داخلنا

يحب أن يرانا على صورته.

مخاوف فئوية

الفكرة الرائجة للخوف من المهرّجين، تكمن في هجرة جماعية إلى أنواع برجوازية من الفوبيا، لا أخشى المهرّجين بل أتعاطف مع المحنة التي وضعت على وجوههم، طبقة جيرية تشبه شحوب بشرة الجثث تم تظليلها بحياة صاخبة، لولا أن معدتي تنقبض من المكياج الكثيف والألوان السائلة على الوجوه، وتروعني أحياناً ابتسامتهم المزيفة؛ لصار لدي اتجاه غامض لكراهية صناعة الضحك كوجبة خفيفة ومؤقتة.

عائلتي ليست برجوازية ولم أزر السيرك يوماً، أو يلاحقني صبيان مبتسمون بضراوة في الشوارع. لم يقف رجل أمام خطواتي المتعجلة ويطلب مني بلطف أن ابتسم لحركاته أو نكاته أو قبلاته المبعثرة في الهواء، وحين فعلها أحدهم أصابني الغثيان؛ رأيت أن العرض برمته مصطنعاً، بعيداً عن الحب الذي يخطف من أعيننا تلك الخفة المفترضة للنظرات، ويجعلها عميقة تغوص في الصدر مثل إزميل في طريقه لنحت القلب على صورة الحبيب.

منذ يومين

عثرت على إعلان صغير على باب متجر لعب أطفال

أدرك صاحبه أن هذه لم تعد مهنته،

هكذا ببساطة قرّر أن يستبدلها بأخرى

يستدرج فيها الأمهات إلى تجربة بسيطة؛

هو يتحدث عن المبلغ الذي يلزمه

ليستغني عن طفولته

وكل واحدة منهن تساومه

في ساعة أو ساعتين من حياته كرجل.

ابتسامته تغفو بين كفي

بيضاء وناعمة

أستطيع أن أفركها لو ضغطت أكثر

أستطيع أن أنثرها على وسادتي

وأحلم بقناديل البحر تلدغني

قبل تصعد إلى السقف

وتضيء عتمة روحي بنجمات،

هل كانت هذه أنفه أم تفاحة

انزلقت إلى الأبد بين نهدي؟

لسريره ملمس الصفيح البارد

خدر ينهب دفئك

ويكفيك لتمجد الحب

مثل رب راض عن صنعته

قبلاته على جسدي

زهور حمراء

وكدمات بنفسجية.

أول التنازلات التي قدّمنها قرباناً إلى المدينة، بجانب ذكرياتنا، كان وجوهنا. اعتدنا وضع أقنعة فوق بشرة المدينة، أقنعة من ابتسامات ملونة، ثقيلة ومجانية... مجاز

مجرد حب، تستحق أفضل منه

قد أكون عرفت الحب، وظننت أنني بهذا بعيدة عن المهرّجين، ومن المفترض أن تضحكني مهازل أخرى في حياتي، كأن يرى أحدهم أنني مجرّد نزهة، وجبة غرام دسمة، تعفيه مؤقتاً من مراجعة التزاماته مع شخص أكثر إذعاناً ومركز اجتماعي مرموق كلما أراد أن يسجن حياته في ارتباط، أو يبادلني بصدق مشاعره بعد أن يشبع.

المشاعر الحقيقية هي الصورة المثلى لإنهاء علاقة، ليس لبداية علاقة كما هو معروف، كأن يقول لك أحدهم مودعاً: أنت تستحق أفضل مني، وتسرّها في نفسك: بالطبع يا أحمق أستحق الأفضل، لكنه حظي السيئ هو من تعثر بك.

وبين هذه التجارب تصير مهرّجاً محتملاً، لا تدري أين الخطأ الذي أقدمت عليه في حياتك، لماذا تُضحك الآخرين ولا تبتسم مطمئناً لمرّة من قلبك، لكنك تضحك من حياتك أيضاً، وتثمّن النظرات التي تعزيك لأنك تؤدي دورك كما يجب أن يكون عليه المهرج هذه الملهاة؛ يقفز من حريق إلى آخر فيما الذكريات تطارده والناس يهرعون خلفه بالضحكات، لا أحد أحبه، لا أحد شعر بألمه أو أراد أن ينقذه.

أحياناً علينا أن نراقب بحياد ودأب، كيف تنمو الأشياء داخل الأقفاص؛
لأن هناك رباً صغيراً داخلنا، يحب أن يرانا على صورته

أراهن أنني كنت في حياة سابقة

رصاصة أطلقها قناص

أحبت قتيلها من أول جرح

هذا الحب الذي من أجله

تُسْرَقُ حيوات

ويلازم المرء غريمه

حتى لو كان الأبد مقبرة جماعية.

المخاوف التي تستحق

كل ما أعرفه، أن الأماكن البعيدة في الوجوه هي التي تخيفني، ذلك السحر المختبئ الذي علي أن أعثر عليه، وأفكك تاريخه الغامض ومخاوفه الساذجة، وأقرأ تفاصيله ملمحاً ملمحاً وخلية خلية، ربما كانت هذه الوجوه المزدحمة بالابتسامات ملصقات براقة تتراقص فوق جثث، هي لعائلتي، وقد فعلتُ كل ما يلزم كي أجمع ملامحها وأتذكرها بلا جدوى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard