شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
في فهم القضية الفلسطينية

في فهم القضية الفلسطينية "إسرائيلياً"... عمّا ليس لدى هذه "الدولة"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

يَنسى من يتحدّثون في شؤون القانون الدستوري، أو يتناسون، أنّ "الدولة" المسمّاة "إسرائيل"، بعد خمسة وسبعين عاماً على إحداثها بعون غربي بريطاني بالأساس، وعربي، ليس لديها دستور. وحتى مع الاحتجاج بأنها تتساوى في ذلك مع دول لديها دستور وتخرقه مئات المرات، إلا أن الأمر ليس كذلك، برغم وجود ما يسمّى "القوانين الأساسية" للدولة في "إسرائيل".

كان يفترض بهذه القوانين الأساسية أنّ تكون فصول مسوّدة دستور لتلك "الدولة" اليهودية الوحيدة في العالم، وعموماً فإنّ أي دولة، بُعيد إنشائها أو بعد أي تغيير جذري فيها مثل قيام ثورة، تضع قواها التشريعية والقانونية دستوراً، تساوقاً مع فكرة الدسترة بحد ذاتها بصفتها مبدأ أساسياً من مبادئ الدولة الحديثة، تتحدد فيه الحقوق والواجبات ومعالم الدولة نفسها كنظام الحكم ونوع الاقتصاد والديانات والقوميات وغيرها من علامات الدولة الحديثة، بما في ذلك الأعلام والعملات والمسائل ذات الصلة.

لكن حتى اليوم، فإنّ "إسرائيل" تعمل تبعاً لما يسمّى "القوانين الأساسية" وأحكامها، والقوانين بحدّ ذاتها لا تغطي جميع القضايا الدستورية، وليس هناك موعد نهائي محدد لإتمام عملية دمج هذه القوانين في دستور واحد، ولا توجد قاعدة واضحة لتحديد أسبقية القواعد الأساسية على التشريعات العادية، وفي حالات كثيرة يُترك تفسير المسألة للنظام القضائي الذي يلعب دوراً مركزياً في كل شيء هناك حتى يكاد يكون المهندس الخفيّ لكل شؤون "الدولة".

أصل الحكاية

واحد من التفسيرات "التاريخية" لغياب كتابة دستور طوال هذه العقود، هو أنّ الأحزاب الدينية اليهودية لم تكن تريد دستوراً عام 1948، لأن الدستور "الحديث والعلماني" في بعض تعاليمه قد يتعارض مع بعض تعاليم التوراة "المحافِظة"، وهو ما جعل العلمانيين في ذلك الوقت يتجاهلون وضع الدستور كحل سياسي مؤقت للخلاف، تبعاً للأرشيف الإسرائيلي الذي كُشفت منه حتى الآن نسبة ضئيلة جداً، وهو ما استمر حتى بات حالةً دائمةً إلى الآن. إلا أنّ هناك أسباباً أخرى ومسألة "الدستور" لا تقف عند هذا الحد.

بتاريخ 13 كانون الأول/ ديسمبر 1949، اجتمع مجلس وزراء "إسرائيل"(وليس في العام 1948)، ونوقشت قضية الدستور في اجتماع مطوّل.وفق وثائق الأرشيف، كان وزير العدل وقتها، بنحاس روزين (ألماني المنشأ)، يؤيد وضع الدستور، وكان يتفق معه في ذلك المستشار القضائي للحكومة يعقوب شمشون شابيرا (روسي، أوّل مدعٍ عام). وحسب النقاشات،كانتمن الاعتبارات الرئيسية الحاجة إلى حماية حقوق الأفراد، إلا أنّ الممثلين الدينيين، وهم حاضرون بقوة منذ اللحظة الأولى لفكرة الدولة اليهودية، كانوا متشككين وقتها في فكرة علمانية الدولة وفق المعايير الغربية وحقوق الأفراد فيها، ولكنهم لم يطرحوا التوراة كبديل أو ليكون بمثابة "كتاب قواعد" للحياة في "إسرائيل الجديدة". 

يَنسى من يتحدّثون في شؤون القانون الدستوري، أو يتناسون، أنّ "الدولة" المسمّاة "إسرائيل"، بعد خمسة وسبعين عاماً على إحداثها ليس لديها دستور. وحتى مع الاحتجاج بأنها تتساوى في ذلك مع دول لديها دستور وتخرقه مئات المرات، إلا أن الأمر ليس كذلك، برغم وجود ما يسمّى "القوانين الأساسية" للدولة في "إسرائيل"

ويمكن هنا التذكير بأنّ التيارات الدينية كانت في تلك الحقبة أقل حضوراً وتأثيراً بشكل عام في العالم، ولكنها في "إسرائيل" كانت حاضرةً بقوة منذ فكرتها الأولى، وتأسيس إسرائيل انطلق صهيونياً من فكرة توراتية مخترعة. في الخلاصة هنا، ووفق تلك الوثائق، فإنّ العديد من المشاركين في النقاش رأوا أن تفعيل دستور في ظل المناخ السياسي الممزق سيكون مثيراً للخلاف وصعباً، ولكن الحقيقة التاريخية والأسباب الحقيقية تقول غير ذلك.

السبب المعلن والمباشر وراء قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي عدم وضع وكتابة دستور، يرجع إلى الأب المؤسس ديفيد بن غوريون، الذي كان يمتلك رؤيةً أوسع لمستقبل الدولة الجديدة ودورها في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها شعوب المنطقة منهكةً من تبعات الاستعمار الغربي وانتقال مركز الثقل الاستعماري صوب العالم الأمريكي الجديد، وهو ما جعل بن غوريون يرفض بشكل قاطع أن يكون للدولة الجديدة دستور.

من خلال الوثائق أيضاً، فإنّ موقف بن غوريون يرجع إلى أنّه "ليس هناك وقت" وفق تعبيره، وأوّل الأسباب وراء موقفه هذا "أنه لا يرى أي سبب لوجود دستور"، ويقول متابعاً: "لماذا يجب أن تكون بعض القوانين أقوى من غيرها؟ ولماذا نعتقد أن المشرّعين اليوم أكثر حكمةً من تلك السنوات الثلاثمئة الماضية (قبل تأسيس إسرائيل)؟ يجب أن تكون هناك قوانين جيدة، نعم. وقد كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى دستور يجمع كل المستعمرات، لكن إسرائيل تواجه تحديات أخرى. السبب الثاني، والأول الذي اعترف به، هو أن جلسة الكنيست المخصصة لصياغة الدستور ستُخصص للاستعراض والاستعراض فقط"، حسب كلام بن غوريون، وهو لم يسمِّ أي حزب أو مجموعة بعينها باعتباره المذنب الرئيسي المحتمل.

ما قاله بن غوريون وقدّمه بإسهاب هو أنّ "هناك أشياء أكثر أهميةً بكثير يجب القيام بها"، لذلك ألقى خطاباً طويلاً حول "جلب ما بين ثلاثمئة إلى أربعمئة ألف مهاجر إضافي وتوفير مكان لهم"، وحول استيطان النقب واستخدام موارده، وبناء الموانئ والسكك الحديدية والمدن والطرق السريعة، وكذلك جميع القوانين "العادية والدنيوية اللازمة لإدارة البلاد"، وأضاف بالحرف: "السنوات القليلة المقبلة هي الأهم في تاريخنا. إذا كان أي شخص يعتقد أن إعلان الاستقلال أو الانتصار في الحرب (1947-1949) هو ما هو مطلوب لتأسيس الدولة، فهو مخطئ، العمل كله أمامنا" (من محاضر الأرشيف في المكتبة الوطنية الإسرائيلية).

منطق بن غوريون

أفكار بن غوريون السابقة هي منطلق عمل وخطط الدولة العبرية وإستراتيجياتها حتى اليوم، ولم تتغير إلا في تفاصيلها وأولوياتها، وهذا "الوفاء" لأفكاره ليس مجرّد احترام للأب المؤسس، كونه تحوّل إلى طوطم (رمز مقدّس) لتلك الدولة مثلما تحوّل آخرون من الآباء المؤسسين للدول إلى طواطم حديثة، بل لأن هذه الأفكار التي طرحها تتلاءم حتى الساعة مع الجذر الأساس الذي تأسست بموجبه، أي الوظيفة الاستعمارية الواضحة، مهما تغطّت السياسات والخطط والتوجهات بآلاف مفردات السلام وحق اليهود في العيش في دولة واحدة كأمّة يهودية (مخترعة مثلها مثل غيرها من الأمم). 

واحد من التفسيرات "التاريخية" لغياب كتابة دستور طوال هذه العقود، هو أنّ الأحزاب الدينية اليهودية لم تكن تريد دستوراً عام 1948، لأن الدستور "الحديث والعلماني" في بعض تعاليمه قد يتعارض مع بعض تعاليم التوراة.  

بن غوريون لم يكن يريد منح الحاخامات موطئ قدم دستوري في إدارة تلك الدولة، ومن المؤكد أن "قواعد الحياة الشخصية" للأفراد اليهود تبعاً لتفسيرات هؤلاء للتوراة، والتي لا تزال تحت سيطرة الحاخامات حتى الآن، كان لا بد أن تكون جزءاً من أي دستور لضمان "الوحدة الوطنية" في ذلك الوقت، خاصةًفي ظلّ قوّة تلك التيارات الدينية. ولكن المتوقع من صهيوني علماني غير متدين مدعوم عالمياً من بريطانيا والولايات المتحدة حيث تسيطر الشركات لا الصلوات، هو رفض هذه الفكرة بطريقة ذكية.

والأهم والأكثر جذريةً للمؤسس بن غوريون، هو التحرك بعيداً عن تلك "التفاهة التاريخية"، وفي الوقت نفسه عدم استعداء هذه الكتلة الأساسية في السلطة والمجتمع الجديد. وهذا كله دفع بن غوريون إلى "اختطاف النقاش"، وعندما توقف عن الحديث كانت القضية قد ماتت برغم أنّ الحديث استمر بعد ذلك ساعةً فأكثر. ووفق الأرشيف، عندما حاول روزين، وزير العدل وقتها، في اللحظة الأخيرة إنقاذ موقفه من خلال اقتراح تشكيل لجنة حكومية يبلّغ بها الكنيست،رفض بن غوريون ذلك أيضاً.

في تلك الحقبة لم يكن كل اليهود "متدينين"، وحتى اليوم هم كذلك ككل البشر الآخرين، ولم يكن ممكناً في الحالة الإسرائيلية تلك إعطاء الحاخامات دستوراً دينياً ولا إعطاء غير المتدينين دستوراً علمانياً، لأنّ دولةً علمانيةً ستقصي المتدينين اليهود وأنماط حياتهم تختلف عن اليهود اللامتدينين، وبالعكس فإنّ فرض دستور ديني يعني العودة إلى شعائر لا تتفق والدولة الجديدة في سعيها لتكون حاضنةً لكل يهود العالم، عدا عن وظيفتها الاستعمارية التي تتطلب الانفتاح على الغرب الرأسمالي العلماني أو الليبرالي.

في الخلاصة، ما فعله بن غوريون هو أنه اخترع طريقةً لا تدخل فيها إسرائيل في صراعات أهلية، حيث يمكن للمتدينين ممارسة طقوسهم التعبدية وشعائرهم وفي الوقت نفسه يمكن للدولة إكمال عملها في جبهات أخرى كثيرة لم تستقر بعد مع العالم العربي والغربي. وما فات انتباه بن غوريون هو أنّ هذه المسألة سوف تعاود الحضور بعد سبعة عقود على تأسيس الكيان إذيستعيد الصراع جذوته الآن.

في تفسير الحدود والأرض

يفترض الدستور بشكل ما تحديد حدود الدولة، من الباب الجغرافي-المكاني قبل أي اعتبار آخر، فالمسألة هنا توثيق الكيان الجغرافي الذي تديره سلطة هذه الدولة، وحدود الآخرين هي ما بعد هذا الكيان. وبقدر ما تشكل الحدود مفهوماً قومياً استعمارياً بالضرورة، لجغرافيتنا وجغرافيتهم، تشكل تظهيراً لعلم الدولة وهويتها ونظامها وشعبها. وفي الدولة القومية الحديثة، تتبع ذلك جملة إجراءات واقعية ملحوظة مثل انتشار الجيش ومواقعه وغير ذلك من القضايا. 

عارض بن غوريون وجود دستور لإسرائيل، حيث رأى أنّ "هناك أشياء أكثر أهميةً بكثير يجب القيام بها"، لذلك ألقى خطاباً طويلاً حول "جلب ما بين ثلاثمئة إلى أربعمئة ألف مهاجر إضافي وتوفير مكان لهم"، وحول استيطان النقب واستخدام موارده، وبناء الموانئ والسكك الحديدية والمدن والطرق السريعة

تبريرات بن غوريون، السابقة في وقتها، تصحّ في حالة الدولة العبرية التي يعتمد تفكيرها على ميثولوجيا توراتية "مخترعة" حتى في الجغرافيا عبر قرون من الاشتغال المركّز على مختلف الجبهات، الفكرية والتاريخية والآثارية، للوصول إلى إقناع العالم بأحقية هؤلاء البشر في "وطن" تاريخي المنشأ يقام من جديد فوق "أرض الميعاد" وهي"أرض منحها الرب لهم بصفتهم أبناءه المختارين". ويخدم أكثر عدم وجود دستور فكرة "إسرائيل" نفسها التي انطلقت للتنفيذ العملي على مسارات عديدة، وقادتها الحركة الصهيونية على مدار قرن كامل منذ ما قبل مؤتمر بازل في سويسرا، واعتمدت في سبيل ذلك جملة "مخترعات" من بينها إلصاق عبارة واردة في التوراة على لسان إله اليهود "يهوه"، بجغرافيا بلاد الشام ومصر، وفلسطين في قلبها، والتي تقول: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، ونَهْرِ الْفُرَاتِ" (سفر التكوين 1:15:7).

وبغض النظر عن أنّ من أعطى "صكوك" ملكية هذه الأرض هو "إله العبرانيين" للعبرانيين، وكأنه تاجر أراضٍ وعقارات، ومثله فعلت بريطانيا، فإنّ الزيف الوارد في العبارة وأخطاء الترجمة المقصودة توضح كيف تم اختراع فكرة "إسرائيل القديمة". وبقليل من التوضيح، فإنّ كلمة "مصر" لم ترد في التوراة بهذا الاسم بل وردت "مصريم"، وكلمة "نهر الفرات" لم ترد كذلك في النص العبري بل في شروحات النص اليوناني فقط، ولم يكن اسم "الفرات" قد التصق بذلك النهر بل كان اسمه "بورانو" في وقت كتابة التوراة وحتى بعدها بخمسة قرون وأكثر، والأصل في الجملة هو من نهر مصريم إلى النهر الكبير (للمزيد يُراجَع مقال فضل الربيعي على هذا  الرابط).

تحوّلت العبارة السابقة إلى شعار رسمي للدولة يُستخدم في الإعلام والصلوات، كما وُضعت على رموزها المرئية ومن بينها عملة 10 أغورا (عملة معدنية من الشيكل)، والخريطة التي تظهر على هذه العملة نسخة عما ورد في عبارة التوراة المزيفة تلك مع إضافة مناطق من الجزيرة العربية حالياً. وللتغطية على فضيحة طالت هذه العملة قبل أن تُسحب من التداول، ادّعى بنك "إسرائيل" أن العملة هي نسخة طبق الأصل عن عملة رومانية صدرت قبل الميلاد.

ولعل هذه الإشارات تفسّر واحداً من جوانب عدم وضع دستور لهذه "الدولة". فكيف يمكن لدولة ناشئة أن تعلن على الملأ أنّ حدودها الحالية المقررة بموجب قرارات أممية غير نهائية بعد، وأنها سوف تستمر في سعيها إلى قضم أراضي خمس دول أخرى من الدول المنتمية إلى عصبة الأمم آنذاك؟ من الأفضل السكوت عن ذلك واتباع "التقية" بمعناها الإخفائي، أو عدم إعلان ذلك على الأقل إلى حين إتمام المهمة التي كُلّفوا بها من قبل "الرب" لتحقيق "أرض الميعاد" النهائية.

واقعياً، ما حدث عبر العقود السبعة الفائتة هو تجسيد عملي للمقولة السابقة، إذ استمر قضم الأراضي الفلسطينية وتهويدها بكل الطرائق المتاحة، وهندسة هذا التفريغ بكل الطرائق "الذكية" استعمارية الطابع والقائمة على فكرة التسلل بهدوء و"تطفيش" المقيمين بطرائق قانونية إسرائيلية لا ينفع معها لجوء الفلسطينيين إلى أي هيئة قضائية إسرائيلية حتى لو امتلك الفلسطيني كل الوثائق التي تؤكد صحة موقفه. ومنذ العام 1947 حتى اليوم، توسّعت تلك الدولة على حساب الأراضي الفلسطينية حتى ابتلعت 80% منها، باستخدام مختلف أنواع السيطرة والطرد والإبعاد والاعتقال والهندسة الإنشائية استعمارية الطابع، وحين ننظر إلى جدار الفصل العنصري بين أراضي الضفة والمستوطنات، لن نحتاج إلى الكثير من المحاججة لإدراك حقيقة ما سبق.

حدود غير نهائية للأبد

في حالة إسرائيل، ومع عدم تحديد حدودها بشكل واضح لا في الدستور الغائب ولا في القوانين الأساسية، نفهم أنّ الحدود الحالية هي حدود غير نهائية، وإذ أعطى قرار التقسيم (181) الصادر عام 1947 عن الأمم المتحدة، يهود فلسطين نحو 60% من أراضي فلسطين التاريخية وترك الباقي للعرب، وكان اليهود وقتها لا يشكّلون سوى 20% من السكان برغم الهجرة الكثيفة إلى فلسطين، فإنّ هذا لم يكن كافياً لإيقاف التوسع داخل فلسطين وخارجها.وهكذا تضخم الكيان حتى ابتلع ثلاثة أرباع ما حدده قرار التقسيم، بما في ذلك مناطق كان يفترض نشوء دولة فلسطينية فيها بشكل كامل مثل أراضي الضفة الغربية. يذكر جدعون ليفي،وهو كاتب عمود في صحيفة "هآرتس"، أنّ المستوطنين في العام 1967، بعد احتلالهم الضفة الغربية، لم يكونوا يعرفون ماذا يطلقون على الأراضي التي احتلوها حتى ضمن سياقهم التوراتي. 

في حالة إسرائيل، ومع عدم تحديد حدودها بشكل واضح لا في الدستور الغائب ولا في القوانين الأساسية، نفهم أنّ الحدود الحالية هي حدود غير نهائية. 

عدم تحديد الحدود بغياب الدستور يعني أيضاً أنّ مسألة الهجرة إلى فلسطين من قبل يهود مختلف القوميات لم تنتهِ بعد، إذ سبق أن "نكشت" إسرائيل وجود يهود في إثيوبيا لا يمتّون بصلة إلى اليهودية، ونقلتهم في غفلة من نظام جعفر النميري في السودان إلى فلسطين المحتلة ليصيروا هناك يداً عاملة في مستوطناتها، وهم حالياً يقطنون مستوطنات غلاف غزّة. لن نتحدث هنا عن يهود مناطق أخرى في أوروبا، وسنتذكر أنّ الخديعة هي الكلمة الأفضل لوصف ممارسات هذه "الدولة" في كل شيء.

يضاف إلى ذلك، أن فكرة الحدود المفتوحة تعني عدم الاعتراف بالآخرين الموجودين ضمن هذه الجغرافيا وخارجها، ولا يتمتع الفلسطينيون في هذه المناطق بأي شكل من أشكال الحقوق البشرية مثل التملك ونقل الملكيات والحياة الطبيعية، وأي شخص يتحدى هذا المنطق سيكون مصيره مشابهاً لمصير سكان غزة الذين يعاقَبون بشكل جماعي. ووفقاً للكاتب الإسرائيلي "زفي باريل" في صحيفة هآرتس فإنّ هذا العقاب الجماعي "يحفر فكرةً في الوعي الفلسطيني قائمةً على العقاب الكارثي "الأبوكاليبتي" الذي سيواجه أيّ شخصٍ يجرؤ من الآن فصاعِداً على تحدّي إسرائيل. هذا امتدادٌ للمفهوم الإستراتيجي المتجذّر الذي يؤمن بأن المعاناة الإنسانية يمكن أن تفضي إلى مكاسب أمنية لإسرائيل، وهو المفهوم الذي يعتبر حصار غزة ضرورةً لا غنى عنها".

علمانية الدولة ودينيتها في العمق

إحدى قضايا الصراع حول الدولة الحديثة، قضية تحديد دين الدولة، وهل يجب أن يكون لها "دين" كونها جهازاً إجرائياً أو تنفيذياً لا أيديولوجياً، أم لا؟ هذه القضايا تظهر أكثر ما تظهر في العالم الإسلامي، وتأخذ مداها في صراع "علماني"-"ديني" مفخخ. على سبيل المثال، فإنّ الدول العربية "التقدمية" تحارب المظاهر الدينية في جيوشها وتمنع الصلاة والصوم وحتى الحج، في حين أنّ الحاخامات يرافقون الجيش "الإسرائيلي" في عملياته كلها، وإذا سبق وشاهدت حفل تخرج للضباط الإسرائيليين ستلاحظ أن أغطية رؤوسهم غير متماثلة تماماً، فنصفهم تقريباً يعتمرون القلنسوة اليهودية المعروفة التي ترمز إلى تديّن هذا الشخص، وإلى أنّ هناك حاخاماً مؤكداً وراء هذه القلنسوة وآخر محتملاً تحتها.

عدم وجود دستور في "إسرائيل" يعفي من مسألة تحديد "دين" الدولة ويتيح الانتقال بين الجهتين الشهيرتين، العلمانية والدين بوصفهما نقيضين حداثويين، وهو ما يوضح استمرار أفكار بن غوريون، وهكذا بقدر ما تُظْهر إسرائيل "يهودية" الدولة حول العالم، تظهر علمانيتها وليبراليتها، فيحضر "التدين" بكثافة في مختلف السرديات الإسرائيلية الشعبية والحكومية على حد سواء. وخلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة،طفت فوق السطح عشرات بل مئات التصريحات التي تتحدث عن حرب دينية مع الفلسطينيين. تنقل شبكة رويترز في تحقيق لها عن إحدى الصحف التي تميل إلى اليسار،أن جندياً لم تنشر اسمه قال إنّ "هذه العملية -عملية الحرب على غزّة- كانت حرباً دينيةً"، وقالت عن كلمات حاخامات الجيش للقوات التي كانت موشكةً على دخول غزة: "كانت رسالتهم واضحةً جداً: إننا شعب يهودي، أعادنا الله إلى هذه الأرض والآن نحتاج إلى القتال لطرد غير اليهود".  

عدم وجود دستور في "إسرائيل" يعفي من مسألة تحديد "دين" الدولة ويتيح الانتقال بين الجهتين الشهيرتين، العلمانية والدين بوصفهما نقيضين حداثويين، وهو ما يوضح استمرار أفكار بن غوريون، وهكذا بقدر ما تُظْهر إسرائيل "يهودية" الدولة حول العالم، تظهر علمانيتها وليبراليتها 

هذا التهرب من تحديد دين وهوية نظام الدولة من الضروري عدم فتحه، لأنه سيفتح بوابات الجحيم للنقاش بين المتدينين واللامتدينين، وكلاهما من المتعصبين "لإسرائيل"، وسيعيد للنقاش سؤالاً مركزياً: هل اليهود أمة؟ وهو النقاش الذي ابتلع مفهوم القومية الأوروبي، وحوّله إلى مطيّة هزلية تجري تحتها التحولات المطلوبة كافة للوصول إلى قياس مناسب "لقومية يهودية" تتكلم لغةً منكوشةً من عتم التاريخ، عدا طبعاً عن "اختراع إسرائيل القديمة" كلها كمفهوم وأرض، كما يذهب الأكاديمي الشجاع كيت وايتلام، في كتاب قال عنه إدوارد سعيد إنه "عمل أكاديمي من الطراز الأول لما يتميّز كاتبه بجرأة كبيرة في نقده للعديد من الفرضيات حول تاريخ إسرائيل التوراتي".

في ختام تلك الجلسة التي تحدثنا عنها في مطلع هذا المقال، دار حديث قصير فكاهيّ بين بن غوريون وغولدا مائير التي قبلت بشكل أساسي حجته، لكنها مع ذلك قالت إنها تؤيد من حيث المبدأ وجود دستور، فردّ عليها بن غوريون قائلاً: "هذا لأنك أمريكية"،فأجابت: "نعم، ربما يكون ذلك".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

Website by WhiteBeard